تحديات ما بعد الانتخابات الإسرائيلية

تحديات ما بعد الانتخابات الإسرائيلية

عدنان أبو عامر
2006-03-31

بخروج هذه الكلمات إلى النور تكون الصورة النهائية لنتائج الانتخابات الإسرائيلية قد اتضحت وبالتالي تبدأ الخارطة السياسية والحزبية والبرلمانية في التشكل سواء إلى اليمين أو اليسار…

بخروج هذه الكلمات إلى النور، تكون الصورة النهائية لنتائج الانتخابات الإسرائيلية قد اتضحت، وبالتالي تبدأ الخارطة السياسية والحزبية والبرلمانية في التشكل، سواء إلى اليمين أو اليسار أو أنها ستبقى تتمحور حول مركز ووسط الخارطة السياسة في إسرائيل.

طبيعة تلك الخارطة، وألوانها المشاركة وأبعادها السياسية تهمنا كفلسطينيين بصورة لا تقبل التأويل، أنا أفهم أن يخرج السياسيون والناطقون ليقولوا أننا لا نتدخل في الانتخابات الإسرائيلية، فهي شأن داخلي، لكن إسرائيل لم تدع شاردة ولا واردة في أدق تفاصيل حياتنا إلا وحشرت أنفها فيها، لسبب واحد بسيط، أننا - نحن وهم - نتأثر ببعض ونؤثر في بعض- هذا قدرنا.

ما يحدث في غزة سيترك أصداؤه بالتأكيد على القرارات التي تتخذها أعلى المستويات السياسية والأمنية هناك، وما قد تسفر عنه صناديق الاقتراع في كريات شمونة سيترك آثاره بكل تأكيد على أزقة مخيمي بلاطة وجنين، لاسيما في ضوء أن البرامج الانتخابية لمختلف الأحزاب المتنافسة تضع الموضوع الفلسطيني في سلم أولوياتها كمادة دعائية، إما بهدف الترويج أو المزايدة.

اليوم التالي لانتهاء الاقتراع وفرز النتائج يضع أمام الفلسطينيين جميعا تحديات خطيرة ومصيرية، يتعلق بعضها بإدارة شؤونهم اليومية، وبعضها الآخر يرتبط بالحل المقترح للقضية من جانب واحد، وربما أن هذه التحديات ترتفع حدتها أو تتناقص وفقا لطبيعة الائتلاف الحزبي الذي سيتشكل في إسرائيل، سواء كان كديما+ العمل وقوى اليسار، أو كديما+ الليكود وقوى اليمين، صحيح أن أيا من التيارين لا يقدم حلا معقولا للفلسطينيين يمكن أن يبدأوا منه، لكن المشتغل بالسياسة لا يجب عليه أن يغفل أي تفاصيل دقيقة لدى دائرة الخصوم، يمكن أن يستغلها أو يوظفها لصالحه.

أهم التحديات التي سيجدها الفلسطينيون ماثلة أمامهم بعد يوم واحد من إعلان نتائج الانتخابات الإسرائيلية، تتمثل في

التحدي الأول التعامل مع حكومة حماس

في الوقت الذي يرفض فيه حزب الليكود بشدة مبدأ ترويض حركة حماس ودفعها نحو الاعتدال عن طريق التنازلات وبوادر حسن النية، لاسيما وأنه يرى في"حماس" جزء من حركة الأخوان المسلمين العالمية وهي بهذه الصفة حركة إسلامية أصولية – كما يقولون- تشبه في أيديولوجيتها نظام "آيات الله" في إيران.

ويؤكد زعماء الليكود -الذين قد يمضون أربع سنوات أخرى في مقاعد المعارضة- أن حماس يمكن أحياناً أن تتغير تكتيكياً وبصورة مؤقتة، لكنها لن تتخلى أبداً عن الأيديولوجية الأصولية الكامنة في صلب جوهرها،  لذلك لا يجوز لإسرائيل أبداً القبول بدولة "حماس" مسلحة إلى جانبها، والتي ستكون بشكل طبيعي في تحالف وثيق مع إيران، حتى وإن أظهرت زعامة الحركة مرونة براغماتية في الطريق إلى هدفها النهائي المتمثل بتدمير إسرائيل.

فيما أوضح كديما المتوقع أن يمسك بزمام السلطة شروطه للحوار مع أية زعامة فلسطينية وهي وقف العنف وتجريد المنظمات من سلاحها، الالتزام بالتعهدات والاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، الاعتراف بدولة إسرائيل وحذف البنود التي تدعو في ميثاق "حماس" إلى إبادة إسرائيل واليهود.

حزب العمل من جهته، يؤكد أنه يمكن لإسرائيل أن تحاور "حماس" فقط إذا التزمت الحركة بشروط خريطة الطريق، بمعنى الاعتراف بوجود دولة إسرائيل كدولة الشعب اليهودي، وأن تنزع الحركة سلاحها وتوقف كل أعمال العنف، إذا تحقق ذلك فلن يبقى من سبب يمنع اعتبار "حماس" أهلاً للحوار في إطار مفاوضات تجري في نطاق "خريطة الطريق"!

هذا التحدي يتطلب من حركة حماس وهي في موقع السلطة اليوم، أن تدرس الخيارات التي يمكن ان توفرها أي معطيات محلية أو إقليمية لمعرفة أي السبل التي يمكن ان تسلكها بأقل تكلفة ممكنة، لا أتحدث عن مكاسب فليس هناك شيء منها في عالم اليوم، ولذلك سياسيو حماس مطلوب منهم لمواجهة هذا التحدي ليس معرفة الخير من الشر، وإنما معرفة الخير بين الشرين!

التحدي الثاني مستقبل المقاومة

يستند جنرالات حزب العمل في التعامل مع ملف المقاومة الفلسطينية إلى القاعدة الأمنية من يسعَ إلى قتلك سارع إلى قتله! وهو أمر وواجب يصفونه بالأخلاقي الذي يجب أن يكون الأساس والمنطلق لعمل أي حكومة إسرائيل ضد قوى المقاومة الفلسطينية، رغم ما يبديه الحزب من رغبة بأن تكون هذه الحرب محددة الاستهداف قدر الإمكان، بمعنى الامتناع قدر المستطاع عن العقاب الجماعي الذي يشوّش الحياة اليومية للمجتمع الفلسطيني، رغم أن سجل قادة حزب العمل –رابين وباراك- يمنحهم سجلا طويلا من العقوبات الجماعية طوال السنوات الماضية، فالأول صاحب سياسة تكسير العظام، والثاني أول من استخدم الطائرات الحربية لقصف الفلسطينيين مع انطلاق انتفاضة الأقصى!

من جهته يرى حزب كديما أن إسرائيل ملزمة بالحفاظ على أمن وسلامة مواطنيها، وبالتالي فإن حكومة إسرائيلية برئاسة أولمرت ستمضي في طريق شارون وتضع أمن الإسرائيليين فوق أي شيء آخر، ويروج الحزب من خلال دعايته الانتخابية أن الحرب ضد المقاومة الفلسطينية التي قادتها حكومة إسرائيل بواسطة قوات الأمن خلال السنوات الأخيرة أدت إلى تحقيق إنجازات منقطعة النظير، وربما يبرز "ديختر" رئيس الشاباك السابق في إظهار عضلاته الأمنية ونجاحاته في تصفية قيادات قوى المقاومة.

أما موقف الليكود من مستقبل المقاومة الفلسطينية فإنه يتمثل في أن إسرائيل كسبت معركة لكنها خسرت حربا، بمعنى أن (الإنجازات) الأمنية التي حققتها أجهزة الأمن الإسرائيلية في استهداف حركة حماس باءت بالفشل من الناحية الإجمالية ...لماذا؟

لأن المقاومة الفلسطينية التي تقودها حركة حماس، ورغم الضربات التي وجهت لها، أسفرت في النهاية عن إقامة دولة لحماس إلى جوار إسرائيل! وإيجاد معسكرات عسكرية للتدريب في أنحاء قطاع غزة! وتطورت صناعة الصواريخ والوسائل القتالية!

هذه الإشكالية التي وقعت فيها إسرائيل، يضع أمام الفلسطينيين تحديا آخر، يتمثل في السؤال الذي وجهته لي صحفية يابانية قبل أيام على النحو التالي مستقبل المقاومة في ظل حكومة إسرائيلية مؤلفة من كديما+ العمل، لن يعطي للمقاومة الفرصة لمواصلة عملها، لأن تلك الحكومة ستجتهد بعدم الاحتكاك بالفلسطينيين واستفزازهم عسكريا، وستبقى تنفذ مخططاتها الأحادية بهدوء... كان جوابي على هذا السؤال أن "الصنداي التايمز" البريطانية سربت مؤخرا عن مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة المستوى أن الحكومة القادمة بصدد تنفيذ عملية عسكرية كبيرة في الضفة الغربية تسبق تطبيق الانسحاب منها، الأمر الذي يشير إلى أننا قد نصحو قريبا على موجة جديدة من المواجهة المسلحة ... وهنا تطرح الأسئلة على كل الفلسطينيين رئاسة وحكومة وفصائل... ما العمل؟

التحدي الثالث الانسحاب المرتقب من الضفة

لم يعد يخفي حكام إسرائيل بعد أيام من حزب "كديما" أن المهمة المركزية أمامهم تكمن في ترسيم حدود أمنية ودفاعية توفر أقصى الأمن لمواطني إسرائيل، علما بأن هذه الحدود تشمل كتل الاستيطان ومناطق الأمن ومن ضمنها غور الأردن، والمحافظة على القدس موحدة وضمان أغلبية يهودية في إسرائيل.

هذا المخطط تجاوز الدعاية الانتخابية، ومن الواضح أن إسرائيل ماضية فيه حتى النهاية، كفلسطينيين لن نقف حواجز بشرية أمام قوات الاحتلال لمنعها من الانسحاب، فلينسحب ولن يبكي عليه أحد، لكن بقية المخطط هي التي تفرض على الفلسطينيين التحدي الحقيقي وهو أن الرغبة الإسرائيلية في تقليص الاحتكاك بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لن تمس بقدرة أجهزة الأمن الإسرائيلية على العمل ضد "المقاومين" وفي كل مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، أي أن الإخلاء الأحادي الجانب يتعلق بمواطنين إسرائيليين فقط، ولا يحد من حرية الحركة لقوات الأمن الإسرائيلية، خلافاً لما تم في قطاع غزة!!

هنا التحدي سيبقي الجو والبحر والبر تحت السيطرة الإسرائيلية، وستبقى لقوات الجيش حرية "المطاردة الساخنة" داخل مدن الضفة، كما هو الحال في غزة من حيث بقاء الطيران الإسرائيلي يصطاد الفلسطينيين واحدا تلو الآخر إلى أن اقتربوا من إفراغ انسحابهم من مضمونه!

تحديات جد خطيرة، لا مكان لمواجهتها لتنازع الصلاحيات بين مكونات الحكم لدينا، المطلوب تكاتف والوصول إلى قواسم مشتركة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أما كيف نواجه تلك التحديات ... فهو أمر متروك لصناع القرار الذي منحهم الناخب الثقة والمسئولية.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026