حماس وركائز مشروع المقاومة

حماس وركائز مشروع المقاومة

علاء حسن
2003-12-14

كاتب مصري استطاعت حركة المقاومة الإسلامية حماس ومنذ انطلاقتها في العام أن تدشن مشروعا متكاملا للمقاومة وأن تصوغ رؤية استراتيجية واضحة لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني وقد انبثقت…

كاتب مصري

استطاعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ومنذ انطلاقتها في العام 1987 أن تدشن مشروعاً متكاملاً للمقاومة، وأن تصوغ رؤية استراتيجية واضحة لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني، وقد انبثقت هذه الرؤية وتأسس ذلك المشروع على ضوء مدركات حماس لحقيقة وأبعاد الصراع مع الكيان الصهيوني، وعملت حماس على توفير مستلزمات الصمود، وبناء المجتمع المقاوم بوصفه الحامل الأساسي والحاضن الرئيسي للمشروع المقاوم، وقد نظرت حماس للمقاومة والعمل الجهادي بكافة أدواته كحتمية مترتّبة على تواجد الاحتلال، وخيار استراتيجي بإمكانه أن يؤسس ويمهد لانقلابات نوعية في سير الصراع ومصيره، وبما يضع القضية الفلسطينية على أعتاب مرحلة جديدة.

أسس ورؤى حماس

لم تؤسس حماس رؤيتها في فضاء العموميات، ولم تنطلق من فراغ، فقد صاغت الحركة رؤيتها على ضوء مجموعة من المحددات الأساسية منها

1 - الوعي ببداهة أن الصراع مع العدو الصهيوني ليس نزاعاً محدوداً، أو صراعاً يمكن اختزال مستوياته، وتحجيم أبعاده، وتحديد أطرافه، فهذا الصراع لا يمكن فهمه إلا على قاعدة كونه صراعاً حضارياً عقدياً متداخلاً ومتنوع المستويات، وهو في الحاصل النهائي صراع بين مشروعين يمثل أحدهما المشروع الغربي في تكوينه الاستعماري، والذي قام بزرع الكيان الصهيوني في الجسد العربي - الإسلامي ليعيقه عن الالتئام ويمنعه من النهوض، ويتمثل الآخر بالمشروع العربي - الإسلامي الساعي للانعتاق، ومواصلة تقدمه.

وتأسيساً على هذا الوعي حذرت حماس من الانخداع بالأضاليل التي ترمي إلى تفكيك الصراع، وتجريده من شموليته، كما لفتت حماس إلى أن العدو الصهيوني سيظل يشتغل كقاعدة متقدمة لحفظ المصالح الغربية، وسيظل مرتبطاً عضوياً بالمشروع الغربي، وخاصة النسخة الأمريكية منه، وطالبت حماس بضرورة أن تعتمد الأمة على قدراتها الذاتية، وعلى تسخير إمكاناتها في تأسيس التحالفات والتأثير في المواقف، وألا تنتظر من القوى الغربية لعب دور محايد، وأن يتم الوعي بأن الطرف الأمريكي حليف استراتيجي للعدو الصهيوني، وشريك له، وهو بذلك يقع في خانة الأعداء والخصوم، ولا يمكن اعتباره غير ذلك.

2 - أكدت حماس على ضرورة النظر لقضايا الصراع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية على أساس من الترابط بين الدوائر القُطْرية والعربية والإسلامية، فالنظر إلى قضايا الصراع من المنظار القُطري، وإبرام الاتفاقات الثنائية مع العدو الصهيوني تحت غطاء المصلحة القُطرية، أدى إلى التفسخ والتشرذم في الواقع العربي، ومكّن العدو الصهيوني من الاستفراد بتلك الدول كلاً على حدة، مما أدى إلى تحييد وعزل القوى الفاعلة عن ميدان الصراع.

