ماذا يعني أن تعتقل سلطة الانقلاب في مصر أربعة شباب من مجاهدي غزة ثم لا تكون هناك ردود فعل على الجريمة تناسب قيمة هؤلاء الشباب والرمزية التي يمثلونها وماذا يعني ألا تكترث الفصائل…
ماذا يعني أن تعتقل سلطة الانقلاب في مصر أربعة شباب من مجاهدي غزة، ثم لا تكون هناك ردود فعل على الجريمة تناسب قيمة هؤلاء الشباب والرمزية التي يمثلونها؟ وماذا يعني ألا تكترث الفصائل الفلسطينية بالأمر وكأنه مجرد إشكالية بين مصر وحماس؟ وماذا لو أن ما جرى كان معاكساً، أي اختطاف بضعة جنود مصريين في غزة؟ هل كانت موجة التفاعل مع الحدث ستكون باهتة كحالها مع هذه الحادثة؟ وماذا يعني امتناع الانقلابيين عن الإقرار بالجريمة حتى الآن، وكأن هناك نهاية درامية ما مرسومة للحادثة تشابه ما عهدنا رؤيته وسماعه من مسرحيات بائسة ورديئة الإخراج يقارفها النظام المصري بلا خجل أو اكتراث بالتبعات؟!
هذه الحادثة بيّنت كيف أن الموقف من المقاومة في فلسطين – وتحديداً غزة - لا يزال أسير لحظته، أي تلك اللحظة الساخنة، حيث جرائم الاحتلال خلال حروبه وردود المقاومة، وحيث لا يجد كثير من السياسيين ونخب المجتمع مفراً من مسايرة المزاج الشعبي العام، والاضطرار لمباركة فعل المقاومة وتمجيدها. ولكن دون أن ينسحب ذلك على الاستعداد لتحمل جانب - ولو ضئيلا - من ضريبة هذه المقاومة عبر تأييدها في أوقات الهدوء، أو الذود عن رجالها، أو تعكير العلاقة مع أعدائها، داخل المشهد الفلسطيني وخارجه.
كنت أرى منذ سنوات أن مجتمعنا فقد خصائص المجتمعات المقاومة، التي ترفض الاحتلال والعملاء بالفطرة، وتنحاز وجدانياً وعملياً إلى جانب المقاتل، وتؤازره في محنته وتشاركه حمل قضيته بدعمه الدائم، ثم تخليّتُ عن هذه الفكرة عشية حرب (العصف المأكول)، لأنه بدا من متابعة المشهد العام أن الإجماع على المقاومة كان غير مسبوق، ولا تشبهه سوى أجواء الانتفاضة الأولى، حيث كان المجتمع –في غالبيته- مبدياً استعداداً حقيقياً غير مزيف للاشتراك فيها وتحمّل تبعاتها المختلفة والمساهمة في تأمين أبطالها ومدّ يد العون لهم.
أما الآن، ومع هذا التراجع المخجل في الاكتراث بمصير عدد من الشباب المجاهدين، ولو من خلال أضعف الإيمان، أي المساندة المعنوية، يبدو أننا بالفعل قد فقدنا خصائص المجتمعات المقاومة، ويبدو أن الدجل الإعلامي سيّد الموقف على كلّ المستويات. قد يقول قائل إن انشغال الناس بهمومها اليومية يحول دون اهتمامها بمجريات هذه القضية ومثيلاتها، لكن هذا التبرير يمكن أن يكون مقبولاً لو أن الناس والنخب لا تخصص ساعات من اهتمامها ومتابعاتها لتوافه القضايا، ولو أن الأولويات لم تختلط لديها لدرجة الانزياح الجماعي السخيف خلف أحداث وشؤون سطحية أو غير مفصلية.
بطبيعة الحال، يبدو من العبث هنا مطالبة السلطة الفلسطينية باتخاذ إرجاء رسمي – ولو كلاميا- تجاه الحادثة، فيما هذه السلطة شريك أساسي في حصار غزة وتجويعها وإيذائها، وفي اختراع وتسعير المعارك الجانبية التي ينقاد لها كثيرون بوعي أو دون وعي على حساب القضايا الأساسية في المشهد الفلسطيني. ولكن الطبيعي أن نتوقع دوراً لافتاً لبقية الفصائل ولنخب المجتمع ومفكريه وسياسييه، بل حتى لعامة الناس الذين يتفاعلون بشكل كبير مع المقاومة في لحظاتها الساخنة، ومع شهدائها حين يكون دمهم مرئيا في إطار مدّة الحرب، بينما يغيب الاهتمام برموزها حين يواجهون أشكالاً أخرى من المحن غير المرئية، حتى لو كان حجم فظاعتها متخيّلا.
الحال أن كثيرين يتجنبون الحديث في القضايا الجالبة للمتاعب أو المثيرة لشبهة التصنيف على هذا الفصيل أو ذاك، والحال أن منصّات التواصل الاجتماعي لا تشجّع على التفاعل إلا مع ما يحصد الإعجاب والثناء، ولذلك فقضية المقاومة لا تصبح من هذا النوع إلا خلال الحروب وحين تتكلّم بطولاتها فينشغل الشارع بها، أما حينما تنقضي المعارك فإن الألق الشعبي لها يخفت ومعه الاكتراث الجمعي بها، ولذلك فإن جانباً كبيراً من الجمهور يعفي نفسه من التفكير بكيفية تطور المقاومة واحتياجاتها ومقوّمات استمرارها ومتطلّبات صمودها وصعودها.
بكل تأكيد، ليست هذه كل مظاهر الزيف التي تفتك بمجتمعاتنا، وخصوصاً نخبها المشهورة، لكنها مثال على اختلاط الأولويات وتحوّل الاهتمامات من جوهر القضية إلى قشورها، وعلى أن التناقض مع الذات والضمير والتغافل عن الواجب باتت أمراضاً اجتماعية مزمنة، تستبطن السياسة حينا، وهوى النفس أو أحقادها حيناً آخر، والاستعداد الخفيّ للانخراط في مؤامرة على الذات حيناً ثالثا.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع