حول اعتقال صدام وما يجرى فى فلسطين وقضية الحجاب رسالة من المستشار محمد المأمون الهضيبى المرشد العام للإخوان المسلمين بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه…
حول اعتقال صدام وما يجرى فى فلسطين وقضية الحجاب
رسالة من المستشار محمد المأمون الهضيبى
المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد
يقول الحق تبارك وتعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(آل عمران26) تلك الآية الكريمة التى يقرؤها الإخوان فى شتى بقاع الأرض ، عند غروب شمس كل يوم فى ورد الرابطة ، الذى يذكرهم بحقيقة أخوتهم ، وجلال اعتقادهم فى عظمة خالقهم ، وأنه ما من شئ يحدث فى كونه إلا بإذنه ، وقد ملك نواصى عباده ، فكلهم خاضع لسننه فى خلقه ، وأقداره فى ملكه ، تلك السنن التى أمرنا الله تعالى بدوام تدبرها والاعتبار بها .
سقوط صدام
لقد جاء الإعلان عن اعتقال صدام حسين بيد القوات الأمريكية ، وإظهاره فى وسائل الإعلام على النحو من الإذلال والمهانة ، لتحقيق المقاصد الأمريكية والصهيونية التى استهدفت إرسال رسالة لا لبس فيها إلى العالم كله بأن أمريكا هى القطب الأوحد ، والآمر الناهى ، والسيد المطاع ، وأنها تفعل ما تريد ، وأنه لا يوجد فى هذا العالم من يقف دون أهدافها ومراميها ، فهى القوة والقانون والشرعية، وما سوى ذلك من مواثيق وأعراف وقوانين دولية وحقوق إنسان لا قيمة ولا وزن له .
وهى رسالة أيضا إلى الحكام العرب مقصود بها إخافتهم وتهديدهم وإهانتهم .. فقد كان صدام حسين واحدا منهم على مدى ما يقرب من ربع قرن ، وقد استخدمته أمريكا لتحقيق مخططاتها فى المنطقة فى حالات عديدة لا تخفى على أحد .. فاضطهد المخالفين من شعبه ، وبدد أموال دولته ، وزاد من فرقة المسلمين .. ومع كل ما سبق لم تتورع أمريكا عن التضحية به فى الوقت المناسب ، وكأنها تقول للحكام العرب إن هذا هو مصير كل من يقف أمام مشروعها أو لا يذعن إذعانًا كاملاً لمطالبها ورغباتها فى السيطرة والهيمنة ، واستنزاف ثرواته وموارده، فضلا عن ضمان الأمن الكامل دولته ، وتحقيق مشروعه فى إقامة الكيان الصهيونى من الفرات إلى النيل .
لقد غدا أمام حكامنا أحد سبيلين إما التنفيذ الكامل لمطالب أمريكا ، والمشاركة المطلقة فى خططها لتشكيل شرق أوسط جديد - حسبما صرح أركان النظام الأمريكى - يحقق الأمان الكامل للكيان الصهيونى ، والتفوق المطلق له .. وإما الانحياز لشعوبهم ، وإدراك أنها – بعد الله تعالى – مصدر قوتهم الحقيقية، وليس الانصياع لأعداء الأمة الذين لا يرضى غرورهم ولا مطامعهم شئ ..
لقد آن الأوان بحق لإحداث مصالحة تاريخية كبرى بين الحكام المسلمين وشعوبهم يكونون بها يدا واحدة وصفًا متلاحمًا ، حيث ينبغى أن يكون الحاكمون تعبيرا صادقا عن رغبات أمتهم ، وترجمة أمينة لهويتها الإسلامية وثوابتها ، وقيمها وأصالتها ، ويجب فى تلك الحال أن يفسح المجال أمام الشعوب لتنعم بحريتها الحقيقية وترسم سياستها المنبثقة من عقيدتها ورؤيتها ..
على أن فريقا من حكامنا يبالغ فى خطئه حين يتصور أن مزيدا من إرضاء أمريكا سوف ينجيه ، ويبقيه بعيدًا عن دائرة الخطر التى تتسع يوما بعد آخر ..
ولقد أسفنا لما أعلنه حكام ليبيا من تخليهم المطلق عن بعض مشاريعهم للتسلح دون مقابل ، استجابة للمساعى الأمريكية والصهيونية التى تستهدف أن يظل الكيان الصهيونى هو الوحيد فى المنطقة الذى يمتلك ترسانة ضخمة من أسلحة الدمار الشامل على رأسها السلاح النووى .. ألم تكن الحكمة ومصلحة الأمة تقتضى أن يكون ذلك التنازل ضمن اتفاق يشمل جميع دول المنطقة بما فيها الكيان الصهيونى ، حتى لا تبقى أمتنا مهددة بما يدمر أرضها ويبيد شعوبها بغير رادع محتمل ؟؟
وقد كان المثير أيضا أن تكون الشخصية الظاهرة فى التفاوض من الجانب الليبى هو ابن العقيد القذافى مما يعزز المخاوف والظنون من دخول دول عديدة فى المنطقة دائرة توريث الحكم ، ومصادرة حق الأمة فى اختيار قياداتها المستقبلية ..
على أننا نؤكد أن الزهو الأمريكى المفتعل باعتقال صدام لن يخفى حقيقة المأزق الذى يواجهه المشروع الأمريكى الصهيونى فى العراق وفلسطين .. فالمقاومة فى العراق ما زالت مستمرة ، ولن يخضع شعبنا هناك ، كما لم تخضع شعوب كثيرة لإملاءات الاستعمار وغروره على مدار التاريخ .
القضية الفلسطينية
وما تزال المقاومة فى فلسطين مستمرة رغم الجرائم الصهيونية التى تفجع ضمير الأحرار فى العالم كل يوم ، ورغم التأييد الأمريكى المتواصل لتلك الجرائم ، والصمت الدولى إزاءها ، ولقد كان آخر حلقات ذلك التواطؤ الأمريكى تلك الموافقة المؤسفة على خطاب شارون رئيس الوزراء الصهيونى الذى يهدد فيه شعبنا فى فلسطين باتخاذ إجراءات من جانب واحد لإنهاء القضية إذا لم تحقق السلطة الفلسطينية مراده من القضاء على الفصائل المجاهدة هناك ، مما يعنى دخول الساحة الفلسطينية فى حرب أهلية لن تخدم سوى مصالح الصهاينة .
ونعود فنؤكد مجددا على ضرورة الحفاظ على وحدة الفصائل الفلسطينية فهى السبيل لمواجهة خطط ومؤامرات المشروع الصهيونى – أمريكى ، ومن الضرورى أيضا أن تحتفظ الفصائل الفلسطينية بسلاحها فى أيديها لأنها الضمان الأكيد ضد القضية والاغتيالات والمجازر الوحشية التى ترتكبها عصابات بنى صهيون فى حق شعب فلسطين .
إن المقاومة الفلسطينية الباسلة لا تدافع فقط عن أرض العروبة والإسلام – أرض فلسطين ومقدساتها - ولكنها تدافع عن كرامة الأمة وشرفها ، ومن ثم فدعمها ماديا ومعنويا من الفرائض الكبرى علينا جميعا ، خاصة فى هذه المرحلة ، لقد نجحت الانتفاضة المباركة فى تكبيد المحتل الصهيونى خسائر كبيرة فى الأرواح ، واستطاعت أن تزعزع أمنه واستقراره الذى وعده به شارون ، ونجحت فى أن تلحق بالاقتصاد الصهيونى هزائم كبيرة، وأن توقف تدفق الهجرة إلى فلسطين المحتلة ، وصدق الله تعالى إذ يقول (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً)(النساء104)
حول قضية الحجاب
ثم ظهرت قضية المشروع الفرنسى بمنع الفتيات المسلمات من ارتداء الحجاب فى المدارس، وارتفع الصخب حولها إعلاميا وعالميا ، وهي في حقيقتها ليست معاداة للحجاب في حد ذاته ، بل هي معاداة للإسلام ذاته ، وبالتالي .. معاداة لأهله .. والعداء للإسلام وأهله أمر شاع وارتفعت فيه الأصوات واستخدمت فيه وفي الترويج له أحدث الآليات .
ونود هنا أن نوضح الأمور التالية
* الحجاب .. جزء من الزي أي اللباس الذي فرضه الله علي المرأة المسلمة .
وذلك بالنصوص الشرعية المقدسة ، من الكتاب المقدس لدي المسلمين ، وهو القرآن الكريم ، وكذلك السنة النبوية ، المصدر الثاني للتشريع الإسلامي .
حيث يقول ربنا سبحانه وتعالي (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)(الأحزاب59)
ويقول سبحانه للنبي صلي الله عليه وسلم (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ )(النور من الآية31)
وقد نصت السنة الفعلية زمن النبى صلى الله عليه وسلم على وجوب الحجاب ، وأكدتها عديد من الأحاديث النبوية الشريفة .
ومن ذلك نعرف أن زي المرأة المسلمة - ومنه حجابها - فريضة شرعية .. وليس زينة تتحلى أو تتباهى أو تتفاخر بها. وليس لها كذلك أن تتخلى عنها ، أو تتهاون فيها . وإلا صارت مرتكبة لمخالفة شرعية ، يحاسبها عليها ربنا سبحانه ، بل يعاقبها عليها .. حيث إن هذه الفريضة مثل باقي فرائض الدين الإسلامي كالصلاة والزكاة والصيام ... الخ .. ومن المعلوم في الدين الإسلامي، ولدي كل أصحاب الفطر السليمة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
لهذا.. كان مشروع الحكومة الفرنسية بمنع ارتداء المسلمات للحجاب في مدارس فرنسا .. مصادما ومخالفا لما يلي
أولا لمشاعر مليار ونصف مليار مسلم في مشارق الأرض ومغاربها .
ثانيا لمبادئ الدين الإسلامي ، الذي يفرض علي أتباعه من النساء هذا الزي ؛ صيانة لهن من التكشف والتبذل .
ثالثا للحرية الشخصية التي تقوم عليها علمانية فرنسا وبلاد الغرب، خاصة .. إذا كانت هذه الحرية الشخصية لا تضر الآخرين ولا تتعارض مع قوانين البلاد .
رابعا للمواثيق الدولية .. مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، الموقع والمصدق عليه من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2200في ديسمبر 1966م والذي بدأ تنفيذه في مارس 1976م والذي ينص في المادة (18)منه علي
1. لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين ، ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما ، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره ، وحريته في إظهار دينه ، أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم ، بمفرده ، أو مع جماعة، وأمام الملأ أو علي حدة .
2. لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما ، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره .
3. لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده إلا للقيود التي بفرضها القانون ، والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة ، أو النظام العام ، أو الصحة العامة ، أو الآداب العامة، أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
خامسا كما أن ذلك المشروع بمنع الحجاب يتعارض مع علاقة فرنسا بشعوب العالم الإسلامي ، التى أفزعها هذا القرار ، الذي يمس عقيدتها ، والذي يوحي بأن فرنسا بدأت تتنكب لمبادئها في صيانة الحريات .
وعلى ذلك فإننا نهيب بحكومات العالم الإسلامي .. أن تهب لحماية دينها وشعائره من أن تعصف به التقلبات السياسية ، التي بدأت تتري وتتفشى في الآونة الأخيرة ؛ حتى لا يحرم المسلمون في بلاد الغرب من العمل بأحكام دينهم ، ويفتن المسلمون في بلاد الإسلام بهذه الحملات ، التي تهدف للنيل منهم . والتي صارت تغذيها – بكل أسف – بعض الأقلام في البلاد الإسلامية .. بل بعض القرارات الحكومية التى تعانى منها بعض أقطارنا الإسلامية وتضيق على نسائها المسلمات فى ارتداء الحجاب تارة فى المدارس والجامعات ، وأخرى فى الشوارع والمنتديات .
والله يقول الحق وهو يهدى السبيل
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع