د محمد السعيد إدريس صحيفة الخليج الإماراتية قبل أن تبدأ الانتخابات التشريعية الفلسطينية دخلت إسرائيل في سباق مع الزمن للحيلولة دون فوز حركة حماس بنصيب وفير من الأصوات يعطيها الحق…
د. محمد السعيد إدريس
صحيفة الخليج الإماراتية
قبل أن تبدأ الانتخابات التشريعية الفلسطينية دخلت "إسرائيل" في سباق مع الزمن للحيلولة دون فوز حركة "حماس" بنصيب وفير من الأصوات يعطيها الحق في أن تكون شريكاً يعتّد به في السلطة، وكان سلاح التهديدات من بين الأسلحة التي استخدمتها، وخصوصاً ما جاء على لسان وزير الحرب الصهيوني شاؤول موفاز، بفرض حدود دائمة ل"إسرائيل" يمكن الدفاع عنها إذا ما اتضح لها بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية عدم وجود شريك على الجانب الفلسطيني وذلك بترسيخ الاحتلال "الإسرائيلي" للقدس الشرقية المحتلة وضم المنطقة المحيطة بما يسميه "القدس الموحدة"، أي العودة إلى نظرية "الحدود الآمنة"، التي أسقطتها حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973.
ليس هذا فحسب بل إن الهدف أخطر من ذلك وهو تبديد حلم الدولة الفلسطينية الموعودة التي أخذت مسميات غريبة على لسان عدد من الزعماء في العالم، مثل الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي بدأ يتحدث عن "دولة قابلة للحياة"، بما يوحي بأن ما هو معروض ليس إلا "دولة قابلة للموت".
هذه هي الحقيقة التي تؤكد أن ما جاء على لسان موفاز بخصوص الحدود التي يمكن الدفاع عنها، لم يكن لمجرد الترويع النفسي للشعب الفلسطيني، لتجنب التصويت لمصلحة حركة "حماس"، بل كان يتحدث عن مشروع حقيقي، لذلك يتجدد الآن الحديث عن التوسع "الإسرائيلي" على حساب ما يمكن اعتباره دولة فلسطينية موعودة. فقد كشف تقرير لمنظمة "بتسيلم" "الإسرائيلية" لحقوق الإنسان عن أن الدولة الصهيونية ضمت فعلاً "غور الأردن" إلى أراضيها، وأنها تنفذ في هذا القطاع الخصب الواسع من أراضي الضفة الغربية، القريبة من الحدود مع الأردن، نظاماً خاصاً لعزله وتقييد حركة المواطنين الفلسطينيين، وأن الجيش "الإسرائيلي" خلق عملياً فصلاً كاملاً بين غور الأردن وباقي أرجاء الضفة.
ضم غور الأردن إلى الدولة الصهيونية، لا يهدف فقط إلى تحقيق فوائد اقتصادية وفيرة وهي مهمة، لكنه يهدف بالأساس إلى عزل الدولة الفلسطينية، عن أي حدود مع الدول العربية، عزلها عن الأردن، وعزلها عن مصر، وتحويلها إلى "مجرد جيب للفلسطينيين داخل الدولة "الإسرائيلية" الموسعة، أي العودة مجدداً إلى مشروع الحكم الذاتي.
المهم في هذا كله أنه حدث في ظل حكم سلطة حركة "فتح"، وفي ظل دعاوى "إسرائيلية" بعدم وجود مفاوض فلسطيني، فعلوا هذا لسنوات مع الرئيس عرفات بعد أن عزلوه بدعم أمريكي، وعادوا لفعله مع محمود عباس، والآن يهددون بمحاصرة أي سلطة تتولاها حركة "حماس" بعد أن تزعموا دعوة وقف كل المساعدات عن الشعب الفلسطيني لمعاقبته على اختياره "حماس".
الرفض تجاوز حدود "التآمر" إلى الفعل بتنسيق أمريكي، فقد كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن أن مسؤولين أمريكيين و"إسرائيليين" يناقشون سبلاً لعزل وزعزعة استقرار حركة "حماس"، إذا لم تعترف بحق "إسرائيل" في الوجود ونبذ العنف وقبول الاتفاقات الفلسطينية "الإسرائيلية" السابقة. هدف هذه الحملة سيكون اتخاذ خطوات تضمن فشل مسؤولي "حماس" المنتخبين حديثاً ومن ثم الدعوة إلى انتخابات أخرى جديدة. ومن بين هذه الخطوات التي ستتخذ حرمان السلطة الفلسطينية الجديدة من الأموال، والاتصالات الدولية، بما سيصعب الحياة على الفلسطينيين، بحيث يجعلهم يصوتون لمصلحة عودة "فتح" بعد إصلاحها إلى السلطة.