صحيفة البيان الإماراتية باتت إسرائيل تتصرف خصوصا منذ صعود
صحيفة البيان الإماراتية
باتت "إسرائيل" تتصرّف، خصوصاً منذ صعود «حماس» إلى سدّة السلطة، وكأنّها في حلّ من عملية التسوية ومن التزاماتها مع الفلسطينيين واتفاقاتها معهم.
فقد عزّز هذا الصعود (من وجهة نظرها)، صدقيّة ادّعاءاتها المعروفة، بشأن عدم وجود شريك في المفاوضات لدى الفلسطينيين، ووصمهم عموماً بشبهة الإرهاب، والتشكيك بأهليتهم للتسوية أو للديمقراطية!
على أية حال فإن مشكلة "إسرائيل" مع حماس، متعدّدة الأوجه، فهذه الحركة لا تعتبر نفسها معنية بعملية التسوية، وإن اضطرّتها الظروف الجديدة إلى التعامل مع وقائعها، أولاً.
وثانياً، إن هذه الحركة تصارع على وجود "إسرائيل" من أساسه، وليس على شكل هذا الوجود. ثالثاً، إن "إسرائيل" تعتبر تصويت الفلسطينيين لحماس باعتباره تصويتاً لنهجها السياسي، وتأييداً لنمط العمليات التفجيرية، في المدن الإسرائيلية، الذي انتهجته هذه الحركة، خصوصاً، في السنوات الخمس الماضية (مرحلة الانتفاضة).
الحاصل أن "إسرائيل"، وبدعم من إدارة بوش، باتت بعد هذا التحوّل السياسي الفلسطيني، أكثر ارتياحاً في تحرّكاتها الدولية والإقليميّة، من ذي قبل، وأكثر جاهزية لفرض خطّة الحل الأحادي «الانطواء»، لترسيم حدودها من طرف واحد.
كما أنها باتت أكثر تحرّراً في استفرادها بالشعب الفلسطيني، وهذا ما يفسّر إجراءات الحصار والعزل السياسي والاقتصادي، التي تتّبعها ضد الفلسطينيين (بالتنسيق مع بعض الأطراف الدولية)، مع توجيه الضربات العسكرية ضدّهم (الاغتيالات والقصف المدفعي).
المفارقة أن "إسرائيل" تشنّ، في هذه المرحلة، هجمة سياسية واقتصادية وعسكرية على الشعب الفلسطيني، وعلى سلطته المنتخبة، على الرغم من جنوح الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها «حماس» للتهدئة، وعلى الرغم من كل التحولات السياسية التي باتت تنتهجها هذه الحركة، من موقعها الجديد في سدّة السلطة، من مثل قبولها بخيار إقامة الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع (الذي يفترض الاعتراف بـ"إسرائيل")، والتعاطي مع القرارات الدولية والاتفاقات التي وقعتها المنظمة مع "إسرائيل"، والتلويح بإمكان عقد هدنة طويلة الأمد معها.
ويفسّر المحلل زئيف شيف الموقف الإسرائيلي الراهن بالتالي «أغلب الظن ستمتنع "إسرائيل" عن التوصل إلى تفاهمات مع هذه الحركة (حماس) في هذه المرحلة.
وذلك كي لا تخدم مصالحها، قبل أن تستجيب للشروط التي وضعتها الأسرة الدولية - ليس فقط بوقف العنف، بل وأيضاً الاعتراف بـ"إسرائيل" وتبني جملة الاتفاقات التي وقعت معها في الماضي». (هآرتس7/4)
من كل ذلك يبدو أن "إسرائيل"، كعادتها، تعتزم القيام بكل ما من شأنه التضييق على الفلسطينيين عموماً، لتصعيب عيشهم، وأيضاً خلق التعقيدات في وجه سلطة «حماس»، لاستدراج الوضع الفلسطيني، إما إلى التسليم باملاءاتها أو إلى مربع المواجهة العسكرية، التي تتمكن عبرها من استنزافهم وعزلهم وإضعافهم، ما يمكّنها من إيجاد التغطيات المناسبة للتملّص من عملية التسوية، والقيام بفرض الوقائع التي تتناسب مع مصالحها وحاجاتها في الأراضي المحتلة.
