ما من شك أن الفوز الكبير الذي حققته حماس ألقى بظلاله الواسعة على الساحة المحلية والإقليمية والعالمية وقد جاء هذا الفوز محرجا لأطراف عدة على رأسها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية…
ما من شك أن الفوز الكبير الذي حققته "حماس" ألقى بظلاله الواسعة على الساحة المحلية والإقليمية والعالمية، وقد جاء هذا الفوز محرجاً لأطراف عدة على رأسها الولايات المتحدة، وبعض الدول الأوربية التي تسعى لابتزاز حماس من خلال التلويح بقطع المساعدات ووقف الدعم عن الشعب الفلسطيني.
إن الجعجعة العالية، التي واكبت فوز حماس، والتهديدات بتجويع الشعب الفلسطيني سرعان ما ستزول، لأن هذا الضجيج المرتفع جاء ضمن " أعراض الصدمة " ليس أكثر، والأطراف الدولية التي تهدد بفرض عقوبات ستواجه في علاقاتها الخارجية، أزمة حقيقية إن هي لم تحترم نتائج انتخابات ديمقراطية نزيهة، وتتعامل مع فوز حماس كحقيقة واقعة لا يمكن تجاوزها كونها جاءت عبر صناديق الاقتراع.
فكيف لهذه الأطراف الدولية التي تتباهي بديمقراطيتها، وتعمل على ترويجها في الشرق الأوسط أن ترفض التعامل مع الواقع الجديد الذي أفرزته صناديق الاقتراع؟ وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن ثمة أطراف تسعى إلى أن تحفظ لنفسها موطأ قدم في المنطقة أمام الهيمنة الأمريكية كروسيا مثلاً التي وجهت دعوة رسمية لحماس وبغض النظر عن النتائج التي سيتمخض عنها هذا اللقاء، فإن مثل هذه الدعوة ترفع من أسهم حماس في الساحة الدولية، وفرنسا من جهتها التي أبدت موقفاً متشنجاً عند الإعلان عن فوز حماس سرعان ما رحبت بدعوة روسيا وأثنت عليها، وفنزويلا أيضاً أكدت أنها ستتعامل مع حماس كطرف منتصر، ودول عديدة أبدت استعدادها للتعاون مع حكومة حماس.
من هنا فإن الموقف الأمريكي الرسمي المعلن تجاه حماس سيكبل السياسة الأمريكية في المنطقة إذا ما استمر، و إذا ما أخذنا في الاعتبار دعوة روسيا لحماس، والتقارب بين إيران وحماس، فإن ذلك يشكل اختراقاً للهيمنة الأمريكية في المنطقة وهو ما عبرت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية سلفاً عند حضورها لاجتماع اللجنة الرباعية حيث أكدت بأنه "عليها التحرك لملء الفراغ" على حد تعبيرها.
إن أمريكا تدرك بأن قيامها بعزل حماس ومنع المساعدات، سيفسح المجال أمام أطراف أخرى لانتهاز الفرصة على رأسها إيران ودول أخرى تناصبها العداء للتحرك وملء هذا الفراغ ومد يد العون للشعب الفلسطيني، والعدو الصهيوني الذي يهدد بعزل السلطة وقطع العلاقات معها، بالتأكيد يدرك أن خطوة كهذه من شأنها أن تزيد من التوتر في المنطقة، وسيكون في المقابل تصعيد فلسطيني ينعكس بشكل واضح على مجمل الأوضاع، ويزيد من التهديد لمصالحه.
إن الساحة الفلسطينية باتت تفرض نفسها على العالم، وأي تداعيات تترتب على السياسة الصهيونية تجاه الشعب الفلسطيني ستضع هذا العدو في مأزق جديد أمام المجتمع الدولي، فهذا العدو الذي مني بهزيمة جديدة على يد حماس جراء قدرتها على التواصل مع العالم الخارجي ومدّ الجسور اعترف بأنه فشل في تقييد حركة حماس وحصارها أمام الرأي العام العالمي، وهو يدرك أن حصار حماس ومحاولة عزلها لن يكون في صالحه مطلقاً.
أما على الصعيد الداخلي الفلسطيني، فشعبنا قد سئم الشعارات التي أكل عليها التاريخ وشرب وهو اليوم بحاجة لمن يضع حداً لسماسرة الثورة، الذين قامروا بمصير الشعب ، وحولوا الوطن إلى سوق استثمارية، من هنا فهو سيدعم بالتأكيد أي خطوات تضع حداً للمفسدين، وفرق الموت المنظمة، ومجموعات الفلتان الموجه، لأن الفساد والفلتان باتا الوجه الآخر للاحتلال الذي يواصل قهره اليومي للإنسان الفلسطيني.
وإن العقبات التي يحاول البعض الخاسر زراعتها أمام حماس، ستقتلعها إرادة الشعب الحرّ الذي عاني طويلاً من ويلات الفساد ورعب الفلتان.
حماس اليوم أقوى من أي وقت مضى، ليس لأنها فازت في الانتخابات التشريعية، ولكن لأنها أثبتت أنها رغم كونها حركة مقاومة إلا أنها تتمتع بنضج سياسي، ودبلوماسية عالية، فتحت الباب على مصراعيه أمامها لتجوب عواصم العالم وأن تطرح موقفها الرسمي من الاحتلال دون خجل أو تردد، وحافظت على الخطوط العريضة لمنطلقاتها وبرامجها وعلى رأس ذلك عدم الاعتراف بشرعية هذا الاحتلال على قاعدة "كيف للضحية أن تعترف بالجاني" على حد تعبير خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة.
إن أمام حماس اليوم مشوار طويل، وعلى كاهلها يقع الحمل الثقيل، في تضميد جراح الشعب الفلسطيني، وكبح جماح الفساد الذي خلفته الحقبة السابقة، وإعادة القضية الفلسطينية إلى معتركها الطبيعي كقضية للأمة جمعاء لا تخص الفلسطينيين وحدهم، وهذا ما يفرض على حركة حماس مسؤولية مضاعفة، ففي البدء انعقدت آمال الأمة على حماس كحركة مقاومة ضد الاحتلال وكانت عند حسن ظن الأمة بها، واليوم هي تتصدى لرعاية مصالح الشعب الفلسطيني، فأنظار الأمة تتجه صوبها مجدداً ليس كبرنامج مقاومة فقط وإنما كبرنامج سياسي يأتي على سلم أولوياته الإصلاح والتغيير من الواقع العربي المرير، وإذا ما نجحت في ذلك أيضاً، بالتأكيد سيبعث نجاحها الروح مجدداً في جسد الأمة وسيحفزها للتحرك من أجل الإصلاح والتغيير، وستكون حماس قد نجحت في تقديم نموذج عملي يرفع من أسهم الإسلاميين أمام الرأي العام العربي والعالمي، في مقابل توجيه صفعة قوية لليبراليين والعلمانيين ودعاة التحرر من الأنظمة الدينية الذين يشككون في صلاحية الإسلام لقيادة الأمة.