بديل حماس مرعب

بديل حماس مرعب

عبد الباري عطوان
2006-04-14

صحيفة القدس العربي اللندنية قرار الاتحاد الأوروبي بفرض مقاطعة مالية على السلطة الفلسطينية بعد تشكيل حركة المقاومة الإسلامية حماس حكومتها لا ينحصر في كونه خاطئا وإنما في وضع الجميع…

صحيفة القدس العربي اللندنية

قرار الاتحاد الأوروبي بفرض مقاطعة مالية على السلطة الفلسطينية، بعد تشكيل حركة المقاومة الإسلامية حماس حكومتها لا ينحصر في كونه خاطئاً، وإنما في وضع الجميع، وخاصة الأوروبيين في مأزق سياسي خطير للغاية.

حركة حماس ربما تكون أقل المتضررين من هذا القرار، لأنها ستكون الضحية في نظر الشعب الفلسطيني، ومعظم الشعوب العربية الأخرى، والتجارب أثبتت أن هذه الشعوب تتعاطف مع الضحايا في مواجهة الجلادين.

فالرئيس العراقي صدام حسين ما زال بطلاً في نظر الغالبية الساحقة من العرب والمسلمين لأنه تحدى الولايات المتحدة، القوة الأعظم في التاريخ، وكان أحد ضحاياها. وأصبحت جلسات محاكمته الأكثر مشاهدة في الوطن العربي لأنه واصل التحدي من داخل قفص الاتهام، وحاكم جلاديه، وفضح ممارساتهم التدميرية، وجسد الواقع العراقي البائس على الأرض، وأثبت أنه آخر زعيم عراقي، يمثل العراقيين جميعاً، في مواجهة زعماء الطوائف. فالشارع العربي في معظمه لم يتوقف عند تجاوزات نظامه على صعيد حقوق الإنسان، بل إنه غفر له معظمها إن لم يكن كلها، خاصة بعد أن جاءت المقارنات لصالح عهده في نظر الكثيرين، لأنه ديفيد الصغير الذي تحدى غولياث العملاق.

المقارنة بين حركة حماس والرئيس صدام حسين ربما لا تكون في محلها تماماً، ولكن اللافت أن معظم العرب باتوا يتعاطفون معها بسبب تكاثر المؤامرات التي تريد إفشال حكومتها، وهي التي وصلت إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع في انتخابات حرة نزيهة، وفي مقابل هذا التعاطف تتزايد الكراهية للغرب والولايات المتحدة الأمريكية التي تقدم نفسها على أنها زعيمة العالم الحر والحارس الأمين للديمقراطية والحريات.

فإذا كان الخلاف الأوروبي - الأمريكي قد ظهر على السطح بجلاء تجاه خطط غزو العراق واحتلاله، فإنه من المؤسف القول إن هذه الخلافات تبخرت بسرعة قياسية، وحل محلها اتفاق صلب حول مسألتين أساسيتين، الأولى محاصرة حركة حماس سياسياً ومالياً ودبلوماسياً، ووقف كل الاتصالات معها، والثانية منع إيران من تطوير برامجها النووية بكل الطرق والوسائل.

القاسم المشترك هنا هو البنية العقائدية المشتركة لكل من حماس وإيران، أي الإسلام، وهو قاسم يوحد دول الغرب جميعاً ضده، لأن هناك قراراً غربياً بمنع أي جماعة إسلامية من الحكم في أي بلد إسلامي. هذا ما حدث مع حركة طالبان في أفغانستان، وهذا ما حدث مع جبهة الإنقاذ في الجزائر، وهذا ما يحدث حالياً لحكومة حماس.

حماس لن تحكم في الأراضي العربية المحتلة، والنجاح لن يكون مطلقاً من نصيب حكومتها، وبغض النظر عن شرعية الطريقة التي وصلت فيها إلي الحكم، وليس من قبيل الصدفة أن تبدأ المؤامرات لإفشالها قبل أن تلتقط أنفاسها، وتحتفل بفوزها المفاجئ.

التعاطف العربي والإسلامي مع حكومة حماس سيكون مثل التعاطف المماثل مع العراق تحت الحصار، أو أثناء الغزو، تعاطفاً معنوياً محدوداً يتبخر أثره بعد فترة، ولا يمكن ترجمته خطوات عملية على أرض الواقع.

صحيح أن بعض الحكومات العربية تعهدت بتقديم بعض المساعدات العاجلة للسلطة عبر وزارة مالية حماس ، وصحيح أيضاً أن جامعة الدول العربية في شخص أمينها العام أعلنت عن فتح حساب في المصرف العربي بالقاهرة لجمع تبرعات للفلسطينيين في بادرة تضامن رائعة، ولكن المشكلة ليست في جمع التبرعات ولكن في كيفية إيصالها.

فما تطالب به حركة حماس من دعم مالي لتسديد رواتب 140 ألف موظف شهرياً يفوق المئة مليون دولار شهرياً، وهذا المبلغ قد يصعب تحويله بسبب قرار المقاطعة الأمريكي - الأوروبي، لأن الدولة العبرية، وبمقتضى اتفاق أوسلو باتت مسيطرة تماماً على النظام المصرفي الفلسطيني ولا يتم تحويل دولار واحد دون علمها.

صديق فلسطيني روى لي حكاية تكشف صعوبة الحصار المالي المفروض حالياً على مصارف الأرض المحتلة، والتحويلات المالية إلى أهلها وتلخص بطريقة أو بأخرى حجم المصاعب التي ستواجه جهود حركة حماس لجمع تبرعات وإرسالها إلى الأرض المحتلة.. هذا الصديق أراد أن يحول مبلغ ثلاثين ألف دولار إلى شقيقه لمساعدته في شراء شقة فطلب منه المصرف الذي أراد تحويل المبلغ من خلاله كتابة تقرير مرفق بالأوراق الثبوتية، أن هذا المبلغ سيستخدم في عملية الشراء هذه، ولن يستخدم في أغراض أخرى.

وعندما استفسر من مدير المصرف عن أسباب هذه التعقيدات قال له إن هناك تعليمات جديدة بعدم تحويل أي أموال إلى الداخل الفلسطيني من الممكن أن تستخدم في تمويل حركات إرهابية، حتى لا يوضع المصرف في القائمة السوداء، أو يواجه محاكمات تطالبه بمليارات الدولارات كتعويضات عن تمويل عمليات إرهابية.

وفي ظل مثل هذه التعقيدات، لا نعرف كيف ستحول الحكومات أو الجمعيات الخيرية المتعاطفة مع حركة حماس أموالها وتبرعاتها لتخفيف معاناة الفلسطينيين في ظل حكومتها في مواجهة عمليات التجويع التي تمارس ضدهم.

نقاط قوة حركة حماس عديدة من بينها نظافة يد وزرائها ومسؤوليها، وتركيزهم طوال السنوات الماضية على تلبية الحد الأدنى من احتياجات المواطن الفلسطيني الحياتية، ولكن أبرز هذه النقاط في تقديرنا عدم وجود بديل مقبول وجاهز يمكن أن يحل محلهم لو نجحت الضغوط في إفشال حكومتهم.

حكومة حماس، وبغض النظر عن نجاحها أو فشلها، قد تكون آخر حكومة فلسطينية بمقتضى اتفاقات أوسلو، وبديلها سيكون الفوضى الدموية الكاسحة. فعقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء مطلقاً. وحتى لو عادت، فإن الشعب الفلسطيني لن يقبل بعودة أمراء الفساد إلى السلطة مرة أخرى، فقد عانى كثيراً من غرورهم وانتهازية الغالبية الساحقة منهم، والتطوع بتقديم التنازلات دون مقابل.

وزراء حماس لن يسهروا في تل أبيب، ولن يتناولوا العشاء في مطاعم ناتانيا، ونساؤهم لن يتبضعن من شارع ديزنغوف الشهير، ولهذا حظوا بالدعم والمساندة، وحصلوا على أصوات من يختلف معهم عقائدياً.

البديل لفشل حركة حماس في السلطة، هو حل هذه السلطة، ووضع العالم بأسره أمام مسؤولياته. فطالما اختار الغرب أن يشهر سلاح المقاطعة، ويعمل على تجويع الشعب الفلسطيني عقاباً له على ممارسة الخيار الديمقراطي الحر بطريقة حضارية غربية، فإن على هذا الغرب أن يتحمل النتائج كاملة فقد كان هو البادئ.

الجماعات الإسلامية التي يريدها الغرب ليس معيارها الاعتدال أو التطرف، وإنما درجة التوافق مع مشاريعه في الهيمنة، واستعداد قياداتها لكي تتحول أداة في خدمة هذه المشاريع. فعندما قبل حزب الدعوة العراقي هذه الشروط أصبح رئيسه الدكتور إبراهيم الجعفري رئيساً لوزراء العراق الجديد وعندما تعاون المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق مع الولايات المتحدة لتغيير النظام العراقي، وتبني مشاريع تقسيم العراق أصبح رئيسه السيد عبد العزيز الحكيم صانع الملوك في العراق، والرجل صاحب النفوذ الأقوى في الزمن الأمريكي السعيد.

حماس لا تقبل بالمشروع الأمريكي، ولهذا رفضت كل الضغوط التي تريد تجريدها من أسس نجاحها وشعبيتها أي الاعتراف بـ"إسرائيل" ونبذ المقاومة باعتبارها إرهاباً.

مقاطعة حكومة حماس من قبل الغرب هي تجسيد حقيقي لصدام الحضارات، وهو صدام من طرف واحد قوي ضد طرف آخر ضعيف، وإثبات جديد بأن الحربين الحاليتين في العراق وأفغانستان والحرب المقبلة ضد إيران، تنطوي على عقلية صليبية بطريقة أو بأخرى.

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026