الاعتراف بإسرائيل بين ميثاق حماس وبرنامجها الانتخابي

الاعتراف بإسرائيل بين ميثاق حماس وبرنامجها الانتخابي

حمزة إسماعيل أبو شنب
2006-02-13

لا مجال أمام إسرائيل إلا أن تسلم بهذه الحقوق وإلا فإنها تختار خيار الحرب وخيار غياب الأمن هذا ما صرح به رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أ خالد مشعل في القاهرة في مؤتمر صحافي مع السيد…

*

"لا مجال أمام إسرائيل إلا أن تسلم بهذه الحقوق، وإلا فإنها تختار خيار الحرب وخيار غياب الأمن." هذا ما صرح به رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أ. خالد مشعل في القاهرة في مؤتمر صحافي مع السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية؛ فحماس تدرك أن هناك مسافة بين الواقع الذي تقف عليه، وبين حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية المشروعة، وحين تعلن إسرائيل أنها تعترف بالحقوق الفلسطينية وتنسحب من أراضينا وتسلم بحقوقنا، قطعاً سيكون هناك استعداد فلسطيني وعربي للتعاون بخطوة إيجابية ولكن بعد أن تصل إسرائيل إلى هذه الحالة.

فعبارة "الاعتراف بإسرائيل" ترددت على أفواه الكثيرين من قبل الانتخابات التشريعية، وهاهي الآن أصبحت - في نظر مجلس الأمن الدولي - الحلقة المفقودة في حكومة حماس؛ فهو يرى أنه يتعين على كل أعضاء أي حكومة فلسطينية مقبلة التخلي عن السلاح والاعتراف بإسرائيل، وأنّى لها ذلك ونحن نشهد اشتداداً للعدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني، فإسرائيل تفعل هذا كجزء من سياستها العدوانية، تمارس القتل من أجل القتل، ولا تعترف بحقوقنا وتريد شطبنا من الذاكرة ومن التاريخ، وهذا ما أكده مشعل في المؤتمر الصحافي الذي عقد في القاهرة، واعتبر ذلك رسالة إلى العالم الذي سرعان ما طالب حماس بإلقاء السلاح والتخلي عما يسمونه بالعنف.

ترى عن أي عنف يتحدثون؟ ربما يعتبرون نجاح حماس في الانتخابات عنفاً؟ الانتخابات التي سلمت مصيرها للشعب الفلسطيني فاختار المقاومة ضد الاحتلال! فيوم يغتصب الأعداء بعض أرض المسلمين يصبح الجهاد فرض على كل مسلم، كيف لا! ونحن بصدد عدو شرس نازي في تصرفاته، لا يفرق بين رجل وامرأة، أو كبير وصغير، يعتمد أسلوب العقاب الجماعي سلب الناس أوطانهم وممتلكاتهم، ولاحقهم في مهاجرهم وأماكن تجمعهم، فاعتمد تكسير العظام وإطلاق النار على النساء والأطفال والشيوخ بسبب وبدون سبب، وفتح المعتقلات ليزج فيها الآلاف المؤلفة في ظروف لا إنسانية، وبعد ذلك تفصح وزيرة خارجية أمريكا "كونداليزا رايس" أنهم يدعمون الاحتياجات الإنسانية للفلسطينيين، فترى ما مفهوم الإنسانية عند هؤلاء؟! وماذا ينتظر العالم من حكومة حماس؟ أن ترى الشعب يُداس بالأرجل ساكتاً عن حقوقه، أم ينتظر اعتراف الضحية بالقاتل!

لا أحد يمكنه أن يغير المعادلة فحماس لا ولن تعترف بإسرائيل، ولا تقبل من أحد أن يحشرها في هذه الزاوية؛ فالمنطق الطبيعي أن يُطالَب القاتل الصهيوني بالاعتراف بالضحية الفلسطينية، وأن تعترف بوجودها وحقوقها، لا أن يُطلَب من الضحية أن تعترف بقاتلها وجلاديها، وطالما أن المعادلة مقلوبة فسيبقى موقف حماس كما هو. أم يحسب العالم أن قيادة حماس السياسية ممكن أن تشغلها عن مقاومة عدونا؟ فليستفيق العالم من تهيؤاته فليست الديمقراطية بديلاً عن المقاومة، فهي الخيار الفلسطيني الداخلي، أما المقاومة فهي خيارنا في وجه الاحتلال، ولا تعارض بين الأمرين. جاء هذا في تصريح أ. خالد مشعل الأخير في القاهرة والذي نفى فيه تعرض حماس لضغوط مصرية للاعتراف بإسرائيل، مجدِداً رفض الحركة الاعتراف بدولة الاحتلال الإسرائيلي.

وهذا الرفض القاطع ليس بجديد على نهج حماس وسياستها؛ فهي في دعايتها الانتخابية عرضت هذا الأمر بوضوح بل أكدت عليه مراراً، وكانت النتيجة اختيار الشعب لها في انتخابات ديمقراطية وصلت بها حماس إلى القيادة، لا تبغي شهرة ذاتية أو مكسباً مادياً أو مكانة اجتماعية، وهي ليست موجهة ضد أحد من أبناء شعبنا لتكون له منافساً أو تسعى لأخذ مكانته، وأوردت ذلك في ميثاقها، واحتفظت بثوابتها الوطنية؛ فالخروج من دائرة الصراع مع الصهيونية خيانة عظمى، فهل نستسلم لوحوش تنهش لحومنا وتدمر بلادنا ونعترف بعدونا؟

فهاهو المجتمع الدولي قد حاول الضغط على الشعب الفلسطيني بالتهديد بوقف الدعم للحكومة الفلسطينية إذا قادتها حماس، وهاهي حماس الآن تقود الحكومة، وهاهي الدول الأخرى جميعها تتفق على دعم الحكومة الفلسطينية الجديدة، مما يشير إلى بداية التحرك باتجاه حماس والرضا بالأمر الواقع، فالصهيونية العالمية والقوى الاستعمارية بحركة ذكية وتخطيط مدروس تحاول أن تخرج الدول العربية واحدة تلو الأخرى من دائرة الصراع مع الصهيونية، لكن الصراع هو الصراع؛ لأنه صراع ضد الإسلام وعلى الدول العربية والإسلامية التصدي له؛ نحن نرى ذلك جلياً في ردة فعلها على نشر الصحف الدنيماركية وغيرها من أعداء الإسلام الرسوم المسيئة للرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – وكيف قامت الدول العربية والإسلامية في وجه هؤلاء؛ ومع ذلك تقول "رايس" إن أعمال العنف التي رافقت الاحتجاج على الرسوم المسيئة للرسول الكريم غير مبررة، فماذا بقي بعد، إذا كان التطاول قد مس رسول هذه الأمة؟

والاعتراف بإسرائيل يعني الإقرار بما تقره وتعتقده، وهي لا تعتقد إلا أن على حماس الاعتراف بقاتل شعبها وإلقاء السلاح وتفكيك بنية الإرهاب، كما دعت " ليفني " وزيرة خارجية إسرائيل إلى الضغط على حماس للاعتراف بذلك، وأن العالم في مفترق طرق، وعليه اتخاذ خطوات سريعة ضد الإرهاب، وكما يوجد من يستجيب لنداء حماس، يوجد من يستجيب لصراخ إسرائيل، حيث قدمت مجموعة من أعضاء مجلس النواب الأمريكي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي مشروع قرار يقضي بقطع الروابط الدبلوماسية مع السلطة الفلسطينية ومعاملتها ككيان إرهابي، وإغلاق مكاتبها في الولايات المتحدة باستثناء مكتب ممثلها لدى الأمم المتحدة وتقييد سفر ممثليها؛ فواشنطن تعد من قبل لاعتبار السلطة الفلسطينية كياناً إرهابياً، ويقضي المشروع باستئناف المعونات والعلاقات الدبلوماسية إذا اعترفت حماس بحق إسرائيل في الوجود ونبذت العنف وألقت سلاحها، وهو ذات اللسان الذي تحدثت به لجنة الوساطة الرباعية في الشرق الأوسط.

مَن سوّل إليهم بأن حماس بحاجة إلى دعمهم ومعوناتهم؟ إذا كان هذا مفهوم حماس لديهم فهذا يعني أنهم على غير علم بسياسة حماس فالأمين العام للأمم المتحدة "كوفي عنان" يريد من حماس أن تحول نفسها من حركة مسلحة إلى حزب سياسي يحترم قواعد اللعبة، ومن ثم فإن المجتمع الدولي سيتمكن من التعامل معها، وهنا يثار التساؤل لمَ يرغب المجتمع الدولي وإسرائيل بالتعامل مع حماس؟ لتعترف بإسرائيل وتوقف أعمال العنف وتهدم ملجأ الإرهابيين –كما يقولون!

هذه هي الفكرة التي ترسخت في أذهان العالم، وإذا كان الإرهاب يتمثل في دفاع الإنسان عن وطنه وحماية أرضه ومقدساته الدينية، فلا بأس بكون السلطة الفلسطينية الحالية ملاذاً للإرهابيين، ولا ضرار باعتبارها كيان إرهابي متعصب ضد عدوه طالما أن عدوه يحرمه من حقوقه، وأبسط حقوقه "إنسانيته"، فالمعاملة بالمثل دعم مشروط، واعتراف مشروط، وحيث أن الدعم لا يتأتى إلا بالاعتراف، والاعتراف لا يتأتى إلا بالاعتراف، فستبقى المعادلة على حالها حتى يعترف أحد الطرفين إما بالوجود وإما بالحقوق، واعتراف حماس بدون اعتراف إسرائيل شيء من المحال حدوثه؛ وهذا بالتأكيد لا يعني أن حماس غير مستعدة لمناقشة المستجدات على الساحة المحلية والدولية والتحاور مع إسرائيل عن طريق وسيط ثالث ولكن في غير هذا النطاق، فالمبادرات وما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية تتعارض مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية حماس – كما ورد في ميثاقها – والتفريط في أي جزء من فلسطين تفريط في جزء من الدين، وما تلك المؤتمرات إلا نوع من تحكيم أهل الكفر في أرض المسلمين، ومتى أنصف أهل الكفر أهل الإيمان؟

وبالتالي فلا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد والمقاومة، أما المبادرات والطروحات والمؤتمرات الدولية فمضيعة للوقت وعبث من العبث، والشعب الفلسطيني أكرم من أن يعبث بمستقبله وحقه ومصيره، فيجب على الاحتلال الإسرائيلي أن يخضع لخيار الشعب ويسلم بالنتائج، لأن الشعب هو من اختار المقاومة، وللشعب الحق في التمتع بالحرية والديمقراطية التي تنشدها وتتغنى بها الولايات المتحدة وإسرائيل، فحماس منفتحة على العالم ولكنها لا تساوم على الثوابت!

إن حركة حماس كانت ومازالت تعتبر هي صمام الأمان للمقاومة الفلسطينية عبر سنين الانتفاضة، فقد أثبتت حماس أمام الشعب الفلسطيني قوة خيارها في المقاومة وتحملت من أجل ذلك متاعب شتى، وأزمة مع السلطة بعد أن تخلت حركة فتح عن نهج المقاومة المسلحة بعد اتفاق أوسلو، وأصبح الشارع الفلسطيني يعول على حركة حماس بشكل كبير في الحفاظ على هذا النهج الذي اعتمدته منذ تأسيسها؛ فهل تخذل حماس جماهير الشعب الفلسطيني الذي اختارها لقوة ثوابتها؟

على العالم أن يعيد النظر في فهم معنى حركة حماس، ومعنى الثبات في المواقف، ومعنى الإرهاب الذي يتحاكون به، قبل أن يتفوه بكلمة، فإذا كان العالم ملتزماً الصمت أمام ما يحدث من انتهاكات جمة، فالصور تتحدث والواقع يشهد، وكفى بالله شاهداً!

فلينتظر "خافيير سولانا" وقف حماس للعنف، ولينعم المجتمع الدولي بالدعم الذي كان من المفترض أن تنعم به حكومة حماس في ظل دولة إسرائيل، التي لن يتحقق حلم اللجنة الرباعية و"رايس" والعالم أجمع باعتراف حماس بها إلا كعدو ينبغي إزالته من الوجود؛ فليطل انتظارهم جميعاً حتى يجدوا الأرض تبدلت، والأجواء تغيرت والشجرة أثمرت بدونهم وبدون معوناتهم، وليبقوا منشغلين في حل معضلتهم في تفكيك بنية الإرهاب، وترك المقاومة والاعتراف بالعدو الإسرائيلي.

* نجل الشهيد القائد/ المهندس اسماعيل أبو شنب

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026