تطويق المختلسين والمسرفين وحراسة المستثمرين يحررنا من أسر المانحين

تطويق المختلسين والمسرفين وحراسة المستثمرين يحررنا من أسر المانحين

د.يونس الاسطل
2006-03-12

النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا الأحزاب…

{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً } الأحزاب 6

حاول الكثيرون تخويف شعبنا الفلسطيني من عواقب اختياره حركة حماس خادمة له في البرلمان، ذلك أن المعونات الخارجية سوف يتوقف ضخها، وعندئذ ندخل في حقبة من العيلة والمخصمة، ومع ذلك فإن نتائج الاقتراع جعلت ذلك الترهيب بمثابة الدعاية لتلك الحركة، وقد حذر كثير من الساسة والكتّاب من النتائج العكسية لتلك الحرب النفسية، بسبب معرفتهم بواقع الشعب الفلسطيني، حيث إنه لا يكاد يلمس أثراً لتلك المساعدات ، بل لا يكاد يجد ثمرة لما يجبى منه من الضرائب والجمارك، فالتسيب الإداري والمالي جعل أقل من عُشر الناس تستأثر بمعظم الثروة، بينما أكثر الناس يتمنون الصعود إلى خط الفقر بالمقاييس الحديثة.

لذلك أردت أن أؤكد أن اقتصاد الشحاذة والتسول لا ينفعنا بشيء، وعلينا أن نتكل على مواردنا الذاتية أساساً، إذ أنه بقليل من الضبط في الاختلاسات المالية تتوفر أرقام خيالية، فقد بلغنا أنه جرى الاحتراس في استهلاك الوقود في آليات إحدى البلديات، فأدى ذلك إلى توفير ما يزيد على خمسة عشر ألف دولار شهرياً، وهذا في الوقود وحده، فكيف لو انضم إليه تجفيف منابع الفساد في الجوانب الأخرى؟!وكيف لو قامت سياستنا على الاقتصاد في الإنفاق على البهرجة، وتوقفت النثريات والبدلات للسفر، والعلاج، وحضور الاجتماعات وغيرها؟! وكذلك لو غُربلت الوظائف الوهمية، والبطالة المقنعة، التي وصلت إلى حد أن ينيف الموظفون الإداريون في المجلس التشريعي على ستمائة، وهم محشورون في غرف متواضعة تزاحمت فيها المكاتب، حتى ليصعب التحرك فيها بحرية، وأن يتقاضى عضو المجلس التشريعي مبلغاً قد يصل إلى مائة دولار عن كل جلسة يحضرها، حتى لو جاء في أول الوقت لمجرد التوقيع، وإثبات قانونية الجلسة، ثم خرج ليكون هذا دأبه في معظم الاجتماعات، حتى على مستوى اللجان، وهذا نوع من السحت وأكل الأموال بالباطل ، لأنه تقاضى أجراً لا حاجة إليه حتى لو حضر، فكيف وقد ولى دبره من أول الجلسة؟! ولماذا أعطي راتباً موازياً لما يمنح للوزير؟!

إن الاسترسال في وجوه الإهدار في المال العام يحتاج إلى موسوعة من عدة مجلدات، إذ إن قضيتنا قد اختزلت في شركة تجارية، أو تركة لورثة متشاكسين، أشبه ما يكون بطريقة عشوائية.لذلك رأيت أن أستدعي التجربة النبوية في حل المشكلة الاقتصادية في مستهل إرساء دعائم الدولة الإسلامية، وقد أشارت هذه الآية إلى أحد جوانب تلك المعالجة، فالآية تتحدث بعد الإخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، أي أرأف بهم وأرحم، وطاعته مقدمة على رغائب النفوس، وأن أزواجه جديرات بالتبجيل والاحترام في مستوى أمهاتنا، فما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً.ثم تحدثت عن الأحق بالميراث فجعلته للأرحام من الوالدين والأقربين، وأنهم أحق بذلك من المؤمنين والمهاجرين، وأن ذلك هو المسطور في اللوح المحفوظ ،وفي كتاب الله المنزل هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان

وقد اتفق العلماء على أن هذه الاية واختها في خاتمة الانفال قد نزلت ناسخة للتوارث بالمؤاخاة الذي كان في صدر الهجرة حيث كان المهاجري يرث الانصاري دون عصبته وذوي رحمه بسبب الحلف والنصرة حيث اخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار اخوة لم يشهد التاريخ مثيلا لها ،حيث كان الانصار الذين تبوأوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم ،ولا يجدون في صدورهم حاجة مما اوتوا ،ويؤثرون على انفسهم ،ولو كان بهم خصاصة. واما قوله سبحانه"الا إن تفعلوا الى اوليائكم معروفا " فهو تبنيه الى استحباب الايصاء لمن تاخوا في الله بعد الموت ،وكذا البر والصلة والاحسان في الحياة ،فهل جزاء الاحسان الا الاحسان!!

واما بقية اهل المدينة من اليهود والمشركين فقد ابرم النبي عليه الصلاة والسلام معهم وثيقة عرفت باسم الصحيفة ،تضمنت مبادئ التعايش السلمي ،والدفاع المشترك ،والتكافل المالي بالاشتراك في المجهود الحربي ،ومما جاء في ذلك الدستور (وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ...،وان بينهم النصر على من دهم يثرب ) هذا وقد كان الانصار اهل زرع وضرع ،وكان المهاجرون اهل تجارة ومضاربة ،وقامت بينهم شراكة في الاموال على شطر منها ،فكان ذلك من اعظم الموارد ،بالاضافة الى الفيء والانفال التى تغنم في القتال .إن المطلوب اليوم هو احياء التكافل من ناحية ،واستغلال الموارد من ناحية اخرى حيث بات من المؤكد وجود كمية ضخمة من الغاز الطبيعي في باطن الارض ،وتحت البحر ،على شاطئ غزة ،كما إن الخبرة الزراعية وكفاءة الايدي العاملة ،تجعلنا قادرين عند توفر الادارة السياسية على توفير الكفاية ،والتصدير للاسواق العربية .

إن رؤوس الاموال المهاجرة ،والعقول المهاجرة ،والمستثمرين الفلسطينيين ،لو وجدوا مناخا مناسبا ،فانهم لا يبغون على ارضهم وديارهم حولا ،وذلك مرهون باستتباب الامن  وغياب المليشيات اللاهثة وراء الابتزاز ،بالاضافة الى القضاء المستقل النزيه ،واستكمال منظومة القوانين التى تحمي المستثمرين ،وغير ذلك من الحوافز والمغريات إن عددا من الدول العربية والاسلامية قد ابدى استعدادا لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التى توفر المزيد من فرص العمل لتضييق ساحة البطالة ،والاستغناء عن رحلة الاذلال للعمل داخل الارض المحتلة ،بالاضافة الى امكانية استيعاب المزيد من الايدي العاملة في الاسواق الخليجية والجزيرة العربية.انه لو تأتى خنق الاحتكار ،وخفض الاسعار ،واطلاق القطاع الخاص يتنافس منضبطا ،لن نكون معه في حاجة الى مزاولة مهنته اليد السفلى التي تعودت أن تاخذ لا أن تعطي ،اذ مشاريعنا يجب تسويقها خارجيا ،وايتامنا يكفلون خارجيا ،حتى إن اصغر المناقصات لتتوقف الشهور والسنين حتى نعثر على من يمولها في المؤسسات العربية او الغربية فضلا عن إن سلطتنا وبلدياتنا و وزاراتنا معظمها مدينة بارقام مذهلة جعلت الاجنة في بطون امهاتها تولد وهي تحمل اوزار تلك الديون ،بسبب العابثين الذين يعيشون لرضاع الدنيا دون أن يحرموا ما حرم الله ورسوله ،او يدينوا دين الحق ،ويكفي أن نعلم أن ما يجري تبذيره على التدخين مثلا ينيف على مليون دولار كل يوم فاذا انضاف اليه الوان الاسراف الاخرى كانت بضعة مليارات في العام ولذلك يلجا عبيد الدولار الى السرقات والرشاوي والابتزازات وفي بعض الاحايين الى الارتماء في احضان المحتلين .

والعياذ بالله من الشياطين

 

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026