مائة عام على ميلاد الإمام المودودى رسالة من المستشار محمد المأمون الهضيبى المرشد العام للإخوان المسلمين يأتى الاحتفاء بمرور مائة عام على ميلاد الإمام أبى الأعلى المودودى فرصة…
مائة عام على ميلاد الإمام المودودى
رسالة من المستشار محمد المأمون الهضيبى
المرشد العام للإخوان المسلمين
يأتى الاحتفاء بمرور مائة عام على ميلاد الإمام أبى الأعلى المودودى فرصة للتأمل فى حياة واحد من أكبر علماء الإسلام ، وأئمة الدعوة إلى الله فى عصرنا ، ومناسبة للنظر فى سيرة جهاده وعطائه ، ولتعريف قطاعات عريضة من جماهير أمتنا برموز صحوتها الإسلامية الذين غمط حقهم وشُوِّه تاريخهم ، وذلك رغبة فى تقديم نماذج القدوة والتأسى وليس دعوة إلى تقديس أشخاص ، مضوا إلى ربهم ، وهو حسيبهم ولا نزكى على الله أحدا ..
لقد ولد المودودى فى مطلع القرن الماضى سنة 1903م فى مرحلة تاريخية عصيبة مرت بها أمتنا، فكانت معظم أقطارها - إلا فيما ندر – يخضع للاحتلال العسكرى الغربى، الذى فرض على شعوبنا الظلم والفقر والمذلة ، واستشرت جرائمه ، واستهدف أعز ما تملكه أمتنا دينها وشريعتها ، وهويتها وأصالتها ، وقيمها وثقافتها ، وغدا الاستعمار الفكرى أشد وطأة ، وأعظم خطرا ، وأبقى أثرا من الاستعمار العسكرى ، وتكاملت خيوط المؤامرة والدس التى حاكتها قوى الغرب ضد الخلافة العثمانية التى كانت – برغم ضعفها – الرمز الباقى لوحدة العالم الإسلامى ونظامه السياسى، وغدت الحضارة الغربية بمظاهرها البراقة الخادعة – التى تخفى حقيقة عنصريتها البغيضة – مثار إعجاب قطاعات عريضة من المسلمين ، وسبب فتنتهم واغترابهم .
غير أنه من بين أنقاض هذا الركام الثقيل والظلام الطويل خرج أبو الأعلى المودودى .. وبعد مولده بسنوات ثلاث ولد إمامنا الشهيد حسن البنا ، ليجددا للأمة دينها ، ويبعثا فيها روح الأمل والمقاومة والصمود ، ويضع كل منهما – على تنائى بلديهما ، وعلى غير لقاء بينهما – منهاجه العملى لتحرير أرض الإسلام واستعادة مجده ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق ، لا يغرهم من خذلهم ولا من ناوأهم ، حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك" ليزداد إيماننا رسوخا بأن هذه الأمة خالدة بخلود قرآنها ، وأنها إن أصابها الوهن حينًا من الدهر فلن تموت (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(الحجر9)
لقد هيأ الله للمودودى التربية الإيمانية والتنشئة العلمية منذ صغره على يد والده ، فحفظ القرآن ، وأتقن العربية والعلوم الإسلامية ، وغشى مجالس العلم ، وحظى بصحبة العلماء والأخذ عنهم ، ولقى ذلك كله عقلاً نابهًا وقلبًا زكيًا ، فشكلت تلك الروافد شخصية عالم جليل ومصلح مجاهد .. وما زلنا نؤكد على أهمية تلك التربية الإسلامية للناشئة والشباب ، وما زالت جهود أعدائنا تتضافر لتجفيف تلك المنابع الصافية والمناهج الواضحة ، ولم تعد جهودهم تبذل فى السر والخفاء ، وتؤثر التآمر والالتواء ، بل غدت سياسات معلنة وأوامر نافذة ، ومن أسف أن يخضع لها بعض حكامنا وأولى الأمر فينا ، كما لحق مكرهم ذلك الحصن الحصين للتقاليد الإسلامية ، والقيم الإيمانية ، ونقصد بها الأسرة المسلمة التى كانت المحضن الأول لكل زعيم إصلاح ونهضة ، ولم يعد الأمر أمر غزو فكرى منظم ، أو ترويض اجتماعى متطاول يتسرب من خلاله نموذج! الأسرة الغربية فى تحلله وأهترائه إلى مجتماعتنا الإسلامية ، بل أصبح قضية كبرى تحتشد لأجلها الجهود ، وتنعقد لها المؤتمرات وترصد فى سبيلها الميزانيات ، وتُسخَّر لها الأنظمة والمؤسسات .
وكان الإمام المودودى فى صباه وبواكير شبابه قدوة ومثلاً ، فلم يكن قد جاوز الخامسة عشرة من عمره حين بدأ العمل صحفيًا إسلاميًا ، وفى العام التالى شارك بحماسة فى حركة إحياء الخلافة الإسلامية التى استهدفت الحفاظ على الخلافة العثمانية التى أحاطتها المؤامرات والفتن ، وكتب المودودى المقالات فى تلك السن الباكرة بشرح نظرية الخلافة الإسلامية وأهميتها ، كما شارك فى إعمال جمعية "إغاثة وعون المسلمين" الذين تعرضوا لعدوان الهندوس فى بلاده .. وألف فى فى الخامسة والعشرين من عمره كتابه "الجهاد فى الإسلام" ، ليتصدى للدعايات المغرضة التى تزعم انتشار الإسلام قديما بالسيف ، فضلاً عن مؤلفات عديدة كتبها فى هذه الفترة المبكرة من شبابه ، وقد جاوزت مؤلفاته فيما بعد مائة كتاب ، تنتظم مجالات الإسلام المتعددة ، وترجم معظمها إلى لغات العالم المختلفة ليتربى على فكر المودودى آلاف الشباب الذين يرون فيه! عمق الفكرة، وحرارة الإيمان، ودأب العمل، ووضوح المسار ..
غير أن الإمام المودودى لم يكن مجرد كاتب متميز ومفكر مبدع ، ولم يشأ أن تكون ثمرة حياته مجموعة من الكتب والمقالات ، أو الخطب والبيانات بل أراد أن يمزج النظرية بالتطبيق ، والقول بالعمل ، والنصح بالجهاد ، وكان يرى أن العمل لإعادة مجد الإسلام وعزة أهله لابد أن يكون عملاً جماعيًا ، تتكتل فيه القوى ، وتحتشد من أجله الجهود ، وتتراصّ لبنات البناء ، فأسس من قبل أن يكمل الأربعين عامًا الجماعة الإسلامية فى الهند سنة 1941م ، ودعا مسلمى الهند فى مجلته ترجمان القرآن إلى الانضمام إليها قائلا "لابد من وجود جماعة صادقة فى دعوتها إلى الله ، جماعة تقطع كل صلاتها بكل شئ سوى الله وطريقه ، جماعة تتحمل السجن والتعذيب والمصادرة ، وتلفيق الاتهامات، وحياكة الأكاذيب ، وتقوى على الجوع والبطش والحرمان والتشريد ، وربما القتل والإعدام ، جماعة تبذل الأرواح رخيصة ، وتتنازل عن الأموال بالرضا والخيار ، ! وتقدم كل ما تملك قربانا فى سبيل إقامة مجتمع الإسلام ونظامه .
ولم يكن المودودى مبالغًا فى تصور تبعات ذلك العمل ، ونتائج ذلك الجهاد ، بل كان واعيا حصيفا ، يدرك جسامة المسئولية وعظيم التبعة ، وضرب لإخوانه المثل والقدوة ، فكان – رحمه الله – فى مقدمة المجاهدين الذين يقدمون التضحية النبيلة . وقد سجن عدة مرات ، وحكم عليه فى إحداها بالإعدام ، ثم خفف الحكم إلى السجن ثلاث سنوات (1952 – 1955م) وخرج المودودى من سجنه ليواصل دعوته وجهاده فما لانت له قناة .. وما رضخ لأهواء الطغاة .
لقد كان ذلك الوعى استقراء صحيحًا لمسيرة أصحاب الدعوات ، قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)(البقرة155) ، وقال سبحانه (ألم ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)(العنكبوت1-3) ثم يعقب الابتلاء والتمايز النصر والتمكين (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(القصص5-6) (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُ! مْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(النور55)
لقد كان الإمام البنا رحمه الله أسبق إلى بدء العمل الجماعى حين أسس جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928 ، وهو بعد شاب فى السابعة والعشرين من عمره ، وحين انتهج طريق التربية لأصحابه، وحين بصرهم بعقبات الطريق ، وضريبة النصر ، ثم قال لهم "وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان ، ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين" .
لقد كان تأسيس دولة باكستان واستقلال المسلمين بها عن الهند أمل المودودى الكبير ، وكان ينظر إليها على أنها "بيت الإسلام" المنشود فقال "لقد واتتنا الفرصة لأول مرة بعد قرون لنقيم دولة الله فى صورتها الحقيقية ، ونقدم للعالم أجمع المثال العملى لفلاح هذا الدين ونجاحه ، إنها نعمة كبرى أنعم الله بها علينا"
غير أن الاستبداد السياسى الذى سقطت باكستان عقب الاستقلال فى يراثنه لم يدع المودودى ينعم طويلا بحلمه ، فالمودودى الذى لم يسجن أيام الاحتلال الإنجليزى للهند ، ولم يعتقل فى ظل الأغلبية الهندوسية جعله الاستبداد السياسى البغيض أول معتقل سياسى فى الدولة الناشئة التى بذل فى سبيل إقامتها الرخيص والغالى !
غير أن ذلك الظلم لم يقعد بالرجل الكبير عن مواصلة جهاده ، ولم تضعف الصدمة يقينه فى حتمية انتصار الإسلام ، ووجوب العمل له ، فالعاقبة للمتقين ، والقصد هو إرضاء الله تعالى ، وبلوغ جنته ، وإن تأخر بعض النصر ، أو سرق الظالمون عرق الكادحين ، ودماء المجاهدين ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)(الكهف من الآية110)
وقد استمر جهاد المودودى بعد ذلك من أجل المطالبة بدستور إسلامى لباكستان ، وجعلها وطنا إسلاميا بحق ، ، وليست مجرد وطن للمسلمين ، وقد أثمرت جهوده أن أصبح الدستور الإسلامى مطلبًا جماهيريًا لمسلمى باكستان ، لم تجد الحكومات المستبدة ردًا عليه سوى إعادة اعتقال المودودى وثلاثة وستين من صحبه سنة 1964 ، وحظر نشاط الجماعة الإسلامية هناك إلى حين .
وهكذا خسرت تلك البقعة الغالية من وطننا الإسلامى جهود جماعة من أبرز المخلصين من أبنائها ، نتيجة ذلك الهوى الجامح ، والاستبداد الغشوم ، رغم ما كان يحيط بالبلاد من خطر محدق أسفرعن انفصال بنجلاديش عنها ، ودفعت البلاد الثمن الغالى من وحدتها وسلامة أراضيها ، مما يذكرنا بالثمن الفادح الذى دفعته أمتنا فى حالات الديكتاتورية وحكم الفرد ، كما حدث فى مصر فوقعت هزيمة 1967م ، وفى العراق فسقطت فى براثن الاستعمار الأمريكى ، فهل استفادت حكوماتنا من هذه الدروس وتلك العبر ؟ أم أننا ما زلنا فى حالات كثيرة نتحرك كأننا أمة بلا تاريخ تستفيد منه ؟
إن كثيرا من حكوماتنا ما تزال تستشعر الخطر من بعض أبنائها المخلصين لمجرد الاختلاف فى الرأى ، ولا تستشعر ذلك الخطر من أعدائها الذين (لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً )(التوبة) ثم يدفع الجميع الثمن فى النهاية .
