نقيب الصحافيين المصريين في اليوم نفسه الذي قامت فيه إسرائيل بعمليتها الهمجية لاقتحام سجن أريحا كان المفترض أن تحسم المفاوضات حول تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة بين
نقيب الصحافيين المصريين
في اليوم نفسه الذي قامت فيه "إسرائيل" بعمليتها الهمجية لاقتحام سجن أريحا، كان المفترض أن تحسم المفاوضات حول تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة بين «حماس» وباقي الفصائل الفلسطينية، وخاصة مع فتح.
وكانت نقاط الاختلاف الرئيسية مازالت كما هي حيث ترفض «حماس» شروط «فتح» وتؤكد أنها لن تقدم «الاعتراف المطلوب بإسرائيل» من دون مقابل، وترفض الإشارة إلى التزامها بـ «الشرعية الدولية» ويؤكد الناطق باسمها أن «الشرعية الدولية فيها ظلم كبير للشعب الفلسطيني، ومع ذلك فـ"إسرائيل" تختار من هذه الشرعية ما يخدمها، وتترك ما لا يخدمها»!
ماذا يكون الموقف الآن من طلب «الاعتراف بإسرائيل» وقد أصبح واضحاً «للمرة المليون» أن المطلوب إقراراً فلسطينياً وعربياً ودولياً بأن "إسرائيل" هي الآمر الناهي.
وهي اللاعب الوحيد الذي يملك - بدعم أميركا ومباركتها - أن يقرر مصير الشعب الفلسطيني وأن يمارس تجاهه أبشع الجرائم النازية وأن يحبسه في سجن كبير وأن يتسلى بقتل أطفاله تحت زعم مكافحة الإرهاب؟!
وماذا يكون الموقف الآن من الحديث عن «الشرعية الدولية» بعد التواطؤ المتدني من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا في جريمة اقتحام سجن أريحا. فالقضية هنا لا تتعلق بفرض الاستسلام على سعدات ورفاقه المسجونين في حماية دولية. وإنما بفرض الاستسلام على شعب مازال يقاوم من أجل حريته واستقلاله رغم المأساة التي يعيشها والضحايا التي يقدمها. هذه المقاومة التي جسدت نفسها في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي كشفت زيف الحلول المطروحة منذ أوسلو وحتى الآن، والتي لم تكن إلا مسيرة طويلة من التفاوض العقيم. والاتفاقات التي لا تنفذ، ومنح الوقت اللازم للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لتنفيذ المشروع الصهيوني وإنهاء تهويد القدس والاستيلاء على ما تستطيع من أرض الضفة الغربية والقضاء على أي احتمال لقيام دولة فلسطينية حقيقية وحصار الفلسطينيين في «كانتونات» عنصرية متفرقة، وفرض التنازل عن حق العودة.. وهو ما يتم بنجاح كبير بدعم الولايات المتحدة الأميركية الكامل، والتي لا ترى في كل ما يجري على الساحة الفلسطينية إلا جهوداً للسلام كان يقودها حمامة السلام شارون. وينبغي أن يقودها في المرحلة المقبلة خليفته أولمرت..
كانت «الشرعية الدولية «قد تحولت إلى «شرعية أميركية» تحددها واشنطن وتفرضها على الجميع، وكانت هذه الشرعية يتم تسويقها بأنها الطريق الوحيد والممكن لإقامة تسوية تحقق ولو الحد الأدنى من الحقوق العربية.
وكان الانزعاج الذي أبدته أميركا وأوروبا من نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية يقوم على أن فوز «حماس» بما يعنيه من انحياز للمقاومة وإعلان إفلاس نهج أوسلو الذي استمر 15 عاماً، سوف يعطل مسيرة التسوية السياسية القائمة على «الشرعية الأميركية» البديلة للشرعية الدولية.
الآن- وللمرة المليون أيضاً - يتحول الأمر إلى فضيحة.. فالشرعية الأميركية ليست إلا الشرعية الإسرائيلية، والهدف هو فرض الأمر الواقع على العالم كله، وفرض الاستسلام الكامل على الشعب الفلسطيني، والإعلان بأن القوة وحدها هي التي ستقرر مصير المنطقة.. من فلسطين إلى العراق إلى سوريا وإيران!!
سيقال الكثير عن أننا أمام مجرد «عملية انتخابية» تقدم عليها "إسرائيل" قبل أي انتخابات تجريها، وأن التواطؤ المشين من جانب أميركا وبريطانيا كان لدعم فرص «كاديما» في الانتخابات. وربما يطلبون من الفلسطينيين والعرب تقديم الشكر على ما تم، لأنه يضعف فرص الليكود واليمينيين، وكأن المفروض أن يكون الدم الفلسطيني هو الذي يدفع ثمن الانتخابات في "إسرائيل"! وكأن هناك فرقاً بين نتنياهو وحزبه وبين شارون وخليفته إلا في المزايدة على التهام الأرض العربية وقتل الشعب الفلسطيني!
وسيُقال الكثير أننا أمام مجرد رسالة جديدة لـ «حماس» بأنه ليس أمامها من طريق إلا الرضوخ للأمر الواقع واستئناف المسيرة السلمية بالشروط الأميركية - الإسرائيلية، ورسالة لباقي الفصائل الفلسطينية بألا تشارك في السلطة إلا وفقاً لهذه الشروط!
لكن هذه الـ «رسالة» تتناسى أموراً كثيرة.. فالجريمة الإسرائيلية- الأميركية -البريطانية الجديدة لا تعطي فقط مصداقية لطرح «حماس» الرافض للاعتراف بـ"إسرائيل" وبالشرعية الأميركية المنحازة حتى النهاية لإسرائيل. ولكنها تطرح مصير «السلطة الفلسطينية» نفسها على كل الأطراف، بعد ما وصلت إليه من ضعف ومهانة، ساهم فيها فساد داخلي. وصراعات على مكاسب شخصية، وانشقاقات عمت الساحة الفلسطينية. وساهم فيها أيضاً عربدة إسرائيلية مدعومة من أميركا. وضعف عربي وتبديد لأوراق القوة التي يملكها العرب ولا يحسنوا استخدامها.
وكان الأساس في كل ذلك نهج خاطئ بدأ من أوسلو وترك كل القضايا الأساسية معلقة، ومنح "إسرائيل" ما تريد من تنازلات مقابل سلطة وهمية يجري الدفع بها لتكون مجرد جهاز لتأمين "إسرائيل" حتى تنتهي من إقرار الأمر الواقع على الأرض الفلسطينية.
إن السلطة الفلسطينية التي بدأت عملها وكأن الدولة الموعودة قد أصبحت في قبضة اليد الفلسطينية، انتهت قبل ذلك إلى رئيس معزول في غرفة محاصرة تتواصل الجهود العربية والدولية لمجرد الإبقاء على حياته ولو إلى أن يتم اغتياله بعد ذلك في الظروف الغامضة التي رحل فيها عرفات.
وها هي الآن - ووسط ظروف بالغة الصعوبة - تنتهي إلى مشهد يجسد الواقع الراهن حيث الدبابات الإسرائيلية تقتحم سجن أريحا، والحرس الفلسطيني يجبرون على الخروج شبه عرايا، والشرعية الدولية (الأميركية) التي كانت السلطة تستند إليها تتخلى عن مواقعها في الوقت المناسب (لإسرائيل بالطبع) .
والسؤال الآن لم يعد مصير سعدات ورفاقه، ولا مواجهة عدوان إسرائيلي يتكرر كل يوم بطريقة أو بأخرى، أو انتظار الفرج (الذي لن يأتي) بعد الانتخابات الإسرائيلية.. وإنما السؤال هو
هل انتهت مرحلة كاملة بدأت في أوسلو، وانتهت بـ «سلطة فلسطينية» فقدت هيبتها ومكانتها وربما مبرر وجودها، وشرعية أميركية منحازة للحل الإسرائيلي، ووعود بدولة يتم على الملأ تقطيع أوصالها وإنهاء أي احتمال لقيامها؟
لقد قامت «الشرعية الأميركية» من البداية على كسب الوقت لإسرائيل من خلال الإعلان عن الحاجة لـ «تأهيل» الشعب الفلسطيني للتسوية السياسية، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى سلطة لضمان أمن "إسرائيل". والرهان على أن الواقع المعيشي البائس سوف يدفع الفلسطينيين إلى القبول بالتنازل عن حقوقهم التاريخية العادلة مقابل تحسين أوضاعهم الاقتصادية.
وقد انتهى هذا كله إلى لا شيء.. فالهدنة التي التزمت بها الفصائل الفلسطينية قابلتها "إسرائيل" بتصعيد الاغتيالات، والانسحاب من غزة حول القطاع إلى سجن كبير، وغياب عرفات ومجيء أبومازن بكل اعتداله وبراجماتية تمت مقابلته بالتوسع في الاستيطان والتهام الضفة وتهويد القدس.
ونجاح الفلسطينيين في اختيار الديموقراطية تتم مواجهته من أميركا بالتهديد بالحصار والتجويع، وحتى الوعود بتحسين أحوال المعيشة انتهت إلى أوضاع أكثر مأساوية لأن الدعم مرتبط بالتنازلات، ولأن المطلوب هو الإجهاز على المقاومة، ولأن الفساد الداخلي تحالف مع الضغوط الخارجية في صنع هذا الواقع الأليم.
ولم يكن التصويت في الانتخابات التشريعية الفلسطينية مجرد انحياز لـ «حماس» ولكنه كان إعلاناً برفض النهج الذي قاد النضال الفلسطيني طوال السنوات الماضية من خلال سلطة عاجزة، وتنظيمات متناحرة، واتفاقيات جائرة تستبدل بالشرعية الدولية شرعية أميركية منحازة من البداية إلى النهاية لإسرائيل.
ومن هنا فإن الوضع يطرح على الجميع أسئلة لم يعد ممكنا تجاهلها في إطار البحث عن بداية جديدة.. فهل أصبح الأمر أكبر من تشكيل حكومة لا تحكم، وسلطة لا تملك أي سلطة بيدها؟
وهل آن الأوان لإعادة الاعتبار لـ «الشرعية الدولية» الحقيقية، فينتهي هذا الوضع الذي يعفي "إسرائيل" من مسؤولية الاحتلال تحت زعم وجود سلطة فلسطينية؟
وهل تعود الأرض الفلسطينية إلى وضعها القانوني الحقيقي كأرض محتلة وليس كأرض «متنازع عليها» كما تحاول «الشرعية الأميركية» أن تفرض على الفلسطينيين والعرب والعالم أجمع؟
أليس الأجدى أن تسدل الستار على هذا النهج، وأن يعود الأمر لمنظمة التحرير (بمشاركة كل الفصائل) لكي تقود الصراع ضد الاحتلال الإسرائيلي من خلال قيادة موحدة ورؤية واضحة تكون مرجعيتها الأساسية هي المبادرة العربية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج؟
لقد كان سعدات ورفاقه في سجن أريحا في ظل حراسة مفترضة من سلطة فلسطينية وضمان دولي من أميركا وبريطانيا.. ولكن الضمانات الدولية كانت مجرد وهم، والسلطة الفلسطينية كانت في سجن أكبر دخلته في أوسلو ولم تخرج منه بعد!