الحرب على حماس الحرب على حماس الدوافع والتداعيات باحث في العلوم السياسية ربما أثار استغراب البعض واندهاشهم تلك الحملة المستعرة على حركة حماس فالحركة التي تدافع عن حقوق شعبها والتي…
الحرب على حماس.. الدوافع والتداعيات
باحث في العلوم السياسية
ربما أثار استغراب البعض واندهاشهم تلك الحملة المستعرة على حركة حماس، فالحركة التي تدافع عن حقوق شعبها، والتي تتعرض ومعها جموع الشعب الفلسطيني للتنكيل، والتي يتعرض أبناؤها للاغتيال والتصفية والدهس تحت عجلات المجنزرات الصهيونية، تحوّلت بين عشية وضحاها إلى ((منظمة إرهابية)) وحركة تطرف تهدد السلام والاستقرار العالمي!!
ومن اللافت أن هذه الصفات وتلك النعوت قد وردت على لسان الرئيس الأمريكي وفي متون خطاباته، وقد سبق وأن أعلن ذات الرئيس عن خلع لقب رجل السلام على رئيس الوزراء الصهيوني الذي يعطي أوامر التصفية والهدم والتجريف.
قبل الحديث عن البواعث والدوافع الحقيقية لتلك الحملة واستجلاء مفاعيلها وتداعياتها يتوجب معرفة الفاعل الأساس والمحرك الرئيس لهذه الحملة، وتوضيح ذلك الأمر يبدو شديد الصلة بالقدرة على الإحاطة بالبواعث الحقيقية لتلك الحملة.
بات القاصي والداني يدرك أن الحملة على حماس انطلقت من أروقة البيت الأبيض؛ ذلك البيت الذي تسكنه الآن إدارة حاكمة يهيمن عليها ائتلاف تستولي على ذهنيته طموحات التفرد التام والمطلق بإدارة المشهد الكوني وتحركه شطحات لاهوتية تدفعه إلى التماهي التام مع اليمين الصهيوني.
الحملة على حماس تتأسس على قاعدة التلاقي التام والشراكة الاستراتيجية بين اليمين الحاكم في الكيان الصهيوني ونظيره في البيت الأبيض، فقد عملت اللوبيات الصهيونية على استغلال أحداث 11 أيلول/سبتمبر من أجل وضع كل خصوم العدو الصهيوني، وكل معارضي السياسات الأمريكية تحت لافتة الإرهاب.
خلفيات الحملة
إذا ما تم تحديد الفاعل الأساس والمحرك الرئيس للحملة ضد حماس أمكن التعرض للدوافع الحقيقية لهذا المحرك ومعرفة السر في توجيه الحملة وتكثيفها ضد حماس تحديداً.
فالعدو الصهيوني يريد توفير غطاء لأعماله الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني، وبما أن حماس تقف في طليعة القوى المقاومة على الساحة الفلسطينية وتسبب أعمالها الجهادية تأزمات لا تنتهي للواقع الصهيوني كان وضع الحركة على لوائح الإرهاب يمنح التبريرات ويعطي الأعذار لـ(إسرائيل)، وهي تمارس أعمال القتل المتعمد لقادة ونشطاء حماس، فكل ذلك يبدو مستساغاً لدى المولعين بالحرب على الإرهاب، وإذا كان هذا الهدف يبدو في صلب اهتمامات الفريق الحاكم في البيت الأبيض، والذي تربطه بالعدو الصهيوني روابط عضوية، فإن الإدارة الحاكمة في البيت الأبيض لديها مبررات إضافية لاستهداف حماس وتجريد الحملات المتلاحقة ضد الحركة.
فحماس لا تكف عن انتقاد وتعرية الانحياز الأمريكي السافر ضد العدو الصهيوني، وحماس تطرح أفكاراً تدعو إلى إعادة بناء استراتيجية لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني تقوم على توحيد الأمة وتجميع طاقاتها وتسخير قدراتها للانعتاق من الاستلاب الأمريكي وإطلاق المشروع الحضاري الإسلامي كأساس استراتيجي للتعاطي مع الخطر الصهيوني الذي يشكل امتداداً للمشروع الاستغلالي الغربي، وخاصة بعده الأمريكي، ولأن حماس تنهض بواجبها في مقاومة الاحتلال فإن طروحاتها تستولي على عقول وقلوب الكثرة في الواقعين العربي والإسلامي، وهذه الجاذبية والصدقية لطروحات حماس فوق تأثيراتها السلبية على الحليف الصهيوني، فإنها تغذي اتجاهات الممانعة ضد السياسات الأمريكية في المنطقة وتعطي الحافز والنموذج للوقوف في وجه الأطماع الأمريكية، أعمال حماس الجهادية تثير القلق الهستيري في دوائر الحكم في واشنطن، فتلك الأعمال سيجري محاكاتها في العراق، ومن ثم فإن الخطر المباشر لأعمال حماس وطروحاتها صارت تهدد وبشكل مباشر الاحتلال الأمريكي للعراق.
حركة حماس برصيدها المتنامي في الشارعين العربي والإسلامي صارت تمثل النموذج والقدرة، وكلما أوغلت حماس في المقاومة أوغلت بالتبعية في كشف الانحياز السافر للعدو الصهيوني من جهة، وأججت مشاعر العداء للتواجد الأمريكي من ناحية أخرى، كما أنها تؤدي إلى تكثيف الطلب الاجتماعي لنخب الحكم في العالمين العربي والإسلامي من أجل إعادة ضبط العلاقة مع واشنطن على خلفية هذه الحقائق.
