فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين البقرة بفضل الله وحده فقد تمت…
{فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }البقرة251بفضل الله وحده فقد تمت مراحل ميلاد الحكومة الفلسطينية العاشرة بأيسر مما نتصور ، حيث حازت على ثقة البرلمان ، ثم جرى القسم ، ثم قامت بتسلم الوزارات مثقلة بأوزارها الإدارية والمالية، بل إن بعضها كان أثاثه قد فقد بطريقة غير أخلاقية، وهو ما يعني أن بعض أهلها السابقين قد حاكوا قوم صالح الذين وصفهم ربهم بأنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
ولا زال كثيرون يراهنون على إفشال هذه الحكومة ، ويضعون في طريقها الأشواك والمتاريس، لعل الناس يلوكون عرضها، ويقولون أدركنا اليوم عجزها ولا حاجة بنا إليها، فلنعد سيرتنا الأولى، والدسم في العتاقي -كما يقول المثل الشعبي.
ولكن الذي نجزم به متوكلين على الله، ثم على المخلصين من أبناء شعبنا وأمتنا، أن هذه تؤسس اليوم ليس لدويلة فلسطينية ، بل إنها حجر الأساس لدولة الخلافة ، وعالمية الإسلام، وإن نموذج الصحابي نعيم بن مسعود رضي الله عنه يوم الخندق موجود بالعشرات في الأجهزة والوزارات، أولئك الذين أخلصوا دينهم لله، فكانوا مع المؤمنين الصادقين، وهم يُخذّلون عنا ، ويكشفون دروب الفساد، وأئمة المفسدين وهو ما يعين إن شاء الله في إصلاحهم أو إقصائهم.
ولعل استشهاد المجاهد القوقا، والأحداث التي تلت ذلك تفتح الباب لاكتشاف العابثين بأمننا، المرتبطين بعدونا، وعندئذ تفك كثير من الطلاسم والألغاز التي راح ضحيتها خيرة قادتنا ومجاهدينا.
أما هذه الآية التي تتحدث عن نتيجة المعركة بين القلة المؤمنة مع طالوت، والألوف الجرارة مع جالوت، فإنها بعد أن تبشر بانتصارهم وهم أذلة ، وقتل داوود لجالوت، وإيتائه الملك والنبوة وعلم صناعة السلاح ، وغير ذلك، تذكر أنه لولا مشروعية الدفاع، ووجوب القتال لفسدت الأرض، حيث يتمكن أعداء الله وأعداؤكم من زمام الأمور، ولن يتورعوا عن الإفساد فيها، وسفك الدماء ، وإخراجكم من دياركم وأموالكم بغير حق إلا أن تقولوا ربنا الله.
وقد ذكر في سورة الحج التي فتحت باب الدفاع عن النفوس والأوطان، أنه لولا ذلك لهدمت صوامع وبيع، وصلوات ، ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، أي لحوربت الأديان السماوية كلها، حتى الرهبانية التي ابتدعها النصارى، وما رعوها حق رعايتها، سيهدم المجرمون صوامعها، رغم انسحاب أهلها من الحياة والسياسة، واعتكافهم فيها باحثين عن التزكية الشخصية في العزلة ، والأوراد، والنوافل.
لكننا حين ننتصر نعلن أن لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي، وجاء الحق، وزهق الباطل، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة، فلسنا نكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، بل نقول لهم الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولكن عاقبة الكفر ناراً أحاط بهم سرادقها ، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، كما أن عاقبة الإيمان جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، يحلون فيها من أساور من ذهب، ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق.
وأما قوله سبحانه (ولكنَّ الله ذو فضلٍ على العالمين) فمراده أن بركات الجهاد في سبيل الله ليست قاصرة على المجاهدين، إنما تعم العالمين، لأنه متى قضينا على المفسدين استراح الناس أجمعين، ورفرفت راية العدل والمساواة والحرية والكرامة والعزة والأمن على الخليقة.
انه لا احد افسد في الوجود من اليهود فهم شر الدواب عن الله الذين يسعون في الارض فسادا ،وكلما اوقدوا نارا للحرب اطفأها الله ،لذلك فان مقاومتنا لهم بركة علينا ،وعلى عباد الله جميعا ،ولولا ذلك لتمكنوا من قضم المنطقة كلها من الفرات الى النيل ،ولن تتوقف اطماعهم عند حد ،فهم يحسدون الناس على ما اتاهم الله من فضله ،ومن هنا فعلى الامة العربية والاسلامية ان تدعم جهادنا بقوة ،ماديا وسياسيا ،واعلاميا ،حتى يتم لنا اضعاف هؤلاء الغزاة المحتلين ،ويمسوا لاهثين وراء السلام والمفاوضات ،كما ركض وراءها المفلسون ،وان ذلك سيكون ،بل واشد منه سيكون حيث انه لا مقام لليهود فوق ارضنا ،فليرجعوا وراءهم ،وليلتمسوا وطنا بعيدا عن ارضنا المباركة ،وعن الوطن الاسلامي الفسيح ،ولكنهم ليسوا معجزين في الارض ،ومأواهم النار .ولكن مقاومتنا في امس الحجة الى بنيان مرصوص ،وصف واحد ولن يتحقق هذا ما لم نقاوم المفسدين من بني جلدتنا ،فنطارد الجواسيس والخونة ،ونحاصر المختلسين والمتاجرين بالبلاد والعباد ،ويامن الناس من الجوع والخوف ،ونحرضهم على التعاون على البر والتقوى ،لا على الاثم والعدوان ،واننا لنأمل ان تتمكن حكومتنا الجديدة من ترسيح كل ذلك فلا يبقى اناس يرتعون ويلعبون ،واناس يكتوون ويئنون ،ومع ذلك فهم لايسلمون من لمز الاولين ،ولا من بهتانهم بغير ما اكتسبوا .
إن ما حصل من تقهقر للصهاينة من جنوب لبنان ثم من جنوب فلسطين ،لم يكن الا ثمرة للمقاومة ،وحين راى الناس النموذجين ،نموذج التسول السياسي الذي افضى الى السراب ،ونموذج الفعل الجهادي الذي كنس المحتلين ،راحوا يبايعون الاخرين ،فكان النصر السياسي ،والشروع في التغيير والاصلاح من سدة صناعة القرار ،ويظل الفضل لله اولا ،ثم للمجاهدين الذين ما فتئوا بالليل والنهار يرقبون عدوكم ،ويسدددون له الضربات غير آبهين بنزيف الشهداء ،موقنين إن النصر المبين كائن ولو بعد حين
إن المفارقات العجيبة ان تصر بعض الاطراف على ضرورة احترام الاتفاقيات او التفاهمات مع دولة الاحتلال ،بينما اليهود ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون ،وقد رايناهم في الدعاية الاخيرة يتنافس قادتهم في عدد القتلى الفلسطينيين الذي قضى عليهم كل فريق لتسويق انفسهم عند الناخبين المتعطشين لدمائنا ،او ترحيلنا
ومن العجب ايضا ان تطالب حكومتنا بالتسليم بكل القرارات الدولية التى باركت الاحتلال ،ولا يرقى سقف تطلعاتها بالنسبة لنا الى اكثر من حكم ذاتي ،يسمى في احسن الاحوال دولة قابلة للحياة منزوعة السلاح ،الى جوار ترسانة نووية عند من لا يرقبون في مؤمن الا ولا ذمة ،وقد قست قلوبهم فهي كالحجارة ،او اشد قسوة .
لكن الاعجب من ذلك كله ان يطالبنا الذين كفنوا منظمة التحرير ،ثم دفنوها دون صلاة او دعاء لها بالرحمة ،ان نعترف بها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني ،ونحن نقول تعالوا نحي تلك المنظمة ،فننفض التراب عن ميثاقها الذي ينص على إن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين ،ثم نبني مجلسها الوطني ،وننتخب لجنتها التنفيذية ،ويعاد ما اختلس من صندوقها القومي الفارغ ،حتى كانت نسبة كبيرة من مواردنا لا تدخل الميزانية بحجة الدعم السري للمنظمة في الخارج بدل ان تكون المنظمة هي التى تدعمنا ،بما نجبيه من الاموال الطائلة من الفلسطينيين في الخارج ،او من الاستثمارات الخيالية التى تاخر الكشف عن وفاة المرحوم ابو عمار في باريس حى تم اقتسامها
ولقد خضع الكثيرون للابتزازات الخارجية ،وتخوفوا من المشاركة في الحكومة لعلها تفشل في الائتلاف الوطني فتظهر كالمستأثرة بكل شيء وكاننا قد استبدلنا حكومة الحزب الواحد بمثلها ،ولكن الايام القادمة هي الكفيلة بالكشف عن الفروق الجوهرية بين الفريقين باذن الله
ولله الامر من قبل ومن بعد