سجلت وقائع الأيام القليلة الماضية سابقتين مهمتين في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي تمثلت الأولى في انتهاء سيطرة اليمين المتطرف على السياسة الإسرائيلية التي استمرت ثلاثين عاما…
سجلت وقائع الأيام القليلة الماضية سابقتين مهمتين في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي، تمثلت الأولى في انتهاء سيطرة اليمين المتطرف على السياسة الإسرائيلية التي استمرت ثلاثين عاماً، وتجسدت الثانية في إسدال الستار على زعامة حركة فتح للعمل السياسي الفلسطيني التي استمرت أكثر من خمسة وثلاثين عاماً.
فوز كاديما بقيادة إيهود أولمرت شكل انقلاباً أطاح بالقيادات العسكرية، وانتقال السلطة إلى حماس أنهى زمن حكومات الأبوات، والمفاوضات السرية، والتدخلات الرسمية العربية في الشأن السياسي الفلسطيني.
هذه التغييرات المتسارعة والمفاجئة في خريطة قطبي الصراع، أربكت الإدارة الأمريكية، والقوى الإقليمية والدولية، لأنها أخذت على حين غرة، ولا تملك أي خطط جاهزة للتعامل معها.
الإدارة الأمريكية ارتكبت خطأ فادحاً يشكل امتداداً لأخطائها القاتلة في العراق، عندما تبنت سياسة إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل في ترسيم أحادي الجانب للحدود النهائية للدولة العبرية قبل نهاية هذا العقد. وعبرت السيدة كوندوليزا رايس بوضوح عن هذا الموقف يوم أمس الأول، وزادت اللجنة الرباعية من خطورة هذا الموقف وتبعاته عندما ربطت مساعداتها للفلسطينيين باعتراف حماس بالدولة العبرية ونبذ الإرهاب.
الأخطاء الأمريكية المتواصلة في العراق كلفت حتى الآن ثلاثة آلاف قتيل و18 ألف جريح، ومئة ألف شهيد عراقي، وحرباً أهلية طائفية، وخسائر مالية زادت عن 300 مليار دولار، وبرنامجاً نووياً إيرانياً طموحاً بات على بعد بضع سنوات من إنتاج رؤوس ذرية. أما الخطأ الأمريكي القديم المتجدد في فلسطين فقد يؤدي إلى انفجار الفوضى وإعادة الصراع إلى مربعه الأول، وخروجه عن السيطرة كلياً.
الضغوط التي تمارس حالياً على حكومة حماس لن تزيدها إلا قوة، ولن تزيد الشعب الفلسطيني إلا عناداً. فمثلما أدت الاستفزازات الأمريكية إلى تطرف الشعب الإيراني والرد عليها بانتخاب احمدي نجاد رئيساً، قد تؤدي المقاطعة الأمريكية الغربية لحماس وحكومتها للنتيجة نفسها. فالشعوب العربية والإسلامية شعوب عاطفية، تلعب الكرامة الوطنية دوراً حاسماً في تشكيل حياتها وردود فعلها.
ويبدو واضحاً للعيان أن حلفاً يتكون حالياً لإفشال حكومة حماس يضم مجموعة من الطبقة الفاسدة لحركة فتح، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي والدولة العبرية، ويتبنى استراتيجية تشديد الخناق الاقتصادي، والمقاطعة السياسية والدبلوماسية، وخلق ازدواجية في قيادة الشعب الفلسطيني، أي رئاسة السلطة بقيادة محمود عباس ورئاسة الوزارة بقيادة حماس. الأولى رئاسة حميدة مقبولة أمريكياً، والثانية خبيثة لعدم ملاءمتها للشروط والمواصفات الأمريكية - الإسرائيلية ويجب أن تحاصر.
هذا الحصار ربما يؤدي إلى تقوية حماس بدلاً من إضعافها، وإنجاحها بدلاً من إفشالها، سواء استمرت في السلطة، أو خرجت منها، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن حكومتها الوليدة قد تكون آخر حكومة فلسطينية إذا ما أجبرت على الاستقالة.
وتخطئ الإدارة الأمريكية إذا اعتقدت أن حركة حماس حريصة على نجاح حكومتها وفق الشروط الأمريكية، وإلا لتجاوبت معها مثلما فعلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عندما اعترفت بالدولة العبرية ونبذت الإرهاب ولم تجن غير خيبة الأمل، والسقوط في الانتخابات الأخيرة.
الحكومة جاءت إلى حماس بالصدفة المحضة، وهي لم تسع إليها، ولم تكن مستعدة لها، وكلما طال وجودها في السلطة تضعضعت مكانتها، وزادت متاعبها، واحتمالات حدوث انشقاقات فيها فجناحها العسكري يتململ من البطالة، وطابور الاستشهاديين الذي اختار دار البقاء على دار الفناء ربما يجد في واقعية جناحه السياسي، وهدنته المتجددة خروجاً على الميثاق والبرنامج السياسي.
طبيعة المزاج السياسي الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة تغيرت في الأعوام القليلة الماضية، وباتت أبعد عن الواقعية وأقرب إلى التطرف، وأصبح من المتعذر تسويق أي اتفاق سلام لا يلبي الثوابت الرئيسية. وتتلخص أسباب هذا التغير في السياسات الإسرائيلية الأحادية الجانب، والانحياز الغربي والأمريكي لها. فهذه السياسات حولت غزة إلى سجن كبير، وستحول الضفة إلى سجن أكبر، بل الأكبر في العالم.
الفرق الشاسع بين منظمة التحرير وحماس، أن الأولى استمدت قوتها من الخارج الفلسطيني، واحتكمت لاعتبارات الجغرافيا، ووقعت أسيرة لضغوط الأنظمة العربية، بعد تآكل التزامها تجاه الفلسطينيين ورضوخها للإملاءات الأمريكية، بينما تستمد الثانية قوتها من الداخل الفلسطيني حاضنتها الطبيعية، ولذلك باتت محصنة من الضغط العربي الرسمي، ومدعومة من الرأي العام العربي والإسلامي. قيادة المنظمة عادت إلى الداخل على ظهر تنازلات اتفاقات أوسلو، وحماس وصلت إلى السلطة بسبب فشل هذه الاتفاقات وفساد موقعيها، وإفلاس النهج السياسي الذي أوصل إليها.
حكومة حماس ربما لا تعمر طويلاً بالنظر إلى طبيعة الحرب التي تشن حالياً ضدها، وبهدف إسقاطها، ولكن هذا لا يعني أن حكومة فرسان الفساد ستكون البديل، فالتاريخ الفلسطيني لا يعيد نفسه، البديل سيكون الفوضى على غرار ما يحدث حالياً في العراق.
الإدارة الأمريكية نجحت في الوصول إلى المريخ، ولكنها فشلت دائماً في قراءة خريطة الشرق الأوسط السياسية، والقوى الفاعلة فيها، وتخبطها في العراق، وأفغانستان، وتجاه الملف الإيراني هي بعض العينات.
إيهود أولمرت، أو أحمد الجلبي الإسرائيلي، ربما ينجح في ترسيم الحدود من جانب واحد بدعم الرئيس بوش والمحافظين الجدد، ولكنه سيخلق بؤرة من العنف في القفص الفلسطيني المسمى دولة، يتواضع أمامها العنف العراقي الحالي.
العاهل الأردني تحدث عن الهلال الشيعي، الذي يمتد من العراق إلى لبنان، ونحن هنا نتحدث عن الهلال المقاوم الذي سيصل فلسطين بالعراق عبر الأردن وسورية ولبنان أيضاً.
تجربة المقاومة في العراق نجحت في رفع كلفة الاحتلال مادياً وبشرياً، وتجربة المقاومة في فلسطين ستسير على النهج نفسه وفي فترة قريبة جداً.
دخول مؤسسة القمة العربية مرحلة الاحتضار، وربما الموت السريري، مثلما شاهدنا ذلك بوضوح أثناء انعقاد دورتها الأخيرة في الخرطوم يعني أن القضايا العربية، وفلسطين والعراق خاصة، خرجت من دائرة التأثير العربي تماماً. وبديل التعريب دائما هو الأسلمة. وإسلام اليوم ليس إسلام الحرب الباردة ووعاظ السلاطين، ومشايخ فتاوى تبرير الإذعان للبيت الأبيض. ومثلما فتحت القاعدة الجديدة مقراً قيادياً في العراق، لن نفاجأ إذا ما أسست فرعاً آخر في غزة ونابلس وجنين، وستترحم أمريكا على حماس مثلما يترحم معظم الزعماء العرب على العراق القديم.