ومن تفحّص الخيارات الإسرائيلية إزاء كيفية التعامل مع الفلسطينيين، وسلطتهم الجديدة، يمكن ملاحظة نوعاً من الحيرة. إذ تجد "إسرائيل" نفسها، في موقف جدّ إشكالي، فهي لا تستطيع هضم التحول الحاصل في النظام الفلسطيني، ولكنها مضطرّة للتعامل معه. وهي تبدو غير مقتنعة بتمكين حماس في سدّة السلطة، بدعوى ممارستها المقاومة (الإرهاب بالمصطلحات الإسرائيلية)، وسعيها لتدمير "إسرائيل"، ولكنها تجد نفسها، في نفس الوقت، مقيّدة في حدود ما يمكن أن تفعله إزاء هذه السلطة، التي جاءت بانتخابات ديمقراطية، خصوصاً أن "إسرائيل" لطالما ادّعت أنها بمثابة «واحة» للديمقراطية في الشرق الأوسط.
أيضاً ثمة مشكلة أخرى لإسرائيل، وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية، بالذات، مضطرّة للتعاطي مع هذه التجربة، كونها تسعى لتقديم هذه الانتخابات، كما غيرها، باعتبارها نموذج للتغيير المنشود في هذه المنطقة من العالم.
ويؤكد هذه الحيرة الإسرائيلية، المحلل اليكس فيشمان (المراسل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت) باعتباره أن "إسرائيل" تجد نفسها في مواجهة «خيارين متطرفين
الأول أنا لا أعترف بالسلطة وأقوم بسحقها واسترجع السيطرة على مقاليد الأمور وأدخل إلى المدن وأُعيد بناء أجهزة الحكم العسكري كما كان الأمر قبل عشرين عاماً.
الخيار الثاني أنا لا أعترف بالسلطة ولا أريد صلة معها، ولا أريد أن أعطيها أدوات لإدارة حياة السكان. أنا أرفع مسؤوليتي وأنسحب من المنطقة نحو خط الحدود الذي أُحدده بنفسي..
الوضع الانتقالي الذي علقت فيه "إسرائيل" في هذه الأيام مربك ومعقد جداً. (يديعوت أحرونوت 7/4).
أما زئيف شيف (المحلل الاستراتيجي في صحيفة هآرتس)، فيرى أن "إسرائيل" تقف أمام مشكلة معقّدة، إزاء الوضع الفلسطيني القائم حالياً، وهو يحاول توسيع الخيارات الإسرائيلية، على الشكل التالي
«الخيار الأول أن تفصل "إسرائيل" بين ما تقوله وتعلنه حماس وبين ما تفعله ضدها. في الأقوال حماس ستبقى متطرفة ومهددة.. بالمقابل، في الحياة اليومية ستمتنع حماس عن أعمال العنف ضد إسرائيل..
الخيار الثاني «استبدال الحكم»، حيث تتركز الجهود على إفشال حكومة حماس ودفعها نحو السقوط.
ينبغي الإثقال على الحكومة في كل المجالات وإقناع الفلسطينيين بأنه كان من الخطأ انتخاب حكومة متطرفة.. استبدال الحكم سيتحقق في النهاية من خلال انتخابات جديدة في السلطة.
الخيار الثالث الوساطة.. صحيح أن القيادة السياسية أمرت بتصميم عدم عقد اتصالات مع حكومة حماس، إلا أنه من الواضح ضرورة إيجاد السبل لمنع الانهيار التام.. بحسب المصالح الإسرائيلية، على أن يتم ذلك مع محافل محلية وليس مع الوزارات الحكومية لحماس.