إن المتأمل فى مسيرة الإمام المودودى بدرك وعيه اليقظ بخطورة الجوانب السلبية للحضارة الغربية على هوية أمتنا وحاضرها ومستقبلها ، والرجل لم يكن يمانع فى الأخذ من حضارة الغرب ما فيها من جوانب التميز والفضل ، إذ أن "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها" لكنه فى ذات الوقت كان شديد الانتقاد لجوانب القصور فيها، وبخاصة قيامها على أساس إقصاء الدين عن تسيير الحياة ، وتشبعها بفكرة الصراع ، ولهاثها وراء المنفعة العاجلة ، واللذة المحضة ، وكان المودودى أيضًا شديد الحذر من خطر السيطرة الحضارية الغربية على قطاعات عريضة من المسلمين ومؤسسات حياتهم ، وتحكمها فى العقول والأذهان ، وكان يرى أن الاستعمار الغربى بمظالمه قد أجج المشاعر نحو الاستقلال ، فى حين أسفر الغزو الحضارى الغربى عن تبعية كثير من المسلمين له، وكان طريق النجاة من تلك المخاطر عنده يتمثل فى تربية النفوس على الإسلام ،! وتحصينها بالإيمان به ، والاعتزاز بتفرده وثرائه .
لقد تعرض فكر الإمام المودودى لقدر كبير من التشويه ، وبخاصة فيما يتصل بالزعم بإقدامه على تكفير مخالفيه ، والحكم على مجتمعاتنا بالجاهلية ، وهو قصور بالع فيه أصحابه، ولم يراع تطور تفكير الإمام المودودى وظروف دعوته ، فقد كان الرجل فى بداية دعوته مائلا نحو فكرة الثورة والانقلاب ، وبخاصة أنه بدأ مسيرته فى بلاد تخضع للاحتلال الإنجليزى، ويعيش المسلمون فيه بين أغلبية تخالفهم مع الدين وتشتط فى معاملتهم ، أما بعد تحرر الهند ، واستقلال باكستان عنها ، فكانت أفكاره تتجه نحو الإصلاح لا الثورة ، وهو الرجل نفسه الذى اعتبر التكفير جريمة فى حق الفرد والجماعة ، وكان يرى أن "من يكفر مؤمنًا كان كأنما قتله" ،
ومما يذكر فى هذا المقام أن الإمام المودودى نفسه – لما بلغته تلك الشائعات عن جنوح فكره إلى التكفير - كتب يرد هذه الشبهة ويدحضها وينفيها عن نفسه ..
وعلى كل حال فإن كل امرئ يؤخذ من قوله ويترك ، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم"
أيها الأخوة الأحباب
لقد مضى المودودى إلى ربه بعد أن أدى عملاً كبيرًا ، لكنه ترك من خلفه جماعة إسلامية كبرى تواصل مسيرة العمل للإسلام والجهاد فى سبيله ، ولقد كان الإخوان المسلمون طوال تاريخهم ينظرون باعتزاز إلى إخوانهم فى باكستان ويقدرون لهم جهادهم وبذلهم ، ويرون فيهم ظهيرا ونصيرا للفكرة الإسلامية فى صفائها وتدفقها ، وهى مشاعر حب واحترام تجمع العاملين للإسلام .. وإننا نذكر موقف الإمام المودودى وجماعته حين ظلوا يحتفلون بذكرى استشهاد الإمام حسن البنا فى 12 فبراير من كل عام، فى الوقت الذى كان فيه الإخوان المسلمون يعانون محنة السجن والتضييق بعدما خلت جماعتهم فى منتصف الخمسينات وتنكر لهم الكثيرون .
رحم الله الإمام أبا الأعلى المودودى ، وجزاه عن دعوته ودينه خير الجزاء ، وثبَّت إخوانه على طريق الإسلام ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع