لن تكون عملية الشهيد المجاهد والمرابط مصباح أبو صبيح الوحيدة التي ستنطبع في الذاكرة الفلسطينية المقاومة كأثر لا يمحى وهي رغم نوعيتها وبراعتها لم تأت منقطعة عن سياق متصل من التضحية…
لن تكون عملية الشهيد المجاهد والمرابط مصباح أبو صبيح الوحيدة التي ستنطبع في الذاكرة الفلسطينية المقاومة كأثر لا يُمحى، وهي رغم نوعيّتها وبراعتها لم تأت منقطعة عن سياق متّصل من التضحية المقدسية التي تميّزت خلال الأعوام الأخيرة، لكنها سُجّلت كإضافة مهمّة في سِفر جهاد نخبة القدس، وهي النخبة التي ما فتئت تجود بأنبل رجالها وأرفع تضحياتها، مشكّلة تميزًا فريدا، فحين نستحضر فعل هذه النخبة ستقفز فورًا إلى الأذهان أسماء أعلام مقدسية رائدة في الفعل المقاومة مثل علاء أبو دهيم، وعبد الرحمن الشلودي، ومعتز حجازي، وإبراهيم العكاري، وعلاء أبو جمل، وغيرهم كثيرون لن يكون آخرهم البطل مصباح.
وهنا يمكن القول إن الحالة المقدسية المقاومة باتت تتشكّل كظاهرة خاصة لها سماتها ومميزاتها التي تنفرد بها وتتفوق أحيانًا على نظيرتها في الضفة نتيجة لعوامل عديدة برزت خلال السنوات الأخيرة، ومن هذه العوامل مساحة الاحتكاك الواسعة مع الاحتلال ومستوطنيه لدى أهالي القدس وضواحيها، وهو ما سيفرز تلقائيًا وفرة في الأهداف حين تتوفّر إرادة المقاومة وتتعزز القيم الجهادية في المجتمع، ولعل المجتمع المقدسي الذي راهن الاحتلال سابقًا على إمكانية تدجينه ودمجه في المجتمع الصهيوني وإشغاله بمصالحه قد سجّل بجدارة انتماءه لقضيته المقدسة ومستوى عاليًا من الاستعداد لتحمل مسؤولية الدفاع عن أرضه ومقدساته، وقد ظهر هذا الاستعداد في رباط كثير من المقدسيين في الأقصى ودوام ملازمته حينما تعذّر على أهالي الضفة الوصول إليه، إضافة إلى انخراط شباب القدس وضواحيها في مقاومة شعبية غير منقطعة، وصولًا إلى المشاركة المباشرة في الأعمال المقاومة تكثّفت خلال السنوات الأخيرة بشكل واضح.
يضاف إلى ذلك عامل مهم يتمثل في غياب السلطة وأجهزتها عن مناطق القدس، وهو ما ساعد على بقائها متحررة من سطوة الملاحقة الأمنية والاستخبارية وتبعاتها النفسية والمادية، فيما يبدو الاحتلال وحده عاجزًا عن تكبيلها وقهر روح المقاومة فيها بدون مساعد داخلي، كما هو الحال في الضفة التي ما تزال تعاني من آثار ازدواجية الاستهداف لبراعمها المقاومة، وهو ما أضعف جميع أشكال المقاومة فيها شعبية ومسلحة.
في مقابل ذلك تتصاعد حدة الانتقام الصهيوني من المقدسيين ردًا على عمليات المقاومة المنطلقة من منطقة القدس، لأنه يريد منع هذه الحالة من التنامي، والحيلولة دون امتدادها إلى مناطق الـ48 مع كل ما سيترتب على ذلك من انفلات الأمور والانتقال إلى مرحلة جديدة مجهولة الملامح والمآلات بالنسبة للاحتلال.
لكن نخبة القدس اليوم وهي تقود هذه المرحلة الصعبة تؤكد جدارتها بريادة الفعل الجهادي، ولعل نظرة في سِيَر أعلام هذه النخبة المجاهدة تحيلنا إلى حقيقة كونها لم تأتِ من فراغ ولا بادرت لفعلها بشكل عشوائي، بل إن لها تاريخًا عريقًا في مقاومة الاحتلال والرباط في الأقصى، إضافة إلى حضورها الدائم كقناديل مضيئة في أوساط المجتمع المقدسي، وهي اليوم تبشّر بمزيد من التضحيات النوعية التي تعدّ مدرسة للجيل الجديد، من فعلها يستلهم العِبر، وعلى هدي خطاها يسير، وبضيائها يكافح الظلام ويتجاوز لجّته، تمامًا كما صنع فعل المجاهد مصباح أبو صبيح، ومن سبقه ومن سيأتي بعده من صنّاع الأثر وروّاد المراحل.