ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم على الرغم من أن القاصي والداني…
"أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ، كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِين، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ"
على الرغم من أن القاصي والداني كان يكتوي بسياط الفساد المالي، إلا أن ما أعلنه النائب العام في مؤتمره الصحفي رفع درجة الغليان الشعبي، وأيقن أكثر الناس أنهم كانوا على صواب يوم حجبوا ثقتهم عن أولئك المفسدين، ومنحوها لمن يعتقدونهم من المصلحين.
وقد ذكر ذلك النائب أنهم أنجزوا التحقيق والتدقيق في شطر الملفات المطروحة في حجرهم ، تلك التي جاوزت الخمسين من حيث العدد، ولكنها بآلاف الملايين من حيث الكمية، وفي تقديري أن تلك الملفات هي إلى الخمسة آلاف أقرب، وأن الأيام ستكشف أنه لم يسلم من التدنس بها إلا من رحم ربك، حتى من صغار الموظفين، فقد شهدنا بأنفسنا كيف يختلس تموين المساجين، حتى الهدايا التي يقتطعها الأهل من قوت أطفالهم، كان يفقد الكثير منها قبل أن تصل إلى ذويها في المردوان، حيث غرف التوقيف على ذمة المساجين حتى حين.
لذلك فقد رأيت أن أذّكر -إن نفعت الذكرى- وأن أعظ عبيد الدينار والدرهم بهذا الوعيد والتهديد الذي تنطوي عليه سورة التكاثر، ذلك أن المولى عز وجل قد خاطب بها الغافلين الذين ألهتهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله، بأن غفلتهم بتكثيرها وتنميتها قد صحبتهم حتى فاجأهم الأجل وهم منشغلون بها عن طاعة الله أو القيام بواجبات هذا الدين، وهي التي من أجلها خلقنا الله رب العالمين، غير أنها قد أشارت إلى أنه قد اقترب لهؤلاء حسابهم ، وهم في غفلة معرضون، فإن التعبير بالزيارة يؤكد قصر فترة البرزخ ، إذ الزائر لا يطيل المقام حتى يعود إلى داره، وهكذا الشأن في هؤلاء ، فإنه يوشك أن يبرحوا قبورهم إلى أمهم الهاوية، وما أدراك ما هيه ؟! نار حامية.
لذلك جاء التهديد مع التأكيد والتشديد في قوله " كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ" أن جميع ما توعدكم به ربكم على لسان نبيكم كائن لا محالة، سواء كان ذلك عند معاينة الموت، أو عند التدلي في القبر أو كان يوم البعث والحشر، فإنه من هوله يجعل الولدان شيباً، وأما قوله "كلا لو تعلمون علم اليقين" فمعناه لو أيقنتم في هذه الحياة بما سترونه يقيناً بعد الموت لم ألهاكم التكاثر في الأموال والأولاد، ولما غرتكم الحياة الدنيا بزينتها ، فظننتم أن لن تبيد أبداً ، وأن الساعة غير قائمة، ولو حصل ذلك فرضاً لوجدتم خيراً منها منقلباً، ولكن الأمر ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، فإنه من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً.
ثم أقسم سبحانه لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين، والمعنى أن رؤيتهم للنار من مكان بعيد أمر محتوم، ثم إذا وردوها وكبكبوا فيها ، بلغ يقينهم بها عين اليقين، ولم يعد مجرد علم اليقين عندما أبصروها، وقبل أن يقفوا عليها، أو يلقوا فيها.
إن ذلك يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود، يقسم الباري عز وجل أن يسألكم فيه عن النعيم، وهو كل ما تنعمتم به في هذه الحياة، من شبع البطون، وبارد الماء، وظلال المساكن ، ولذة النوم، حتى التنعل ولبس الأحذية، من أين اكتسبتم أسبابه؟ وفيم أنفقتموه؟
إن هذه السورة تتحدث عن الذين تشاغلوا بالتكاثر ولو من حلال، فما بالكم لو كان ذلك المال الكثير من وجوه محرمة، كاحتكار الحاجات، أو اختلاس المال العام، أو الشركات الوهمية، أو الابتزاز والإتاوات او اكل اموال الناس بالباطل ربا ورشاوي وغصبا واحتيالا وغيره ؟!ان هؤلاء احق بالوعيد الذي اقسم عليه ذو العرش المجيد الفعال لما يريد ،فهم واردوها لا محالة ان زاروا المقابر وهم على هذه الحالة،وبئس الورد المورود.
