أنفاق غزة .. استنزاف مزمن لجيش الاحتلال

د.محمود العجرمي
2016-10-25

شكلت الأنفاق التي تمتد على طول وعرض قطاع غزة التحدي الأكبر لجيش العدو الذي يعلن قبل كل عدوان يشنه على القطاع المحاصر بأن الهدف الأهم هو تدمير الأنفاق التي يعتبرها رئيس الأركان…

شكلت الأنفاق التي تمتد على طول وعرض قطاع غزة التحدي الأكبر لجيش العدو الذي يُعلن قبل كل عدوان يشنه على القطاع المُحاصَر بأن الهدف الأهم هو تدمير الأنفاق التي يعتبرها رئيس الأركان غادي إيزنكوت المهمة رقم واحد لجيشه وأن التدريبات التي تجريها ألوية النُخْبة اليوم هي اتخاذ كل الإجراءات التي تضمن تدمير أنفاق حماس.
ويقول وزير الجيش أفيغدور ليبرمان: إن أهم قرار أمني تم اتخاذه هو تشكيل وحدة " يهلوم " لمواجهة المخاطر الاستراتيجية التي تُشكلها أنفاق المقاومة، في الوقت الذي تُرصد فيه ملايين الدولارات لهذا الهدف بتزويد هذه الوحدة وكامل جيش المشاة بالتجهيزات الخاصة لذلك وتعزيز وحدات الهندسة عدة وعديداً وإجراء التدريبات المُكَثَّفة والمناورات المشتركة بين صنوف الأسلحة للقتال في الظلام وتعزيز القوات الخاصة أثناء عملياتها تحت الأرض.
ومن أجل ذلك، يُوضّح عاموس هرئيل المراسل العسكري لصحيفة " هآرتس " أن تجربة القتال تحت الأرض يجب أن يُمارسها أي مقاتل في الجيش خلال أي دورة تدريبية يَمُر بها.
ويُبدي قائد الوحدة الهندسية للمهام الخاصة السابق "عيتي شيلح" أن معلومات في غاية الخُطورة وصلت إلى أيدي " الشاباك " تُشير إلى أن حركة حماس توصل الليل بالنهار لحفر أنفاق هجومية تصل خلف خطوط السلك الشائك في فلسطين المحتلة، وأن على دولة العدو إيجاد حلول خَلاَّقة وجِذرية لهذا التحدي المُعَقَّد.
وأكد المسؤول في " الشاباك " عادي كرمي بقوله "يجب التوصل إلى حلول طويلة الأمد وعلى الجيش أن يظل جاهزاً ومستعداً، لِأن " حماس " تستثمرُ مواد ضخمة في البنية التحتية وفي تطوير وسائلها القتالية "!
وتشير مصادر العدو إلى أن جيش الاحتلال يعمل حالياً لمعالجة وقوع عمليات أسر من خلال الأنفاق وأن ذلك يَتطلب معالجة سريعة الاستجابة تحت الأرض لوحدات الكوماندوز الخاصة من وحدة " يهلوم "!!
أما قائد ما يسمى بالمنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال إيال زامير فيرى أن الجيش لا يريد أن تكون الأنفاق مصائد للموت، خاصة وأنه يعلم أن أبطال القسام نفذوا بنجاح العديد من العمليات العسكرية فكانت العملية الأولى تفجير موقع " ترميد " عام 2001 ميلادية ومقتل 5 جنود وجرح 30 جندياً، تلا ذلك تفجير موقع "حردون" عام 2003 ميلادية وأسفر عن مقتل 2 من جنود الاحتلال وجرح 10 آخرين، ثم تفجير موقع "محفوظة" عام 2004 ميلادية وقد نجم عن ذلك مقتل 7 جنود.
وقد جاءت عملية " الوهم المتبدد " لِتُشكّل رداً صاعقاً على المستويين الأمني والعسكري والتي تُوِّجَت بأسر الجندي غلعاد شاليط عام 2006 ميلادية وتدمير بعض آلياته وجَرح عدد من جنوده وإِخفائه لخمس سنوات ونيف دون أن يَتمكن العدو من معرفة موقعه رغم كل أجهزته الأمنية المتطورة وطائرات استطلاعه ومناطيده والقمر الاصطناعي عاموس وتَنْسيقه الأمني المتقدم مع سلطة المقاطعة في رام الله ومصر والأردن والستالايت الأميركي وجواسيسه على الأرض، ثم عملية " بوابة المجهول " التي صَعَقَت جيش الاحتلال عام 2013 ميلادية وأسفرت عن مقتل 6 جنود، ثم عملية موقع " أبو مطيبق " عام 2014 ميلادية وقتل فيها 8 جنود.
