صحيفة الخليج الإماراتية كان الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر من شهود العيان والمراقبين للانتخابات الفلسطينية لهذا كان من المدافعين عن نزاهة تلك الانتخابات ولم يثنه فوز حماس…
صحيفة الخليج الإماراتية
كان الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر من شهود العيان والمراقبين للانتخابات الفلسطينية، لهذا كان من المدافعين عن نزاهة تلك الانتخابات ولم يثنه فوز حماس عن ذلك، وربما كان سباقاً إلى نشر مقالة في ال "واشنطن بوست" يحذر فيها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من معاقبة الفلسطينيين، لأنهم انتخبوا "حماس" غير المرغوب فيها، بل غير المدرجة على قائمة ما يسمى الشركاء في مفاوضات السلام.
وكارتر الذي كان طرفاً ولاعباً أساسياً في كامب ديفيد الأول، لا يدافع عن حماس بل عن الفوز المجرد، لكنه يشترط عليها شأن العديد من الأطراف الدولية والإقليمية أن تعتدل أي أن تقلع عن شعاراتها الراديكالية.
ويقترح كارتر وسطاء للتأثير في حماس من أجل هذا الاعتدال، منهم موسكو والقاهرة.. وعلى الرغم من اعتراف كارتر كشاهد ومراقب أن الانتخابات الفلسطينية كانت نزيهة، إلا أنه لا يستطيع على ما يبدو التغريد خارج السرب، حتى لو كانت نبرته مختلفة، لأن مطالبة حماس بأن تستقيل من مرجعياتها وأدبياتها الأيديولوجية وما يسمى راديكاليتها أصبحت الآن النغمة الشائعة والتي يتناوب على العزف عليها من يزعمون بأنهم رعاة الاعتدال وفقهاء الوسطية والمبشرون بالليبرالية بعد إعادة إنتاجها لتلائم حجوماً وقامات شرق أوسطية.
وقد يكون منطق جيمي كارتر بالصفة الدولية والمعنوية التي يتمتع بها الآن، وليس بصفته رئيساً أسبق للولايات المتحدة قابلاً للفهم، وبالتالي للحوار، لكن المنطق الآخر سواء كان أمريكياً أو أوروبياً تحول إلى نوع من الدوغمائية التي لا تليق بالليبرالية المزعومة والمعدة للتصدير.
فالاتحاد الأوروبي علق مؤخراً معوناته للسلطة الفلسطينية، بسبب فوز حماس، ولم يتردد قارئو هذا الموقف وما بين سطوره في تفسيره على أنه عقاب جماعي لشعب، وما من مبرر عقلاني له..
لكن النزعة المتنامية لاسترضاء تل أبيب والتي باتت معروفة، هي المسؤولة عن قلب المنطق ومعادلاته رأساً على عقب، لأن جدول الضرب، والسلم الموسيقي وجذور المنطق الأوسطي أصبحت مطوّبة للدولة العبرية وعلى من يريد النجاة بجلده من تهمة عدائها والإدراج في قائمة اللاسامية السوداء أن يخلع دماغه وذاكرته معاً كالقبعة، ويقف أو ينحني أو يقعي حاسر الجسد لا الرأس أمام تلك العتبة التلمودية التي تتأرجح فوقها الأقفال الصدئة.
ما قاله جيمي كارتر أشبه بالجملة السياسية ذات المبتدأ الواضح والخبر الغامض، فهو يرضخ وإن بدرجة أقل للشروط المعلنة أمريكياً وأوروبياً حول تأهيل حماس، وهذا التأهيل يتضمن تدجيناً أيديولوجياً وترويضاً سياسياً.
فأية ديمقراطية تلك التي يشيد بها الشهود ثم يشترطون لها حدوداً مسبقة؟ وأية نزاهة انتخابية تلك المطعون في نتائجها لأن طرفاً غير مرغوب فيه قد فاز فيها؟
وقد تكون واشنطن وضواحيها السياسية القريبة والنائية قد أخفقت في إعادة رسم المشهد، لكنها نجحت إلى حد ما في بث مزاج يزعم الاعتدال، ويرعى الوسطية ويناهض الراديكاليات عندما تتعلق بطرف واحد.. هو المعتدى عليه، بل المحتل.
ولو مارست أمريكا وضواحيها السياسية واحداً بالألف من النقد الذي توجهه للتجربة الفلسطينية مع تل أبيب، لهان الأمر ولو قليلاً، لكن المفارقة الآخذة في التورم والاتساع معاً، هي مزيد من النقد الذي يصل حد النقض ضد الفلسطينيين ومزيد من الانحياز والمباركة اللذين يصلان حد التبعية الكاريكاتورية لتل أبيب.