بدأ تعريب الصراع مع إسرائيل في أيار مايو مع دخول الجيوش العربية إلى فلسطين لتبدأ
*
بدأ تعريب الصراع مع "إسرائيل" في 15 أيار (مايو) 1948 مع دخول الجيوش العربية إلى فلسطين، لتبدأ «فلسطنة» الصراع مع هزيمة تلك الجيوش في حرب الخامس من حزيران (يونيو) 1967، وبروز حركة «فتح» ذات التوجه القطري قائدة للفلسطينيين، ثم تطويبها في قمة الرباط العربية عام 1974 بوصفها «الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني»، وصولاً إلى يوم 25 كانون الثاني (يناير) 2006 الذي أبرز انتصاراً لحركة «حماس» في الانتخابات الفلسطينية، وما أعطاه من مؤشرات على انتهاء «الفلسطنة» مع تولي حركة إسلامية قيادة سلطة الشعب الفلسطيني.
لا يمكن القول إن فوز «حماس» حدث عادي، أو أن أسبابه عادية مثل الفساد أو الفلتان الأمني أو سوء أداء المفاوض الفلسطيني، وإنما هو حدث يؤشر إلى انتهاء حقبة، مثلما حصل عام 1948 مع الحاج أمين الحسيني، وعام 1967 مع أحمد الشقيري. إلا أن حدث 2006 الفلسطيني ذو دلالات أبعد من السياسة العملية المباشرة ليصل إلى أبعاد أيديولوجية وأخرى متعلقة بـ«صدام الحضارات»، وهذا ما يجعله، بدلالاته ومحمولاته، أبعد من النطاق الفلسطيني المحلي.
في هذا الإطار لا يُعرف إن كان من فكَر من البريطانيين، أوائل القرن الماضي، في إنشاء دولة يهودية في قلب العالم الإسلامي، تلمس العواقب البعيدة المدى لذلك، وإمكان أن يؤدي إلى «تديين» الصراع في النهاية بحكم الطابع الديني لتلك الدولة، ليضع العالم بأسره (وليس فقط المسلمون واليهود) في أتونه، بما فيه الغرب الذي لم يستطع الكثير من المسلمين، على رغم فولتير، أن ينظروا إليه بمعزل عن طابعه المسيحي. ويمكن تلمس انعكاسات قيام الدولة اليهودية على العرب، إذا أخذنا انهيار الدولة العثمانية (دولة الخلافة) بداية للتحقيب، عندما ترافق عام 1918 مع انتعاش فكر الحداثة عند العرب، مع أسماء لطفي السيد وعلي عبدالرازق وطه حسين وتربعهم في السدة العليا للفكر العربي، بالتزامن مع انتعاش الحركات الليبرالية («الوفد» المصري، «الكتلة الوطنية» في سورية...إلخ)، فيما نجد بداية العد التنازلي لهؤلاء مع هزيمة 1948 أمام "إسرائيل" حتى زوالهم عن المسرح بين عامي 1952 و1963 لمصلحة حركات قومية (وليس حسن البنا وسيد قطب) رفعت راية العروبة في وجه "إسرائيل" حتى هزيمتها في حرب 1967. عندها بدأ الصعود المطِرد للحركات الإسلامية، والذي لم يتوقف خلال العقود الأربعة الماضية على رغم القمع الذي مورس على الإسلاميين والتعثرات التي واجهوها في الطريق ونواقصهم الذاتية الكثيرة.
وربما كان «غرق» حركة «فتح» أمام هذا المدُ متأخراً عن جبهة التحرير في الجزائر وعن اضمحلال قوة الناصريين أمام «الإخوان المسلمين» في القاهرة والبعثيين في بغداد أمام الإسلاميين الشيعة والسنة، وهو ما يعود إلى كاريزما ياسر عرفات وإلى خصوصيات فلسطينية تتعلق بأوضاع المواجهة المباشرة مع "إسرائيل".
هنا، لا يمكن أن يعزى ذلك إلى الأوضاع الداخلية في البلدان العربية، بل تدل المؤشرات على أن نمو الإسلاميين العرب ارتبط أساساً بوجود "إسرائيل،" وكذلك، بخاصة في السنوات الأخيرة، بالهجمة الأميركية - الأوروبية على المنطقة، وهو ما يلاحظ عبر ظاهرة إعادة انتعاش المد الإسلامي عقب احتلال بغداد، بعد الانتكاسات والهزائم التي عاناها التيار الإسلامي في النصف الثاني من التسعينات، في الجزائر ومصر والسودان، والتي أعطت مؤشرات على أنه في بداية انحسار بعد مدٍ لم يتوقف منذ أوائل السبعينات.
ويمكن القول في هذا الصدد إن اجتماع الأوضاع الداخلية الفلسطينية في نقطة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي جعل الكفة تميل إلى «حماس» على حساب «فتح»، بخاصة بعد موت الرئيس عرفات، الذي كانت زعامته عائقاً أمام ترجمة فشل «فتح» في تجربة العملية السلمية، وهذا الفشل تجسد أساساً في الانتفاضة الثانية التي نشبت على خلفية وصول المفاوضات إلى الحائط المسدود، وما سارت إليه الأمور لاحقاً من فشل تلك الانتفاضة في تغيير موازين القوى بخاصة بعد 11 أيلول (سبتمبر)، عندما وُضع الفلسطينيون على الرف من قبل الغرب الأميركي الذي تفرغ لـ«إعادة صوغ المنطقة» عبر بوابة بغداد.
تعزز هذا الاتجاه الفلسطيني في عهد أرييل شارون مع ازدياد يمينية السياسة الإسرائيلية و«تديينها» وابتعادها عن التسوية، مقارنة بفترتي اسحق رابين وايهود باراك، وهذا ما أدى إلى ميل مجتمعي فلسطيني، ينحو بعيداً عن العملية السلمية بعدما رأى تقوضها. وربما- بالتكامل مع هذا المنحى وليس بعيداً عنه- يرى الكثير من الفلسطينيين في السيد خالد مشعل والدكتور محمود الزهار عناوين أو جسور عبور نحو تحسين الوضعية التفاوضية، إذا ما عادت إلى العملية السلمية قوتها في ضوء تطورات التجربة الأميركية في العراق، وهو ما يجري الاستعداد له في "إسرائيل" منذ إنشاء حزب «كاديما».
إلا أن هذا سيؤول إلى وضع الهلال في مواجهة نجمة داوود، في ظل إدارة أميركية متحالفة مع "إسرائيل" تدير قطبية أحادية للعالم، ويتحكم بقراراتها محافظون جدد يستلهمون كثيراً من أفكار حركات «إحيائية مسيحية متجددة»... فإلى أين يقود هذا كله؟
* صحيفة الحياة اللندنية - كاتب سوري