ولقد لعبت أنفاق كتائب الشهيد عز الدين القسام دوراً استراتيجياً خلال معارك الصمود الخالدة للعصف المأكول في تموز عام 2014 ميلادية خلال العمليات النوعية خلف خطوط العدو في عملية " ناحل عوز " شرق مدينة غزة، وأثناء المعركة البطولية وأَسر الجندي شاؤول آرون والانسحاب إلى منطقة آمنة رغم كثافة القصف المدفعي وغارات طائرات F16.
ردود عدة، أبلت فيها المقاومة بلاءً حسناً، وقد أثبتت فَشَل قبته الحديدية، ومنظومة "السهم" و "العصا السحرية" في التصدي لصواريخها، ونخبة مُشاتِهِ غرقت في وحل غزة، وأنفاقها تستعد اليوم لرد صاعق جديد.
لقد جَرَّب جيش العدو كيف كانت نجاعة هذه الأنفاق ويعلم يقيناً أنه لم يُدمِّر أي هدف إستراتيجي على مدار عدواناته الماضية وقد صَمَدت الأنفاق التي أمطرته خلالها المنصات المُمَوَّهة جيداً بوابل صواريخ لم تنقطع طوال أيام المعارك وبوتيرة وأعداد متقاربة حَددها المجاهدون حتى الساعات الأخيرة.
كما تُؤَمِّنُ هذه الأنفاق مخازن الأسلحة ومعدات التصنيع ومرابض المدفعية والنقاط الطبية والتموين والحركة الآمنة ومهاجع المقاتلين ومراكز القيادة للسيطرة والتحكم والتوجيه.
لقد نجحت أنفاق المقاومة في تحييد تكنولوجيا العدو عن ميدان المعركة فكان قتاله وفي معظم عملياته قتالاً أَعمى، في الوقت الذي نجحت فيه وزارة الداخلية وأجهزة المقاومة المختصة في السيطرة الأمنية واعتقال وَشَلّ قدرة عيونه على الأرض في قطاع غزة.
ورغم كل الضجيج حول النجاحات الوهمية التي يَدّعي جيش الاحتلال أنه أنجزها في مواجهة الأنفاق، إلاّ أن تقرير " مُراقب الدولة " جاء ليفضح الفَشل الذريع والإخفاقات التي مُني بها، بل وانتقل قادته إلى مُرَبَّع آخر تماماً في هروب مُذِلٍّ إلى الأمام من مآزق الخسائر وتآكل قدراته الردعية في مواجهة الأنفاق وذلك حين قررت وزارة جيش العدو البدء فعلياً ومنذ الأيام الأولى للشهر الجاري تشرين أول 2016 ميلادية ببناء جدار إسمنتي بِعُمق عشرات الأمتار على حدود قطاع غزة مع فلسطين المحتلة بِطول 60 كيلومتر.
وذكرت صحيفة " يديعوت أحرونوت " أنه خط " دفاعي لتقويض " الأنفاق الهجومية، وقَدَّرت منظومة الأمن للعدو تكلفة هذا المشروع بعشرات المليارات من الدولارات! وهو خط ينقسم إلى ثلاث مراحل بعد فشل منظومتي " هوبرس A " التي شُيِّدَت عام 1994 ميلادية و"هوبرس B" التي شُيِّدَت عام 2005 ميلادية بعد اندحار قوات الاحتلال من قطاع غزة الصامد ومن طرف واحد بفعل المقاومة وعمليات الاستنزاف البطولية، ولكن مركز " بيغن – السادات " للدراسات الاستراتيجية الصهيوني يقول: " جدار غزة مُكلف ولا قيمة استراتيجية له "؟!
لقد أثبتت الأنفاق أنها وسيلة ناجعة ومُجَرّبة في كل حروب حركات التحرير ضد الاحتلال، ونماذج ذلك كثيرة فقد انتصر شعب فيتنام وقد أجاد " صِناعَةَ " أنفاق " كوتشي " وهي المدينة الأُنموذج للأنفاق التي امتدت في فيتنام شمالاً وجنوباً وقد دَحَرَ على غير رجعة الاحتلالين الفرنسي والأميركي، وفي جنوب لبنان حققت المقاومة الوطنية اللبنانية إنجازات كبيرة بأنفاقها فقالت صحيفة معاريف " أنفاق حزب الله تُرعب تل أبيب "!
واليوم يقول نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إن الحركة قد حَفَرَت أنفاقاً يفوق عددها تلك التي حُفِرَت في فيتنام، أما الناطق الرسمي باسم كتائب القسام المجاهد " أبو عبيدة " فيقول عن فعِلْ الانفاق: " إن ما لدى الكتائب سيفاجئُ الجميع " وَوَعَدَ الأسرى بِفَرَجٍ قريب.
الأنفاق وأثناء كل العدوانات الظالمة، أخفت ما لدى المقاومة وصدمت العدو، وأفشلت ترسانته المُتْرَعة بالأحدث من السلاح التدميري من تحقيق أهدافه السياسية، وفي كل عدوان كانت المقاومة الباسلة تَعِدُ وتفي.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026