حماس: هل تنجح سياسة الاستئصال والإقصاء؟

حماس: هل تنجح سياسة الاستئصال والإقصاء؟

أحمد عبد الحي
2003-12-14

حماس حماس هل تنجح سياسة الاستئصال والإقصاء أحمد تهامي عبد الحي القاهرة تمر حركة حماس بمنعطف خطير ربما يكون من أخطر التهديدات التي واجهت الحركة الإسلامية في فلسطين منذ بدء الانتفاضة…

حماس

حماس هل تنجح سياسة الاستئصال والإقصاء؟

أحمد تهامي عبد الحي

القاهرة

تمر حركة حماس بمنعطف خطير، ربما يكون من أخطر التهديدات التي واجهت الحركة الإسلامية في فلسطين منذ بدء الانتفاضة، وربما من قبل ذلك بكثير إلى ما بعد حرب 48. وقد مرت الحركة بالعديد من التحديات الخطيرة، من قبيل اعتقال أبرز مؤسسيها خصوصاً الشيخ أحمد ياسين عقب اندلاع الانتفاضة الأولى في 1987، ومروراً بعملية الإبعاد الشهيرة لأكثر من أربعمائة من القيادات والكوادر الفعالة في الحركة إلى مرج الزهور بجنوب لبنان في عام 1992، ثم محاولات القضاء على الحركة وتفكيكها في أعقاب سلسلة العمليات الاستشهادية الضخمة التي ضربت العمق الإسرائيلي للمرة الأولى في تاريخ الصراع في عام 1996، والتي جاءت رداً على اغتيال أبرز قادة الجناح العسكري للحركة الشهيد يحيي عياش، وفي ذلك الوقت اعتبرت العديد من القوى الدولية والإقليمية حماس بمثابة التهديد الأبرز لعملية التسوية، والتقت هذه الدول في شرم الشيخ في قمة مواجهة ((الإرهاب))، كما أرادتها أمريكا و(إسرائيل) أو قمة صانعي السلام، كما أرادتها الدول العربية، وأسفرت نتائج هذه القمة عن قيام السلطة الفلسطينية بحملة ضخمة ضد الحركة شملت اعتقال الآلاف من زعماء الحركة وكوادرها، وإقفال العديد من المؤسسات والجمعيات الخيرية. وإذا كانت هذه هي أخطر التحديات التي واجهتها حماس منذ إنشائها في عام 1987 إلا أن التهديدات الإسرائيلية ضدها لم تتوقف أبداً، من قبيل محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي الأستاذ خالد مشعل في عمان وغيرها، واغتيال القادة السياسيين الشيخ جمال منصور وجمال سليم، إلى جانب عدد كبير من القيادات العسكرية والميدانية، بل توافقت معها جهود أمريكية وعربية أحياناً من أجل قمع الحركة، مثل اعتقال الولايات المتحدة لموسى أبو مرزوق؛ رئيس المكتب السياسي السابق للحركة، وقيام السلطات الأردنية بإبعاد أعضاء المكتب السياسي من الأردن.

القدرة على التجدد والاستمرار

وفي الحقيقة يمكن للمرء أن يضع افتراضًا مفاده أنه كلما تعاظمت التهديدات ضد حماس كلما أدى ذلك لزيادة شعبيتها ورصيدها بين الجماهير العربية والإسلامية، باعتبارها طليعة المجاهدين التي تقف في وجه توسع العدو الصهيوني وتنهكه، مما يمنحها في النهاية مزيداً من القوة. وقد كان للعديد من العمليات الإسرائيلية ضد حماس أثراً عكسياً، فعملية مرج الزهور أدت إلى دعم وتطوير علاقات حماس الخارجية مع العديد من الدول والقوى الإقليمية، وأكسبتها تعاطف العالم الخارجي. أما أخطر التهديدات التي واجهتها حماس فكانت عمليات القمع التي قامت بها السلطة الفلسطينية ضد الحركة في عام 1996؛ لأنها جاءت من جهة فلسطينية، قد تختلف معها الحركة، لكنها لا يمكن أن ترفع السلاح في وجهها، وإلا تحولت إلى حرب أهلية يزكيها العدو الصهيوني، ويعتبرها أفضل بديل استراتيجي لإنهاء القضية الفلسطينية.

لقد أظهرت حماس دوماً قدرة فريدة على التعامل مع هذه الأزمات بطريقة حافظت على بقاء واستمرارية دور الحركة، فحماس تمكنت من أن تحيك استراتيجية فعالة في التعامل مع تطورات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، استراتيجية تجمع بين المحافظة على ثوابت القضية، ومرونة التعامل مع المتغيرات دون تفريط في الأهداف الأساسية. فقد توفرت للحركة قيادة سياسية وروحية حافظت على تماسك رؤيتها الاستراتيجية مهما تغيرت الظروف الموضوعية في البيئة الخارجية. وقد نجحت الحركة في أن تجمع بين أمرين قلما نجح تنظيم فلسطيني في الجمع بينهما، ألا وهو قيادة سياسية محنكة، لديها القدرة على تقدير حسابات الربح والخسارة من منظور استراتيجي، وقدرة عسكرية قادرة على التجدد والتنامي، وإيقاع أفدح الخسائر بخصمها، على الرغم من اختلال موازين القوى المادية.

وفي الحقيقة فإن ثبات عناصر الرؤية الاستراتيجية لطبيعة الصراع وأطرافه لا تنفي وجود مرونة وقدرة كبيرة على المناورة السياسية، لدرجة يعتبرها البعض نوعاً من أنواع البراجماتية، ومن أمثلة ذلك استمرار تأكيد الحركة على التزامها بخيارها العسكري الجهادي ضد (إسرائيل)، ولكنها تقبل الهدنة فكرياً وعملياً. وقبل اندلاع انتفاضة الأقصى كانت الحركة ترفض باستمرار أن توقف العمليات الاستشهادية، ولكنها قررت ألا يقوم منفذوها بالانطلاق من أراضي السلطة الفلسطينية، وقصرت ذلك على المناطق التي تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية وفقاً لاتفاق أوسلو، كما أصبحت هذه العمليات تخضع لحسابات حساسة تتعلق بظروف التوقيت، مما يعني إمكانية حدوث فترات توقف طويلة أو قصيرة.

خطورة التهديد الحالي

يختلف التهديد الراهن لحركة حماس عن التحديات التي واجهتها الحركة من عدة جهات بعضها يتعلق بتغير في نوع التهديد أو في درجته فقط، ولكن الوضع الراهن يشير إلى وجود جوانب قوة وأوراق عديدة يمكن للحركة أن تستثمرها

1 - إنه يجيء في سياق ظرف دولي معارض بقوة لتوجهات الحركة خصوصاً العمليات الاستشهادية، وتوجه أمريكي يضغط من أجل تفكيك الحركة ومؤسساتها. ويلاحظ أن الظرف الدولي في السابق كان أقل عداء للحركة، فقرار الإبعاد إلى مرج الزهور جاء في النهاية في صالح الحركة، حيث اضطرت (إسرائيل) إلى إعادة المبعدين تحت الضغط الدولي، وصدور إدانة قوية من مجلس الأمن للقرار الإسرائيلي. أما الآن فالحركة أصبحت من وجهة النظر الأمريكية والأوروبية حركة إرهابية من الضروري تفكيكها، والتخلص منها، والتعامل معها بنفس الطريقة التي يتم بها التعامل مع تنظيم القاعدة، أي بالاغتيال والقتل من وجهة النظر الأمريكية أو تحجيمها وإلغاء دورها العسكري من وجهة النظر الأوروبية.

2 - وجود حكومة يمينية متطرفة ربما تكون الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ (إسرائيل)، وقد أظهرت هذه الحكومة فشلاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً أمام مواطنيها، على الرغم من تبني الخيار العسكري كخيار وحيد في مواجهة الانتفاضة، وهي تحاول رفع سقف الخيار العسكري أخيراً، بالتركيز على استهداف القيادات السياسية الروحية للحركة وهي بطبيعتها أهداف سهلة عسكرياً، ولكنها تحقق للمتعصبين نصراً شكلياً. وإذا نجحت حماس في الصمود أمام إرهاب شارون وموفاز فسيؤدي ذلك إلى فشل سياسة اليمين الصهيوني، وربما خروجه من دائرة السلطة في الانتخابات القادمة.

3 - الوضع العربي الرسمي يكاد يمر بأسوأ أزمة في تاريخه، فكل الدول العربية معرضة لضغوط أمريكية ضخمة، ويجد بعضها أن مصلحتها الأساسية في تطوير العلاقة مع الولايات المتحدة، والتوافق مع سياستها توافقاً كلياً، فبدلاً من الدعم المعنوي وأحياناً المادي الذي كانت تقدّمه الدول العربية المجاورة للانتفاضة، تم رويداً رويداً التخلي عن تقديم هذا الدعم كلية، ثم تمت محاولات اتخاذ إجراءات لمحاصرة الحركة. ويعاني الوضع العربي الرسمي من إشكالية خطيرة تتمثل في ازدواجية موقفه بين احتياجه إلى دور حركة حماس كقوة تقارع (إسرائيل) وتشغلها داخلياً عن التوسع الإقليمي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وتشكل قوة ضغط عليها من أجل تقديم تنازلات حقيقية في عملية التسوية من جانب، وبين خشيته من تنامي المشاعر المؤيدة للانتفاضة، وما تؤدي إليه من تحركات شعبية تخشى السلطات أن تخرج عن الدور المرسوم لها من ناحية أخرى.

وفي المقابل فإن العمق الشعبي المساند ما زال فاعلاً، ويساند الانتفاضة بقوة، وبدا أنه أخذ يتجاوز حالة الإحباط التي مر بها عقب احتلال العراق، وقد تجلى ذلك في قوة المواقف الشعبية التي رفضت القرارات الرسمية الأردنية واللبنانية حول الحسابات المصرفية.

4 - الداخل الفلسطيني يظهر الشعب الفلسطيني مزيداً من التمسك بفكرة المقاومة، على الرغم من قسوة القمع الإسرائيلي، باعتبارها الوسيلة الأساسية أمام التطرف الإسرائيلي. وتستمد حماس قوتها من التأييد الشعبي الكبير للمقاومة. وتبقى الإشكالية الحقيقية فيما يتعلق بالعلاقة بين السلطة وحركة المقاومة، فالسلطة تخضع لتحريض وضغوط خارجية كثيفة من أجل وقف المقاومة وقمعها، بل إنه يبدو أن جزءاً من شرعية السلطة الفلسطينية لدى القوى الخارجية يرتبط بقمع حركات المقاومة، وبينما يلاحظ حرص بعض قيادات السلطة على الوحدة الوطنية فإن هناك من يريد فرض وقف المقاومة بالقوة، تبعاً لذرائع مختلفة مثل وقف عسكرة الانتفاضة، أو إنهاء فوضى حمل السلاح، فلم تنجح السلطة الفلسطينية حتى الآن في توظيف الضغوط العسكرية للانتفاضة على طاولة المفاوضات.

5 - الوضع داخل حركة حماس تبذل العديد من القوى جهوداً ضخمة من أجل اللعب على التوازنات داخل الحركة وإحداث انقسامات فيها، وذلك من قبيل اللعب على وتر العلاقة بين ما يسمى المتشددين والمعتدلين، أو العلاقة بين حماس الداخل وحماس الخارج. وقد ثبت فشل جميع هذه المحاولات، فالصف الداخلي في حماس متماسك، ولعله أبرز عناصر قوة الحركة.

ونظراً لتميز هذا الجيل ومهاراته السياسية وقدرته على التعامل مع الإعلام فقد أعطى الحركة زخماً جماهيرياً ودعائياً كبيراً في الشارع العربي والإسلامي. وفي الواقع فإن قيادات هذا الجيل من الصعب تعويضها نظراً لما تحتاجه عملية تكوينه وإعداده من وقت وجهد كبيرين، قد يكون أكبر من نظيره الذي ينفق على القادة العسكريين.

والخلاصة أن الوضع الدولي والعربي قد تغير بقوة منذ أحداث أيلول/سبتمبر 2001 وصعود اليمين المحافظ في أمريكا و(إسرائيل)، بصورة قلصت من هامش المناورة السياسية أمام الحركة، وجعلت من الصعب على السلطة الفلسطينية والدول العربية الاستفادة من الضغوط العسكرية للمقاومة الفلسطينية التي صارت تخضع لضغوط ومحاولة استئصال إسرائيلية بتشجيع أمريكي، دون مساندة من الدول العربية. وعلى الرغم من خطورة التهديد الراهن للحركة وقادتها، إلا أن الخبرة التاريخية تؤكد قدرة الحركة على الصمود، وتجاوز الوضع الصعب ربما إلى وضع أفضل بكثير "نقلا عن فلسطين المسلمة".

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026