دعت حماس إلى إعادة الاعتبار إلى مفهوم الأمة، والانطلاق من المظلة الجمعية، فكل الاتفاقات والتسويات التي تمت تحت اللافتة القطرية، وكل المحاولات التي عملت على إدارة الصراع على أسس جهوية آلت إلى الفشل، وساهمت في تقوية العدو الصهيوني، وإضعاف الطرف العربي، وإدخاله في ملهاة التشرذم والتنابذ.

تعتقد حماس أن المدخل القطري لإدارة الصراع يرتب نتائج خطيرة، فهو يعني من ضمن ما يعني التمهيد للقبول بالعدو الصهيوني ككيان شرعي معترف به، كما أنه يطرح وهم إمكانية أن يتعايش العدو الصهيوني ومشروعه الاستعماري مع المشروع الحضاري للأمة على قاعدة التضايق والتعايش في المحيط الجغرافي العربي، وهذا يستحيل شرعاً وعقلاً، فأساس العلاقة بين المشروعين سيظل التصارع إلى أن يفلح أحدهما في حسم الصراع نهائياً لصالحه.

وقد أثبتت الوقائع والأحداث صوابية رؤية حماس، وتهافت تلك الرهانات التي زعمت أن الانعزال القُطري وتجزئة الصراع كفيل بتهدئة الثائرة الصهيونية، وخلخلة الصراع المحتدم، وإقناع العدو الصهيوني بالكف عن مطامع التوسع والهيمنة، فقد أثبتت الأحداث أن العدو الصهيوني يسعى وتحت غطاء الإسناد الأمريكي إلى فرض هيمنته، وتثبيت نفوذه كقطب إقليمي أوحد.

3 - أسست حماس رؤيتها للحلول النهائية للصراع على ضوء الثوابت العقدية وإجماع الأمة، فقد أكدت فكريات الحركة وأدبياتها على أن الحل النهائي والحسم الاستراتيجي للصراع يتحقق في حال كنس العصابات الصهيونية المستجلبة من كامل فلسطين التاريخية، وهذا الأمر هو ما يجعل من مشروع المقاومة مشروعاً مركزياً للأمة، لن يتوقف إذا ما قُدّر وأنجزت بعض الأهداف المرحلية أو التكتيكية، فحماس وإن كانت ترحب بتحصيل بعض الحقوق كانتزاع دولة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، إلا أنها تنظر إلى ذلك الأمر على قاعدة الخطوة المرحلية التي لا تتنافى واستمرار مشروع المقاومة، واستمرار الأمة في الإعداد صوب الحل الاستراتيجي الشامل الذي يؤذن بحل الصراع، وأن تضع الحرب أوزارها.

وسائل ومحاضن العمل

منذ إشهارها في العام 1987، وقبل ذلك الإشهار، وحماس تضع نصب عينيها حقيقة ذلك الصراع وما يفرضه من تحديات، وما يلزم لذلك من البحث عن توفير الأسباب الموضوعية التي تصلح كقواعد ارتكاز، وبُنى أساسية لانطلاق مشروع مقاومة فاعل وناجع، فحماس لم تكن ترغب في أسلوب الهبّات التي سرعان ما تخمد، ولم تنظر حماس للمقاومة على أنها محض عمليات عسكرية يستلزم توفير أدواتها، فالمقاومة كانت تعني لدى حماس إطلاق مشروع تحرر وطني قادر على الصمود، وفي سبيل ذلك عملت الحركة على تهيئة الظروف الذاتية والموضوعية، وقد تجلى ذلك في التالي

1 - الحرص على صياغة المجتمع المقاوم

راهنت حماس على أن المجتمع الفلسطيني المرتبط بموروثه العقدي هو القادر على النهوض بمشروع المقاومة، فالمقاومة لا يمكن أن تؤتي أُكلها إذا انطلقت من مفاهيم استحواذية، وقواعد حزبية تغالي في الطابع التنافسي الدعائي، والعاصم من ذلك استقرار الفكرة والمقاومة في الرحم المجتمعي مع الإقرار ببداهة أن هناك مجالاً، وميداناً رحباً للتنافس المشروع بين القوى والأطياف، وأن الكسوب والأوزان ستتباين كلاً حسب عطاءاته، وبقدر إمكاناته، وبالأخير ستتلاقى تلك المجهودات في بوتقة مشروع التحرر الوطني.

أولت حماس التوعية الاجتماعية ما تستحقه من اهتمام، وثابرت على غرس قيم ومعاني التضامن والتكافل باعتبارها مرتكزات وأساسات بناء المجتمع المقاوم، وعملت الحركة على تركيب تلك المعاني على الجذر الاعتقادي حتى تترسخ القناعة بها، وتثبت صدقيتها.

2 - تفعيل محاضن التربية

توقفت حماس طويلاً أمام محطة الإعداد، والتأهيل التربوي، فالحركة التي تتخذ من الإسلام منهجاً لها عرفت أن الأعمال الجهادية تعني صقل الشخصية، وضبطها على هدى التعاليم الإسلامية حتى تحتمل وعورة الطريق ومشاقه، وتصمد في وجه التحديات والمغريات، فصلابة البناء الداخلي للحركة، وبالتالي فاعلية أدائها الجهادي منوط بقدرة المحاضن التربوية على إنتاج الشخصية الجهادية، ولأهمية ذلك الأمر فقد حرصت حماس على التزام الصبر، والتأني حتى لا تتعجل وتستعجل الثمرة قبل نضجها، وقد عاب الكثيرون على رجالات الحركة الإسلامية في فلسطين ما ظنوه قعوداً عن واجب الجهاد، إلا أن الحركة الإسلامية لم تبنِ سياساتها على الاستجابة لمثيرات العواطف، ولم تنجرف وراء الاستفزازات.

وحينما حانت ساعة الانطلاق أدرك المتعجلون الحكمة وراء التأني والمغزى من الصبر والمثابرة، وقد جنت حماس ثمار ذلك؛ ففي الأوقات الحرجة، وفي لحظات التحدي المفصلية أثبتت الحركة أن لديها محاضن تربوية فاعلة، وأن عود الحركة قد صلب بحيث غدت عصية على الكسر والاختراق، فإبان الانتفاضة الأولى أقدمت قوات العدو الصهيوني على ملاحقة الحركة، واعتقال عدد كبير من قياداتها على رأسهم الشيخ أحمد ياسين، وقد ظل بعض هؤلاء فترات طويلة في السجون الصهيونية وعندما لم تفلح هذه الضربات في إضعاف الحركة أقدمت القوات الصهيونية على إبعاد 415 فلسطينياً معظمهم من حماس.

وقد وصلت التحديات ذروتها في انتفاضة الأقصى، فتم استهداف الكادر السياسي الأعلى لحماس بشكل كامل، حيث تم اغتيال الشهيد إسماعيل أبو شنب، والدكتور إبراهيم المقادمة، وجرت محاولات اغتيال للشيخ أحمد ياسين، وإسماعيل هنية، ومحمود الزهار، وعبد العزيز الرنتيسي، إضافة إلى عدد من الشهداء قارب عددهم 250 شهيداً منذ انطلاقة انتفاضة الأقصى، وحتى الربع الأخير من العام 2003. وإلى جوار ذلك تم اعتقال عدد كبير من كوادر ونشطاء الحركة ناهز عددهم 2500 معتقل، ورغم ذلك ظلت الحركة قادرة على التعافي من الضربات والصمود في وجه التحديات، والفضل في ذلك –بعد توفيق الله- يعود لما أولته الحركة من اهتمام لمحاضن التربية، ومصانع صهر الرجال في طريق لا يصلح للسير فيه إلا المجاهدون.

لم يتوقف عطاء حماس عند التضحيات السخية لرجال الحركة، والأعمال العسكرية، والتي احتلت حماس موقع الصدارة في سجلها، فقد وصلت نسبة حماس في إلحاق الخسائر بالعدو الصهيوني 45.4%. لم تتوقف حماس عند ذلك الأمر، فالحركة التي أسست رؤيتها في إطار النظرة التكاملية لمشروع المقاومة لم تكن لتتخلى عن الدور الاجتماعي، ومن ثم انخرطت الحركة في تقديم العون لأبناء شعبها، وقد حازت حماس ثقة الشعب الفلسطيني جراء أدائها الفاعل والشفاف في ميدان العمل الاجتماعي، وقد اضطر للاعتراف بهذا العمل البارز للحركة خصومها ومعارضوها، حتى بعضاً من دول الاتحاد الأوروبي طالبت بالتريث قبل وضع الحركة على لائحة الإرهاب نظراً للدور الاجتماعي الفاعل لمؤسسات الحركة في الأراضي الفلسطينية، وأنها لا تقتصر على النشاطات العسكرية فقط.

مشروع المقاومة

وقد يثور التساؤل الذي يطرحه بعض المغرضين حول الأهداف الموضوعية جراء ذلك، فالبعض يتوهم أن الحركة تفتقد إلى الوعي السياسي، ولا تنظر إلى المقاومة إلا على قاعدة الأمر الديني المجرد، وبمعزل عن سياقات الواقع، ودون النظر إلى ضرورة أن تؤسس المقاومة لإنجازات ملموسة للقضية الفلسطينية، وبغض النظر عن دوافع هذه التساؤلات ودون البحث في النوايا، فإن حماس وبالنظر إلى محدداتها الإدراكية للصراع، وبالتوازي مع إنجازات مشروع المقاومة تؤكد على أن المقاومة تقود إلى الأهداف الآتية

1 - محاصرة العدو الصهيوني وحشره في دائرة التأزم والإنهاك بما يعني استنزاف طاقاته وتبديد قدراته، الأمر الذي يؤدي إلى توهينه وإضعافه، وهو ما يقود بالتالي إلى الحد من انطلاقه، وما يوفر الفرص لتحسين أوضاع الأمة، وتصويب معادلة موازين القوى المحتلة لو أحسنت النظم العربية ترتيب أوضاعها.

2 - ستؤدي المقاومة عبر تراكم إنجازاتها وتوصل تداعياتها المنهكة للعدو الصهيوني لتوليد اتجاهات إذعانية ترضخ لحقائق الواقع، وتستجيب لتقديم ما يلي الحدود الدنيا للحقوق الفلسطينية بعد أن جرب الفلسطينيون ملهاة التفاوض، ومقامراته العبثية، والتي لم تجن منها الساحة الفلسطينية إلا التوترات الداخلية وتعكير الأجواء.

3 - قطعت المقاومة الطريق على مشاريع التطبيع، وفتحت أعين الأجيال العربية والإسلامية النائية على حقيقة العدو الصهيوني الذي حاول البعض أن يظهره في صورة الشريك المسالم.

4 - أطلقت المقاومة نزعات الممانعة على الصعيد العربي والإسلامي من عقالها، وحفزت على النهوض، وهو الأمر الذي يقلق القطب المهيمن على الواقع السياسي الدولي والداعم الأساسي للعدو الصهيوني.

5 - فتحت المقاومة نوافذ الأمل وأعطت القدوة للجموع العربية والإسلامية، ووضعت كل الشرائح أمام مسؤولياتها واستحقاقاتها.

وأخيراً يمكن التوصل إلى سر الحنق الصهيوني على حماس والسبب في احتلالها صدارة الأخطار التي تتهدد الكيان الصهيوني؛ فحماس تمتلك وضوح الرؤية، وتطرح استراتيجية متكاملة لمشروع المقاومة، الأمر الذي ينذر بإرهاصات التصدع في بناء العدو الصهيوني "نقلا عن فلسطين المسلمة".

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026