لست أشك أن الحصار والاستهداف والإفشال الداخلي الذي تتعرض له الحكومة الجديدة أشد ضررا وأكثر إيلاما من مثيله الخارجي وأخطر أثرا على حاضر ومستقبل شعبنا وقضيته وعلاقات قواه وفصائله…
لست أشك أن الحصار والاستهداف والإفشال الداخلي الذي تتعرض له الحكومة الجديدة، أشد ضررا وأكثر إيلاما من مثيله الخارجي، وأخطر أثرا على حاضر ومستقبل شعبنا وقضيته وعلاقات قواه وفصائله الوطنية.
بكل صراحة، وبدون توريات أو مجاملات، فإن بعض الأوساط ذات النفس الفئوي تمارس تمردا مكشوفا، وإفشالا سافرا، وإحباطا مقصودا لمسار وخطط الحكومة الجديدة، وتنهج نهجا مناقضا لها في شتى الأصعدة والمجالات، السياسية والإدارية والإعلامية والجماهيرية.
سياسيا، لم يخف على أحد التحشيد المسبق الذي مورس ضد فكرة أو إمكانية الالتقاء مع "حماس" في إطار حكومة وحدة وطنية، والاستعراضات المسلحة التي سُيّرت في غير ذي مكان لهذا الغرض، وبدا بوضوح أن قرارا مسبقا قد اتخذ بعدم المشاركة والائتلاف، وأن الحوارات التي جرت في غمار المشاورات الفصائلية المكوكية قبيل تشكيل الحكومة، كانت محكومة بسقف الرفض والاستنكاف مهما كانت طبيعة العروض والبرامج والطروحات.
صحيح أن بعض القيادات والأوساط الحريصة كانت تأمل في حكومة ائتلافية مع "حماس"، تحملا لأمانة القضية ومواجهة للتحديات والمسئوليات الجسيمة التي تفرضها المرحلة، إلا أن التيارات الأخرى التي حرّضت شارعها الداخلي في اتجاه رفض التعاون مع "حماس"، كانت الأقوى إرادة والأكثر إملاءً والأعلى صوتا.
في العرف والتقليد السياسي فإن منح الفرصة لإثبات الذات وجدارة الاستحقاق يشكل حقا مكتسبا لا يماري فيه أحد، ولئن كانت الفرصة مفهوما مطاطا ونسبيا إلا أن أحدا في عالم السياسة لا يجيز لنفسه تجاوز المنطق والتورط في إصدار أحكام قطعية بصدد أي تجربة سياسية جديدة إلا عقب مائة يوم على الأقل من بدايتها.
الملاحظ أن الحكومة الجديدة لم تُمنح أي فرصة، ولو لدقيقة واحدة، فمعالم الهجوم الداخلي عليها، متعددة الصيغ والأشكال والتجليات، قد بدأت منذ اللحظة الأولى لاستلامها مهامها رسميا، في تساوق غريب مع الهجمة الخارجية التي فتحت نيران اشتراطاتها وإملاءاتها التعجيزية تجاهها دون بحث أو انتظار!!
أستغرب - بحق- الادعاء بأن الحكومة تحمل في طياتها بذور فشلها، وأن برنامجها السياسي محكوم عليه سلفا بالفشل، وأستغرب أكثر البدائل والخيارات التي يطرحها البعض للخروج من الأزمة، من قبيل الالتزام ببرنامج منظمة التحرير، أو الدعوة لانتخابات برلمانية مبكرة!!
لم تمارس حركة "حماس" يوما ما يمارسه "البعض" سياسيا، ولم ترتفع وتيرة نقدها يوما حيال الشأن السياسي والوطني إلى مستوى ممارسته وسلوكه الراهن، حتى في أشد لحظاتها ومراحلها نقدا، وأكثر علاقاتها بالسلطة حساسية وتوتراً.
على العكس فقد ألقت "حماس" بكافة إشكاليات وتوترات علاقتها بالسلطة وراء ظهرها مرات عديدة إبان المفاصل الوطنية الحساسة، التي لا تحتمل الهذر السياسي أو المناكفة الداخلية، والتحمت بموقفها آنذاك مع موقف السلطة في مواجهة العدوان والمخاطر التي تتهددها وتستهدف وجودها ومصيرها.
تجليات الإفشال السياسي تتجسد في أوضح صورها بما تمارسه أوساط في مؤسسة الرئاسة من ضغوط لتوتير العلاقة الرئاسية مع مؤسسة الحكومة، والسعي لتشكيل وترسيخ حكومة ظل موازية للحكومة القائمة.
لم أكن أشك في شفافية الرئيس "أبو مازن" ومصداقية نهجه الإصلاحي الذي يتقاطع مع برنامج "حماس" والحكومة الجديدة داخليا، إلا أن ما يمارسه ويصدره اليوم من مراسيم وقرارات تناقض المصلحة الفلسطينية العليا قد غيّر قناعاتي تجاه الأجندة الراهنة التي يحملها، ولربما كانت الضغوط التي يتعرض لها الرجل من مقربيه وبعض أوساط حركته قد دفعته لاتخاذ مواقف خارج السياق، لا يُفهم منها سوى سحب صلاحيات الحكومة، وتفريغها من بعض مضامينها، والتساوق مع الضغوط الخارجية.
كلي أمل أن تستقيم العلاقة بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الحكومة، وأن يكون التنسيق الدائم والتفاهم المشترك عنوان العلاقة وسيد الموقف، غير أني أستشرف مستقبلا متوترا للغاية لواقع العلاقة بين المؤسستين، فما يبدو للعيان أن مؤسسة الرئاسة تندفع بجموح نحو تسجيل مكاسب ونقاط قوة تراكمية في مواجهة الحكومة تحت ذرائع مختلفة، بين يدي الصدام القريب بينهما الذي يتمناه وينتظره البعض، ويعشش في عقولهم وأفهامهم.
إداريا، فإن محاولات الإعاقة والتخريب الإداري للبرنامج الإصلاحي للحكومة الجديدة لا تحتاج إلى كثير شرح وتبيان، فالتمرد المبرمج الحاصل في بعض الوزارات والدوائر الحكومية، لا يخفى على أحد، بل إن أصحابه لم يخجلوا من المجاهرة به على صفحات وسائل الإعلام وعلى رؤوس الأشهاد!!
إعلاميا، فإن بعض وسائل الإعلام المهيمن عليها فئويا، إذاعة وتلفزيون وإذاعات محلية وصحف ومواقع إلكترونية، تشن اليوم حرب تشويه وتحريض مكشوفة ضد حركة "حماس" والحكومة الجديدة، لا تعرف للقيم الوطنية أو الأخلاق المهنية سبيلا، ولا تقيم وزنا لحجم الأخطار وحساسية المرحلة وعمق الأزمة التي تجتاح قضيتنا الوطنية، وما الهجمة الإعلامية التي تمارس حاليا تحت ذريعة الرد على خطاب الأستاذ خالد مشعل إلا غيض من فيض السيول الإعلامية المنحرفة التي تصب حممها في وجه "حماس" والحكومة الجديدة.
جماهيريا، فإن تحريك بعض عناصر ومنتسبي الأجهزة الأمنية للاعتداء على المؤسسات والممتلكات العامة لتأليب الشارع الفلسطيني على حكومته، فضلا عن التظاهرات المسلحة الأخيرة التي جاءت تحت ذريعة الرد على خطاب مشعل، يشكل شهادة إضافية على نوايا الإحباط والإفشال المبيتة التي تستهدف "حماس" والحكومة الجديدة، والمدى الذي يمكن أن يصل إليه البعض في مواجهة الحكومة، والرهان على أجندته الخاصة.
على أية حال، فإنني أعتقد أن المخرج للأزمة الوطنية الراهنة يجب أن يكون وطنيا بامتياز، دون ارتباط بالأجندة والاشتراطات الخارجية، فلا زال هناك متسع لإحداث توافق وطني في إطار حكومة ائتلافية وفقا لقواسم مشتركة تقتضيها المصلحة الوطنية، وليس انحيازا حرفيا لبرامج بذاتها، وإن كنت أعتقد - أيضا- أن الاستنكاف وما يرافقه من محاولات إفشال وتخريب، لن يحرم الحكومة فرصة الانطلاق وإمكانيات النجاح المطلوب.
صبراً.. فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً.