الانتخابات الفلسطينية وهزيمة العقل الإسرائيلي

الانتخابات الفلسطينية وهزيمة العقل الإسرائيلي

د. عبدالوهاب المسيري
2006-02-11

د عبد الوهاب المسيري ما زال الفوز الساحق الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية هو الموضوع الذي يحظى بأكبر قدر من الاهتمام في الأوساط السياسية…

د. عبد الوهاب المسيري *

ما زال الفوز الساحق الذي حققته "حركة المقاومة الإسلامية" (حماس) في الانتخابات التشريعية الفلسطينية هو الموضوع الذي يحظى بأكبر قدر من الاهتمام في الأوساط السياسية والإعلامية في الكيان الصهيوني، بل ويمكن القول إنه يطغى على الاهتمام بانتخابات الكنيست التي لم يتبق على إجرائها سوى أسابيع قليلة.

وينطوي هذا الاهتمام نفسه على مفارقة تستحق التأمل، وهي تبادل الأدوار المألوفة بين المحتل والخاضعين للاحتلال. فالمحتل هو الطرف الأقوى من الناحية المادية، وهو الذي يملك قدرات اقتصادية وعسكرية هائلة تتيح له فرض سيطرته الشاملة براً وجواً وبحراً على الأراضي الفلسطينية، وبناء المستوطنات والتوسع فيها، وتدمير القرى والبلدات الفلسطينية، واغتيال عشرات من قيادات المقاومة، كما أنه الطرف الذي يتمتع بدعم مطلق من الولايات المتحدة الأميركية، وهي القوة العظمى الأولى في العالم، وبصمت مطلق أيضاً من جانب الدول العربية والإسلامية، مما يعطي الانطباع بأن بوسعه أن يفعل ما يشاء وقتما يشاء وأينما يشاء. ومن الطبيعي، والأمر كذلك، أن يكون هذا المحتل هو الذي يملك زمام المبادرة سواء فيما يتعلق بمصيره أو بمصير الخاضعين للاحتلال. إلا أن ما كشفت عنه الانتخابات الفلسطينية هو على العكس من ذلك تماماً. فهذا المحتل، حسبما يتضح من التحليلات والتعليقات المتواترة، أصبح يشعر بأن مصيره معلق بإرادة الشعب الفلسطيني وباختياراته، وأن مستقبل الدولة الصهيونية لا يحدده فقط صناع القرار في تل أبيب، ولا حتى في واشنطن، بل يشارك في صياغته المواطنون الفلسطينيون الذين لم تفلح سنوات الاحتلال الطويلة وسياسات القمع المنظم في إخماد مقاومتهم أو إجبارهم على التخلي عن حقوقهم.

ولعل إدراك هذا التحول، بما له من دلالات عميقة وآثار مستقبلية أعمق، هو السبب الكامن وراء حالة الهلع التي تغلب على كتابات معظم المحللين في الكيان الصهيوني في أعقاب الانتخابات الفلسطينية، والتي تدفع البعض إلى إعادة النظر في كثير من المنطلقات التي استندت إليها سياسات الكيان الصهيوني وتقديرات الراعي الأميركي، بما في ذلك مقولة "نشر الديمقراطية" التي يتشدق بها الرئيس الأميركي بوش لتبرير حروبه العدوانية في أفغانستان والعراق مدعياً أنها كفيلة بحل كل المشاكل التي تعاني منها شعوب العالم.

وفي مقال يحمل عنواناً ذا مغزى وهو "ديمقراطية أكثر من اللازم" (صحيفة هآرتس، 3 فبراير 2006)، يعبر شموئيل روزنر عن هذا الإحساس بخيبة الأمل في الرؤية الأميركية بخصوص الديمقراطية، حيث يرى أن "مشروع نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ما زال يراوح مكانه في العراق وأماكن أخرى كثيرة"، وأن "ما جرى في الانتخابات الفلسطينية يزيد العملية السياسية تعقيداً بشكل كبير"، فضلاً عن أنه قد يؤدي إلى إدراك الإدارة الأميركية أن "الحلم بالديمقراطية أمر جيد ومرغوب، ولكن ليس في هذا ما يكفي"، وخاصةً إذا جاءت نتائج العملية الديمقراطية على غير هوى من يروجون لقدراتها السحرية.

ويوجه المحلل العسكري زئيف شيف (صحيفة هآرتس، 27 يناير 2006) انتقادات مماثلة للنظرة الأميركية، ويذهب إلى أنه

"في الحديث مع بعض أفراد الإدارة الأميركية المعروفين مثل أنصار الديمقراطية، يتضح أنهم يجدون صعوبة بالغة في تحديد معنى ومفهوم الديمقراطية في الشرق الأوسط. ويعترف هؤلاء بأنه يوجد فهم خاص ومتميز لمفهوم الديمقراطية في كل واحدة من دول الشرق الأوسط، لذلك فإنهم يعملون بجد لصياغة معنى ونسيج خاص للديمقراطية في كل دولة على حدة".

والواقع أن هذه الفكرة تتناقض جذرياً مع ادعاءات المشروع "الديمقراطي" الأميركي عن وجود معايير مطلقة وثابتة يجب أن تتبناها جميع البلدان بغض النظر عن خصوصية ثقافتها أو ظروفها، كما أنها لا يمكن أن تسفر إلا عن "ديمقراطية انتقائية" تمنع في أحد البلدان ما تسمح به في بلد آخر، وتوجه كل الإجراءات بصورة تعسفية في الوجهة المحددة سلفاً من جانب الإدارة الأميركية.

ولا تقتصر انتقادات المحللين في الكيان الصهيوني على النظرة الأميركية، بل تمتد إلى سياسات وممارسات هذا الكيان. وفي سياق "المراجعة الذاتية" هذه يبرز اتجاهان متباينان أشد التباين، أحدهما يدعو إلى عدم التعامل مطلقاً مع أية سلطة فلسطينية تشارك فيها حركة "حماس"، والآخر يعترف بأنه ما من سبيل سوى قبول الأمر الواقع والتعامل على أساسه، وإن كان أنصار الاتجاهين يقران بأنه لم يعد بمقدور الكيان الصهيوني أن يستمر في نهجه قبل الانتخابات.

ويعبر منظِّر المستوطنين "إسرائيل هاريل" (صحيفة هآرتس، 2 فبراير 2006) عن الاتجاه الأول، فيبدأ بالتنديد بالخطوة التي أقدم عليها شارون بالانسحاب من قطاع غزة، معتبراً أنها أعطت زخماً كبيراً لحركة "حماس" ورفعت من رصيدها السياسي لدى المواطنين الفلسطينيين، نظراً لدورها الجوهري في عمليات المقاومة، ويمضي قائلاً

"بينما تغرق تل أبيب في نظريتها الجاهزة حول خضوع الفلسطينيين، حققت "حماس" الفوز في معركتين تتمتعان بأهمية شديدة بالنسبة لإسرائيل، ألا وهما مكافحة الإرهاب والمعركة الانتخابية. وما من شك في أن الانتصار في الانتخابات يرتبط بصورة جلية بالانتصار في الحرب... حيث نظر الفلسطينيون باستهزاء لادعاءات شارون وأتباعه بأن "إسرائيل" قد تراجعت بصورة طوعية". ويرى الكاتب أن انتصار حركة "حماس" يعني أن

"الجمهور الفلسطيني قد اختار عن وعي طريق الدم والعرق والدموع... وإن كان بعد كل ما عاناه خلال السنوات الأخيرة الصعبة قد اختار طريق الحرب والآلام، والتي تمثل بالنسبة له أيضاً طريق الأمل والحلم، فلا مناص من الاستنتاج بأن تحقيق الأهداف القومية وكذلك الدينية من وجهة نظر "حماس"، يتطلب من الفلسطينيين... تضحيات جسيمة وهم مستعدون لذلك".

أما الاتجاه الثاني، فيعبر عنه عوفر شيلح (صحيفة يديعوت أحرونوت، 2 فبراير 2006)، حيث يسخر من التصريحات المتشددة التي أطلقها كثير من المسؤولين والسياسيين في الكيان الصهيوني إثر الانتخابات، وتعهدوا فيها بعدم التفاوض مع حركة "حماس" أو مع أية حكومة فلسطينية تشكلها، ويشكك في إمكان تطبيقها عملياً. ويستند الكاتب في ذلك إلى خبرة البلديات، حيث تسيطر حركة "حماس" على أكثرها، ومع ذلك يجد الكيان الصهيوني نفسه مضطراً إلى التعامل بشكل أو بآخر مع مسؤولين فلسطينيين على صلة وثيقة بالحركة، ويدلل على ذلك بقوله

خذوا مثلاً مدينة قلقيلية. لقد فازت "حماس" هناك بأغلبية مطلقة في المجلس البلدي، كما أن رئيس المجلس سجين من أتباع "حماس". وبالطبع فإن جهاز الارتباط والإدارة المدنية الإسرائيلية لا يُجريان الاتصالات معه، ولكنهما بدلاً من ذلك يتحدثان مع موظفي البلدية الذين يعملون وفق تعليمات الشخص الذي لا يتفاوضان معه".

ويؤكد الكاتب أن جمهور الكيان الصهيوني قد قال كلمته من خلال استطلاعات الرأي، حيث أبدى تأييده للتفاوض مع حركة "حماس" رغم "ستار التصريحات النمطية التي يحيطه بها السياسيون"، ومن ثم لن يكون أمام هؤلاء السياسيين في نهاية المطاف سوى قبول نفس الرأي "رغم تأخرهم المعهود"، على حد قوله.

ويصل جدعون سامت (صحيفة هآرتس، 1 فبراير 2006) إلى نفس النتيجة، ولكنه يرى فيها تأكيداً لفشل المفاهيم التي سيطرت على سياسات الكيان الصهيوني، فيقول

"ما يثير الجنون في انتصار "حماس" هو أولاً وقبل كل شيء هزيمة العقل الإسرائيلي، وليس سيطرة "حماس" على صناديق الاقتراع خلافاً لكل التقديرات عندنا. ما يثير الخوف هو أن لعنة المفهوم المقولب ما زالت قائمة في الحكم الإسرائيلي. فقد نبعت التقديرات الخاطئة من طريقة تفكير عفا عليها الزمن".

ويرجع الكاتب سبب هذه "اللعنة" إلى أن "إسرائيل" لم تنسَ شيئاً ولم تتعلم أي شيء بعد عشرات السنين من الأخطاء السياسية اللعينة". ولعل هذه العبارة الدالة تغني عن أي تعليق.

والله أعلم.

* صحيفة الاتحاد الإماراتية

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026