هذا وقد جاء في صحيح البخاري من حديث ابي هريرة مرفوعا "تعس عبد الدينار ،تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة ،تعس عبد الخميصة ،تعس وانتكس ،واذا شيك فلا انتقش .... الخ "
فقد دعا نبينا عليه الصلاة والسلام على اسرى المال والجمال حيث القطيفة والخميصة ما يتزين به الناس من انواع الثياب ثقيلها وخفيفها ،دعا عليهم بالتعاسة والشرور ،ثم بالانتكاس ،وهو ما يعني الا يبرحهم البلاء ابدا ،كلما افلتوا من مصيبة اركسوا فيها ،او سقطوا في غيرها حتى لو اصابتهم شوكة ،فلا انتقشوا منها حتى تظل في اقدامهم ،فيعجزوا عن الحركة والكسب فيعذبوا مرتين مرة بوخز الشوكة والاخرى بالحرمان من تحصيل المعبود،وهو المال المودود.
وقد جاء في البخاري كذلك انه "لو كان لابن ادم واديان من مال او ذهب ،لابتغى لهما ثالثا ،ولا يملأ جوف ابن ادم الا التراب ،ويتوب الله على من تاب " أي لا يقنع الا اذا تاب ،ولا يشبع الا اذا مات ،فامتلأ جوفه بالتراب . ان الذين اسرفوا على انفسهم لن يقبل من احدهم ملء الارض ذهبا ولو افتدى به ،ولو ان لهم ما في الارض جميعا ،ومثله معه ،لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ،وبدا لهم من الله مالم يكونوا يحتسبون ،ولو لم يكن الا ان يحمى عليهم في نار جهنم ،فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم لكفى ،كيف وهم لا يقضى عليهم فيموتوا ،ولا يخفف عنهم من عذابها ،وهم يصطرخون فيها ربنا اخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ،واخر الجواب ان اخسؤوا فيها ولا تكلمون ان هذا الوعيد الشديد لمن الهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر ،اما من تاب من قبل ان ياتيه الموت فان الله يتوب عليه وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى اذا حضر احدهم الموت قال اني تبت الان ،ولكن شرط التوبة النصوح ان يرد الحقوق الى اهلها وان يرجع اولئك المفسدون ما غصبوه او اختلسوه من الميزانية العامة ،او من اموال الدول المانحة ،وكذا "الخاوات "التى ألجؤوا اليها كثيرا من الناس .
لذلك فقد عفا الله تبارك وتعالى عن اصحاب السرقة الكبرى او قطاع الطريق ،فلم يقطع ايديهم وارجلهم من خلاف ان تابوا من قبل ان تقدروا عليهم واسقط حد السرقة عمن تاب من بعد ظلمه واصلح فرد المظالم الى اصحابها ،وكانت توبته صادقة ،فهو عازم على الا يعود للرتع حول الحمى ابدا ولا ان يقع فيه.
ان المطلوب من السلطة القادمة ان تجفف منابع الفساد المالي الاداري ،لتذهب الوظائف الوهمية ،ويقضي على الاحتكارات الجهنمية ويعطى للقضاء استقلاله وسطوته لمحاسبة طابور الجشعين الذين لا يشبعون ،وان ترشد النفقات والتبذير ،وان يتوقف الاختلاس والتزوير ،ومع ان ذلك ليس بيسير ،لكنه من اوجب الواجبات ،ولو فتح علينا العديد من الجبهات ،انتركهم يغصبون الخيرات وانتم تتفرجون ؟ان المصيبة اعظم من ذلك بكثير فان الديون المتراكمة على السلطة وارباحها الربوية جعلت كل فرد مدينا للاحتلال ببضعة مئات من الدولارات كما ان الاتفاقيات قد كبلت ايدينا وارجلنا ،بل والسنتنا جهلا من مواقعيها ،او تواطؤا وتنسيقا اقتصاديا جعل العدو ممسكا بخناقنا ،منتفعا بسوقنا الاستهلاكية بما لا يقل عن ثلاثة الاف مليون دولار في كل عام ،ولا زالت الايام تكتنز المزيد من المصائب العظام ،بما يحمل الكثير منها ان يتوسل الى ربه ان يطمس على اموال المجرمين ،وان يشدد على قلوبهم ،فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم ،اسوة بسيدنا موسى وهارون عليهما السلام ولا سلام على هامان وقارون.