انسداد أفق المشروع الصهيوني

انسداد أفق المشروع الصهيوني

مسعود ضاهر
2006-04-10

صحيفة الخليج الإماراتية قلبت الانتخابات الأخيرة في أواخر مارس آذار الخارطة الحزبية في إسرائيل وأدخلتها في مرحلة من عدم الاستقرار السياسي وتساءل بعض المراقبين عن مغزى التصريحات…

صحيفة الخليج الإماراتية

قلبت الانتخابات الأخيرة في أواخر مارس/آذار 2006 الخارطة الحزبية في "إسرائيل" وأدخلتها في مرحلة من عدم الاستقرار السياسي. وتساءل بعض المراقبين عن مغزى التصريحات المفاجئة لبعض قادتها بالتخلي عن "إسرائيل الكبرى"، وترسيم حدودها في العام 2010.

فقد وجهت النتائج النهائية للبرلمان "الإسرائيلي" الجديد ضربة قاسية لحزب "الليكود"، الذي حكم "إسرائيل" في السنوات الماضية بزعامة أرييل شارون. وبعد أن حملت قيادة الحزب شارون مسؤولية الانسحاب من قطاع غزة، اندفع إلى تأسيس حزب "كاديما" بالتحالف بين أجنحة من الليكود وشيمون بيريز من حزب العمل الذي وجه إليه صفعة قوية أخرجته من الحزب.

دلت تلك التطورات المتسارعة على مأزق حاد تعانيه أحزاب "إسرائيل"، وزاد في حدة المأزق  دخول شارون في غيبوبة طويلة لم يستفق منها حتى الآن.

لقد خاض حزب "كاديما" الانتخابات في غياب رئيسه القوي، واحتل المرتبة الأولى بعد أن حصل على 29 مقعداً، يليه حزب العمل، ثم حزب "شاس" الديني الشرقي، فحزب "إسرائيل بيتنا" برئاسة أفيغدور ليبرمان الداعي إلى ترحيل العرب من "إسرائيل"، ثم حزب "الليكود" الذي مني بهزيمة كبيرة وحل في المرتبة الخامسة بحصوله على 11 مقعداً فقط.

نال تكتل اليسار 52 مقعداً، ويمكن أن يرتفع العدد إلى 59 في حال تحالف مع كتلة "المتقاعدين" التي نالت 7 مقاعد وسط ذهول المحللين السياسيين، مقابل 51 لتكتل اليمين. وأضحى حزب "شاس" الديني في موقع من يفرض شروطه على إحدى الكتلتين لأن انحيازه إلى أي منهما يعطيها طابع الأكثرية الكافية لتشكيل الحكومة وإدارة دفة الحكم وسط معارضة قوية.

حملت الانتخابات الأخيرة في "إسرائيل" دلالات كثيرة أبرزها

1- انتصار حزب "كاديما" كان متوقعاً إلا أنه لم ينل الأكثرية التي تؤهله لتشكيل الحكومة منفرداً، وهو مضطر للتحالف مع عدة أحزاب كبيرة أو متوسطة أو صغيرة الحجم.

2- وصف بعض المحللين نتائج الانتخابات بأنها أشبه بالزلزال. والسبب في ذلك فشل تكتل اليمين المتطرف في الحفاظ على مواقعه، ونزوع الناخب "الإسرائيلي" نحو يمين ويسار الوسط.

3- تدني نسبة الاقتراع بشكل واضح، مما ساعد على نجاح بعض الأحزاب الصغيرة، العربية منها و"الإسرائيلية". فقد زاد تمثيل العرب بنسبة ثلاثة مقاعد وأصبح لديهم  11 مقعداً، أي ما يعادل حجم حزب " الليكود".

وسط هذا الارتباك الواضح في الرأي العام "الإسرائيلي" الذي لم يحسم خياراته بصورة قاطعة نحو اليمين أو اليسار، تبرز إشكالية جديدة تؤكد أن شرائح واسعة من "الإسرائيليين" لم تعد متحمسة للحرب المتواصلة التي شنتها حكوماتها المتعاقبة ضد الشعب الفلسطيني والتي انتهت إلى نتائج معكوسة تماماً.

فبدل القضاء على انتفاضة الشعب الفلسطيني كما وعد شارون طوال أكثر من ثلاث سنوات مليئة بكل أشكال القمع، وجد "الإسرائيليون" أنفسهم أمام مأزق إضافي من نوع جديد لم يكن متوقعاً في السابق، وتجلى بوصول حركة "حماس" إلى قيادة دفة الحكم في المناطق الفلسطينية المحررة.

إن تصلب الجبهة الفلسطينية من جهة، وتصدع التكتلات الحزبية "الإسرائيلية" من جهة أخرى، سيدفعان القيادة "الإسرائيلية" الجديدة نحو سياسة التهدئة من دون التخلي عن تقاليدها الموروثة في القمع اليومي والاستعداد الدائم لإشعال حرب مدمرة ضد الفلسطينيين. لكن المرحلة الراهنة تتطلب

1- الحصول على تفويض داخلي يسمح لزعيم "إسرائيلي" بالوصول إلى سدة الحكم. علماً أن جميع القيادات "الإسرائيلية" الجديدة هي من المرتبة الثانية أو الثالثة، وتفتقر إلى الكاريزما الشخصية والكفاءة السياسية في إدارة دفة الصراع، داخل "إسرائيل" ومع قادة "حماس".

2- التخلي عن الأوهام التي راودت قادة الحركة الصهيونية طوال القرن الماضي بإقامة "إسرائيل الكبرى"، وتجميع يهود العالم فيها تحقيقاً لحلم توراتي مزعوم.

3- المأزق الذي يعانيه الاحتلال الأمريكي في العراق وعجز إدارة بوش عن فرض نظام سياسي هناك يساعد على تحقيق مخطط أمريكي - صهيوني مشترك باسم مشروع الشرق الأوسط الكبير.

في هذا الإطار تفسر تصريحات رئيس وزراء "إسرائيل" بالوكالة، إيهود أولمرت، واستعداده للتنازل عن بعض الأراضي الفلسطينية المحتلة لرشوة الفلسطينيين بقيام دولة فلسطينية ممسوخة إلى جانب "إسرائيل"، فقال مخاطباً الفلسطينيين في "إسرائيل" "أنا مستعد للتخلي عن حلم "إسرائيل الكبرى"، ولإجلاء يهود يعيشون في مستوطنات في الضفة الغربية من أجل تحقيق حلمكم بأن تكون لكم دولة. لكن عليكم بالمقابل التخلي عن حلمكم في تدمير دولة "إسرائيل"".

إن سياسة مقايضة التخلي عن "إسرائيل الكبرى" مقابل تخلي الفلسطينيين عن تدمير "إسرائيل" مؤشر إلى مأزق طرفي قوى الصراع وحاجة العرب و"الإسرائيليين" للتفاوض في إطار الشرعية الدولية. وهي مرحلة مهمة جداً توصل إليها الفلسطينيون بجهادهم الطويل، وتضحياتهم الكبيرة، وصمودهم البطولي على أراضيهم. وهم على استعداد كامل لكسب معركة السلام كما كسبوا معركة الصمود، وحمل البندقية بيد وغصن الزيتون باليد الأخرى. تلك هي عبرة شعب الفيتنام الذي عرف كيف ينتصر في معركتي الحرب والسلام معاً. وليس من خيار أمام الفلسطينيين سوى الانتصار، وسينتصرون.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026