رغم اقتلاع الشعب الفلسطيني من جذوره وطرده وتحمله لأسوأ الظروف الحياتية والمعيشية القاهرة من تشرد وهوان وتضحياته الجسام وتقديمه الغالي والنفيس من أبناء شعبه كشهداء وجرحى ومعاقين…
*
رغم اقتلاع الشعب الفلسطيني من جذوره وطرده وتحمله لأسوأ الظروف الحياتية والمعيشية القاهرة من تشرد وهوان ، وتضحياته الجسام وتقديمه الغالي والنفيس من أبناء شعبه كشهداء وجرحى ومعاقين ومعتقلين ومحاولة إذلاله بالحصار والتجويع والفتك والقتل الفردي والجماعي الذي تعرض له خلال 57 عاماً ، ونضاله المرير والمجيد من أجل تحرير الأرض من الصهاينة اليهود المغتصبين وعودته إلى فلسطين ، غير أن كبرياءه وكرامته أبت الانصياع والخنوع لحفنه من المتنفذين الذين ما زالوا يقودون السلطة الفلسطينية .
هذه الحفنة من المستسلمين والمتعاونين مع العدو الإسرائيلي ، حاولت جاهدة إقناع الشعب الفلسطيني بالركوع والخنوع تحت أقدام الصهاينة الطغاة باسم اتفاقيات السلام الموقعة من طرفهم ، أوسلو وخارطة الطريق التي تحظى بتأييد وإجماع دولي ، وتلميعها لتصبح براقة ووهاجة كونها الخيار الوحيد أمام شعب فلسطين لخلاصه من مرارة النضال والهلاك والفناء والإبادة ، وإيحائهم لنا بالفردوس الموعود فلسطين .
منح الشعب الفلسطيني لهذه الثلة من الدمى الغربية فرصة كافية لقيادة السلطة الفلسطينية لإثبات صحة أحلامهم ، ورغم اعتراف هذه الحفنة بالكيان الإسرائيلي والتوقيع على اتفاقيات السلام مع الإسرائيليين برعاية أميركية وأوروبية ، اعترتهم السعادة وهم يتفاخرون بتنفيذ لغة الإملاءات الإسرائيلية ، مجاهرين بنجاح علاقاتهم وتسابقهم على من يقدم أكثر لإسرائيل لنيل الرضى حتى في أحلك الظروف التي مر بها شعبنا الفلسطيني في السنوات الأخيرة العجاف من حصار وتدمير ومجازر واغتيالات للكوادر والقادة الفلسطينيين الشرفاء أمثال أبو علي مصطفى والرنتيسي والشيخ أحمد ياسين و غيرهم العديد من الشهداء المناضلين والآلاف من المعتقلين ، وقصف وتدمير مقر مقاطعة القيادة الفلسطينية في رام الله وحصار على مدار 3 أعوام لرمز القضية والشعب الفلسطيني الشهيد أبو عمار ليموت في حسرته لاعتباره أصبح عقبة في طريق السلام المزعوم .
بضغوط إسرائيلية وأميركية وأوروبية تم استحداث مناصب جديدة أبو مازن كرئيس وزراء وسلام فياض كوزير مالية لتجريد بعض الصلاحيات من الرئيس المحاصر ، بذريعة رفع السيف المسلط على أعناق الشعب الفلسطيني لعدم قطع المعونات المالية الغربية ورضى وقبول إسرائيل بالتفاوض مجدداً معنا ، وكل ذلك في زمن حكم شارون الجزار الذي حقق المجد والشهرة على حساب الدماء الفلسطينية .
الم يكن ما ذكرناه سلفاً إهانة وجرائم نكراء ارتكبت بحق السلطة والشعب الفلسطيني .
ربما اعتقد أبو مازن واقتنع بأنه الرجل المطلوب فعلاً لمرحلة السلام المقبلة !!
وأن إسرائيل تكن له الاحترام والتقدير !! لأنه يحظى برضى أميركي وأوروبي بسبب إبرامه اتفاقية أوسلو ، وخطابه الشهير في مؤتمر العقبة كرئيس وزراء فلسطين حينها ليلقي كلمته أمام ملايين المشاهدين والمستمعين ، والتحدث عن الآم وعذابات الشعب اليهودي وتمسكه باتفاقية أوسلو حيث أن السلام هو الحل الوحيد للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني ، وقد تناسى مأساة وويلات وتهجير الشعب الفلسطيني ! !
بعدها اجبر على تقديم استقالته من منصبه المستحدث ، وتعبيراً عن استياءه وتذمره حينها قدم استقالته من تنظيم حركة فتح أيضاً ، ليعود إلينا من جديد كمرشح لحركة فتح ورئيس للسلطة الفلسطينية ، ومنذ ذلك الوقت ترفض إسرائيل التنسيق أو التفاوض أو اللقاء معه كرئيس للسلطة الفلسطينية ، ولا تعترف بوجود شريك فلسطيني لتكملة مشروع السلام .
ما وجه الغرابة فيما أقدمت عليه إسرائيل بحصار وقصف وتدمير مقر مقاطعة أريحا ، وتدمير السجن الذي يقبع فيه الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات واللواء فؤاد الشوبكي ورفاقهم المطلوبين لإسرائيل ، وقتل وجرح العديد من السجناء وقوات الأمن الفلسطيني الذين يحرسون السجن ، ثم الإقدام على خطف واعتقال الجميع بدون استثناء ، وإخراجهم أذلاء منكسي الرأس مجردين من الكرامة والكبرياء بالملابس الداخلية .
حاولت السلطة الفلسطينية ممثلة برئيسها أبو مازن إخلاء مسؤوليتها عن الحادثة المؤلمة بحقها وعدم اعترافها بالضعف والعجز الذي تعاني منه ، محملة المسؤولية لواشنطن ولندن بإلقاء التهم عليهم بالتواطؤ مع إسرائيل في هذه القضية ، والسبب انسحاب المراقبين الدوليين من مقاطعة أريحا دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية .
واشنطن ولندن تؤكدان بأنهما أبلغتا السلطة الفلسطينية قبل عدة أيام بنية سحب مراقبيهم من مقاطعة أريحا .
لماذا قال الرئيس أبو مازن منذ عدة أيام بأن السلطة الفلسطينية لا تستطيع أن تتحمل مسؤولية الحفاظ على حياة أحمد سعدات بحال إخراجه من سجن المقاطعة في أريحا .
في ظل التوتر السياسي الحزبي القائم حالياً في إسرائيل ، يحاول أولمرت خريج المدرسة الشارونية وخلفه ، إثبات جدارته وأتباع خطوات سيده السفاح شارون لضمان رئاسة الوزراء بإقدامه ببعض البطولات العسكرية القمعية والفتك بالشعب الفلسطيني بمباركة حلفاء إسرائيل الاستراتيجيين الأميركان والبريطانيين للضغط والتطاول وابتزاز السلطة الفلسطينية المقبلة لإرغامها على الاعتراف بدولة إسرائيل وتوجيه الإهانات للشعب الفلسطيني ، حيث أن الضغوطات الدولية الغربية بقطع المعونات المالية وعدم الاعتراف بالسلطة المقبلة لن تجدي نفعاً ، وعدم مشاركة حركة فتح بحكومة وحدة وطنية يعني التواطؤ على الشعب الفلسطيني لمعاقبته على إسقاطها في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني .
انسحاب المراقبين الدوليين من مقر مقاطعة أريحا ، وانسحاب المراقبين الأوروبيين من معبر رفح وإغلاق إسرائيل لجميع المعابر والمنافذ معها ومع الأردن ومصر ، فهو مؤشر خطير جداً لنوايا إسرائيل الخبيثة المبيتة مع حلفائها بهدف إدخال الشعب الفلسطيني في دوامة العنف والعبثية لمعاقبته على انتخابه حركة حماس لقيادة السلطة الفلسطينية في المرحلة القادمة ،وابتزاز وانتزاع اعتراف من حركة حماس بدولة إسرائيل واعترافها والتزامها بكل الاتفاقيات الموقعة سابقاً بسفك الدماء الغزيرة وإعلان حرب ضروس عليها .
على الدول العربية التي تربطها علاقات دبلوماسية واتفاقيات سلمية مع إسرائيل ، التحرك وأخذ قرارات جدية لمنع إسرائيل من مواصلة اعتداءاتها الوحشية ضد السلطة والشعب الفلسطيني ، وعليها إثبات مدى جدوى ومنفعة هذه العلاقات التي تربطها بإسرائيل ، أو بالضغط عليها من قبل حلفائها الأميركان والأوروبيين .
المأساة المحزنة والمؤلمة للشعب الفلسطيني لم تعد تحتمل أعذار جامعة الدول العربية والأمتين الإسلامية والعربية الواهية بإصدار بيانات الاستنكار والتنديد والشجب بالأفعال الإجرامية البربرية المنظمة من قبل دولة إسرائيل ، وقد حان الوقت لممارسة الضغوط على الأمم المتحدة لتدويل القضية الفلسطينية واستصدار قرار ينص على تحملها مسؤولية حماية الشعب الفلسطيني من الإبادة المنظمة وإرهاب الدولة التي تستخدمه إسرائيل .
* رئيس جمعية المغتربين الفلسطينيين في النمسا
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع