تكتيكات متغيرة.. واستراتيجيات باقية

تكتيكات متغيرة.. واستراتيجيات باقية

مؤمن بسيسو
2006-02-23

حالة من الدوار والذهول قد تستبد بالكثيرين وعلى الأخص خصوم حماس السياسيين مع سلاسة تعاطي الحركة مع الملف السياسي ونهجها البراغماتي المرن في إدارة المعركة السياسية مع الاحتلال…

حالة من الدوار والذهول قد تستبد بالكثيرين، وعلى الأخص خصوم حماس السياسيين، مع سلاسة تعاطي الحركة مع الملف السياسي، ونهجها البراغماتي المرن في إدارة المعركة السياسية مع الاحتلال، والتعبير عن مواقفها وثوابتها الوطنية.

لربما حرمت الصور النمطية المسبقة، والجهل بحقيقة الفكر الوسطي المعتدل الذي تتبناه حماس في شئون الدين والحياة، الكثيرين من فهم الحركة حق الفهم، واستيعاب آفاق سياساتها ومنطلقاتها وبرامجها، فباتوا يهيمون على غير هدى أو رأي سديد، واصطبغت أفكارهم وطروحاتهم إزاء الحركة بانفصام واضح عن واقع الأمور وحقائق الأشياء.

قد يمر وقت طويل قبل أن يدرك هؤلاء أن مفهوم "المصلحة" للدين والوطن والأمة مقدم على ما سواه، وأن منطق التوازنات والأولويات يشكل الناظم الأساس لحركة وفعالية حماس سياسيا ووطنيا، والمحدد الأهم لأدوارها ومهامها الحالية والمستقبلية، وأن الانغلاق والتحجر هو آخر ما يفكر به قادة حماس وصانعو فكرها ومواقفها وأدائها السياسي والوطني.

تستطيع فتح أن تحدث جلبة شديدة حيال ما تعتقده تناقضا في برنامجي الرئاسة والحكومة، وسطوة في الصلاحيات الرئاسية، لكن واقع الحال يؤشر إلى توافق وطني ومواءمات سياسية بين البرنامجين، يخوض بها شعبنا المرحلة المقبلة بكل تحدياتها وأشواكها، وينتقل بها إلى بر الأمان والوفاق والاستقرار.

يدرك أبو مازن مدى حاجته إلى حماس، وتدرك حماس مدى حاجتها إلى أبو مازن، ويدرك الطرفان مدى حاجتهما للتوافق على مبادئ ونقاط التقاء مشتركة، وصعوبة استغناء أي منهما عن الآخر في الوقت الراهن.

لذا، وبغض النظر عن قبول فتح أو رفضها للانخراط في الحكومة المقبلة، فإن القاطرة الوطنية ستسير في مسارها المعلوم، ولن تنحرف عن جادة الأهداف الوطنية الموضوعة، لأن أحدا، في مؤسستي الرئاسة والحكومة، لن يسمح لها بالزيغ أو الانكفاء، أو التعطيل والجمود.

من هنا فإن اللغة الجديدة المرنة التي ستمتشقها حماس، والسلوك المتوازن الراشد الذي ستنهجه في الحكم والإدارة مستقبلا، قد يذهل الكثير من الخصوم، ويعيد خلط توقعاتهم وحساباتهم من جديد.

للسلطة سلوكها وأولوياتها وأدواتها الخاصة، وللمعارضة سلوكها ونهجها الخاص أيضا، فلكل مرحلة منطقها الخاص وأولوياتها الخاصة، التي تدور في فلك المصلحة، ولا تخرج عن إطار الثوابت والكليات.

أمامنا مساحات واسعة وشاسعة للغاية من الاجتهاد والعمل السياسي في إطار التكتيك، الذي يأخذ أشكالا متعددة، ويمارس بلغات وأدوات مختلفة، في إطار حرية الفعل والمناورة السياسية، فيما تبقى الثوابت والكليات الاستراتيجية حاضرة دون أي خدش أو امتهان.

إن مصالحنا الاستراتيجية تقتضي اليوم حكمة في النهج، وتدرجا في السلوك، وتوازنا في الأداء، وتوافقا في الرؤية والمسار، وهذا ما تدركه حماس بكل وضوح، وتعمل لإنفاذه بكل جد واهتمام، على قاعدة الالتفات للوضع الداخلي المنهار، والنأي عن تنافرات الملف السياسي غير المجدية، والمعطل أصلا بقرار إسرائيلي قديم.

نتوقع لحماس توغلا تدريجيا في مسارات التكتيك السياسي والوطني، وإنضاجا أكبر للخطاب والنهج المتبع، ونجاحا مطردا في اختراق جُدر الحصار الغربي، السياسي والمادي من جهة، وتقديم نموذج فريد في الحكم والإدارة من جهة أخرى.

ختاما.. التكتيك شيء، والتنازل شيء آخر.  

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026