على ضوء ما سلف فليس من المبالغة القول بأن الحملة المستعرة على حماس، والتي يتولى كبرها ائتلاف اليمين الصهيوني -الأمريكي تنطلق من إدراك هذا الائتلاف- لخطورة الدور الذي تقوم به الحركة، والتي تريد أن تجعل من المقاومة الفلسطينية بؤرة إشعاع لبزوغ المشروع الحضاري الإسلامي ورأس حربة في مقارعة أطماع التوسع والتمرد وأحلام السيطرة ونهب الثروات، والتي تشكل القواسم المشتركة لذلك الائتلاف.
ضغوط أمريكية
من البديهي أن الإدارة الأمريكية تستغل التحولات التي طرأت على الواقع السياسي الدولي، وتمارس نفوذها وتستخدم سيفها وذهبها من أجل أن تدفع أعضاء الأسرة الدولية إلى مشاركتها في تلك الحملة، وقد أثمرت الحملة الأمريكية في صدور قرار عن الاتحاد الأوروبي يقضي بإدراج حماس بكافة أجهزتها السياسية والاجتماعية والعسكرية على لائحة المنظمات الإرهابية، ويمكن استقراء دوافع قرار الاتحاد الأوروبي في ظل خضوع القرار الأوروبي في المآل النهائي للنفوذ الأمريكي، فأوروبا ما زالت غير قادرة على تشكيل كيان قوى قادرة على تبني سياسات مستقلة وفاعلة، إضافة إلى أن العديد من الدول الأوروبية تدور في الفلك الأمريكي، وخاصة التابع البريطاني والدول الشرقية التي تلهث وراء الدعم الأمريكي، والقوى الممانعة لسياسات واشنطن في الاتحاد الأوروبي تأثر قرارها على ضوء المسلكيات البراجماتية ذات الطابع النفعي، إضافة إلى وجود دوافع أيديولوجية لا يمكن إغفالها في صدور قرار الاتحاد الأوروبي.
بالنظر إلى بواعث الحملة على حماس يمكن القول إن أهداف تلك الحملة تتلخص في السعي لمحاصرة الحركة وتجفيف الدعم المادي لها بغية دفعها إلى التخلي عن مشروع المقاومة، وفي ذلك كسر لكل الاتجاهات الحية والقوى الممانعة في المحيط العربي - الإسلامي، ويتوهم من يسعرون الحملة أن حماس إنما تؤسس مشروعيتها السياسية وتجذرها الاجتماعي في الواقع الفلسطيني استناداً إلى مستوى الأداء الاجتماعي للحركة، وليس خافياً في هذا الصدد أن الحركة عُرضت عليها المغريات المادية من أجل التخلي عن الأعمال الجهادية والتحول إلى فصيل سياسي ينحصر عمله في التنظير والتجريد، وقد كان لافتاً أن الاتحاد الأوروبي قبل إعلان قراره بإدراج حماس على لائحة المنظمات الإرهابية قد هدد بسرعة اتخاذ القرار إذا ما امتنعت حماس عن القبول بالهدنة، إذن فالهدف الأساس للحملة المستعرة على حماس يتركز في محاولة إثناء الحركة عن الاستمرار في طريق المقاومة.
التأثيرات والانعكاسات
ليس من المنطقي القول بأن حماس لن تتأثر على الصعيد العملي بهذه القرارات، فالدعم المالي يشكل رافداً مهمًا لإسناد مشروع المقاومة، إلا أن هذا التأثير لن يصل إلى حد التأثير على قناعات الحركة، ولن ينال من وضعيتها الاستراتيجية، فمن ناحية تعتمد حماس على الدعم الذي يصل إلى المؤسسات الفلسطينية عن طريق المحيط العربي والإسلامي، ومن العسير في ظل الظروف التي تمر بها الساحة الفلسطينية وطبيعة الأوضاع التي تعمل من خلالها الحركة الحكم على مستوى ذلك الدعم ودرجة تأثره، إلا أن الشيء المؤكد أن حركة حماس حازت مشروعيتها ونالت ثقة الشعب الفلسطيني من خلال تصدرها للعمل المقاوم، وعبر التضحيات التي قدمتها الحركة، وعلى هذا فإن العمق الشعبي والالتفاف الجماهيري حول حماس لن يتأثر بمفاعيل تلك الحملة، بل إن العكس هو الصحيح فتلك الحملة الظالمة تؤكد على نقاء الحركة وطهوريتها، وتدلل على ارتباطها بمصالح وحقوق شعبها، وإلا لما طالها كل ذلك، ومن شأن ذلك أن يدفع بالجماهير الفلسطينية إلى تعزيز الثقة بحماس وزيادة الالتفاف حولها.
بنزعة وثوقية ملؤها اليقين يمكن الجزم بأن حماس لن تلين إزاء هذه الحملة، وكما أثبتت الحركة في اللحظات الكاشفة والمواقف الحاسمة صلابة عودها وارتباطها بمشروع المقاومة ارتباط الروح بالجسد، فإن الحركة ستواصل بإذن الله تقديم البراهين على أن مشروع المقاومة في الساحة الفلسطينية شب عن الطوق ولم يعد قابلاً للاحتواء أو الكسر، ولئن كانت حماس قد صدقت ووفت وبذلت وأعطت فإن جميع أبناء الأمّة مدعوون للنهوض بواجباتهم والوعي بمسئولياتهم وتقديم كل سبل الإسناد والدعم والتمرس خلف مشروع المقاومة والممانعة والاصطفاف مع حماس في وجه تلك الحملة التي يحركها أعداء الأمة، والتي لا تستهدف حماس بمفردها بقدر ما تستهدف الأمّة بأسرها "نقلا عن فلسطين المسلمة".
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع