عمليّة تلّ أبيب.. تجدّد الانتفاضة بعد هدوء مؤقّت

عدنان أبو عامر
2016-06-21

بعد توقف الهجمات الفلسطينية ضد الإسرائيليين قرابة الشهرين جاءت عملية تل أبيب في الأسبوع الأول من حزيران يونيو لتعيد من جديد دوامة الفعل ورد الفعل بين الفلسطينيين والإسرائيليين…

بعد توقّف الهجمات الفلسطينيّة ضدّ الإسرائيليّين قرابة الشهرين، جاءت عمليّة تلّ أبيب في الأسبوع الأوّل من حزيران/ يونيو، لتعيد من جديد دوّامة الفعل وردّ الفعل بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، ممّا طرح أسئلة عديدة حول الجهة الّتي تقف خلف العمليّة، وكيف تؤثّر العقوبات الإسرائيليّة الّتي فرضتها على الفلسطينيّين على الأوضاع الأمنيّة في الضفّة الغربيّة، وإمكانيّة اندلاع عمليّات جديدة.
منذ اندلاع الموجة الحاليّة من انتفاضة القدس في تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي، لم تعرف هجماتها ضدّ الإسرائيليّين وتيرة واحدة، بل كانت ترتفع وتنخفض بين حين وآخر، وبلغ عددها حتّى أوائل آذار/ مارس 620 هجمة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة والقدس، أسفرت عن مقتل 33 إسرائيليّاً مقابل 209 قتلى فلسطينيين.
وشكّلت عمليّة تلّ أبيب الأخيرة في 8 حزيران/ يونيو ذروة الهجمات الفلسطينيّة المسلّحة الأكثر قسوة على الإسرائيليّين، لأنّها جاءت داخل مركز تجاريّ في قلب مدينة تلّ أبيب، على مسافة قصيرة من مقرّ وزارة الدفاع الإسرائيليّة، وتمكّن منفّذاها ابنا العمّ محمّد وموسى مخامرة من مدينة يطا في محافظة الخليل من اجتياز الإجراءات الأمنيّة والحواجز العسكريّة الإسرائيليّة، وكانت حصيلة العمليّة مقتل 4 إسرائيليّين وإصابة 6 آخرين.
وعلى الفور، قرّرت الحكومة الإسرائيليّة في 9 حزيران/ يونيو سلسلة عقوبات جماعيّة ضدّ فلسطينيّي مدينة يطا، مسقط رأس المنفّذين، أهمّها: فرض طوق كامل عليها، وسحب تصاريح العمل من أفراد عائلة منفّذي العمليّة، وإلغاء 83 ألف تصريح أصدرتها إسرائيل لفلسطينيّي الضفّة الغربيّة لدخولهم خلال شهر رمضان للصلاة في المسجد الأقصى، من مدينة يطا وغيرها من المدن الفلسطينية.
تمثلت الإجراءات الإسرائيليّة ضدّ المدينة بإغلاقات غير مسبوقة لجميع مداخل يطا عبر السواتر الترابية وإقامة الحواجز العسكرية، وحصار لم تعشه حتّى في ذروة أحداث انتفاضة الأقصى، وهذه المعاناة الكبيرة لسكّان المدينة تعبير عن نهج إسرائيليّ انتقاميّ منهم لمعاقبة المدينة الّتي خرج منها منفّذا العمليّة، وما زال الحصار متواصلاً حتّى اللّحظة منذ تنفيذ العمليّة، وترك الكثير من المعاناة والخسائر الفادحة في اقتصاد المدينة، لأنّها تضمّ الكثير من المعامل والمصانع والمتاجر، ويعرقل الإغلاق دخول البضائع وخروجها، ناهيك عن عرقلة خروج الحالات الإنسانيّة منها ودخولها حتى كتابة هذه السطور.
وفور وقوع عمليّة تلّ أبيب، اعتبرتها الفصائل الفلسطينية ردّا طبيعيّا على الجرائم الإسرائيليّة في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وأكّدت أنّ انتفاضة القدس مستمرّة، ولم تتوقّف من جرّاء الاعتقالات الإسرائيليّة، وتمثّل نقلة نوعيّة في الفعل الانتفاضيّ.
أمّا رئاسة السلطة الفلسطينيّة فأكّدت رفضها للعمليّات الّتي تطال المدنيّين من أيّ جهة كانت، ومهما كانت المبرّرات، داعية إلى عدم اللّجوء للعنف أو القيام بأيّ أعمال من شأنها زيادة الاحتقان والتوتّر.
فيما خرجت ردود فعل إسرائيليّة في اليوم ذاته، تطالب بسنّ قانون لتهجير ذوي منفّذي العمليّات من مناطق سكناهم في الضفة الغربية إلى قطاع غزة، وقيام إسرائيل بعلاج جذريّ لا ينساه الفلسطينيّون، وتطبيق إجراءات أمنيّة ترتكز على القصاص القاسي، يبقى محفوراً في أذهان الفلسطينيّين.
من الواضح أن إسرائيل لا تنتظر ذرائع لفرض عقوبات على الفلسطينيّين، كما حصل عقب عمليّة تلّ أبيب الأخيرة، لأنّ الاحتلال هو السبب الرئيس في استمرار هذه الانتهاكات ضدّ الفلسطينيّين، قبل العمليّة وبعدها، ولا يجب الالتفات لما يقال إنّ العمليّة استهدفت مدنيّين إسرائيليّين، وليس عسكريّين أو مستوطنين، لأنّها عمليّة محقّة، وهي ردّ طبيعيّ على الاحتلال الإسرائيليّ.
يمكن الإشارة إلى أنّ عمليّة تل أبيب وقعت بعد يومين فقط من دخول شهر رمضان، وقد سبق قدومه صدور تحذيرات إسرائيليّة في أوائل أيّار/ مايو من تصعيد فلسطينيّ في الهجمات ضدّ الإسرائيليّين، ممّا دفع إلى نشر المزيد من القوّات الإسرائيليّة في مناطق الضفّة الغربيّة، تحسّباً لمزيد من العمليّات، كما وقعت بعد أسبوع واحد من تولّي أفيغدور ليبرمان وزارة الدفاع الإسرائيليّة، ويمكن اعتبارها الاختبار الأوّل له في هذا المنصب.
أخيراً، ما زالت تبعات عمليّة تلّ أبيب تتفاعل بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين مع استمرار الحصار المفروض على مدينة يطا مسقط رأس منفّذي العمليّة، ومواصلة إسرائيل بالتّعاون مع الأجهزة الأمنيّة التابعة للسلطة الفلسطينيّة، في اعتقالاتها بين صفوف الفلسطينيّين بالضفّة الغربيّة، الّذين تدور حولهم شبهات التخطيط لتنفيذ هجمات مسلّحة ضدّ إسرائيل، ممّا يعني أنّ صفحة عمليّة تلّ أبيب لم يتمّ طيّها بعد حتّى كتابة هذه السطور.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026