لماذا كل هذا الفزع والهلع بعد فوز حماس؟

لماذا كل هذا الفزع والهلع بعد فوز حماس؟

أ.د. محيى الدين عبد الحليم
2006-02-08

صحيفة الشرق القطرية استلفت انتباه الساسة والمعلقين السياسيين ردود الفعل الواسعة التي أحدثتها نتائج الانتخابات الفلسطينية التي أسفرت عن فوز منظمة حماس بهذه النسبة الكبيرة والتي…

صحيفة الشرق القطرية

استلفت انتباه الساسة والمعلقين السياسيين ردود الفعل الواسعة التي أحدثتها نتائج الانتخابات الفلسطينية التي أسفرت عن فوز منظمة حماس بهذه النسبة الكبيرة، والتي تفوقت فيها على منظمة فتح التي ظلت تتربع على عرش السلطة الفلسطينية منذ نشأتها وحصلت على ثمانين مقعداً من إجمالي عدد مقاعد المجلس التشريعي البالغة 132 مقعداً، وبذلك يصبح من حقها تشكيل الحكومة الجديدة، وهو الحق الذي لم تحصل عليه منذ أن تم تأسيسها عام 1987.

لقد راحت أجهزة الإعلام وأصحاب الأقلام وصناع القرار في الدول الغربية يهددون بقطع المعونة وعدم التعاون مع حماس باعتبارها منظمة إرهابية ترفع شعارات إسلامية وتسعى لإبادة "إسرائيل"، وتنطلق في توجهاتها من منطلقات سلفية وثوابت دينية لا تحيد عنها، هذا في الوقت الذي لم نقرأ لأحد من هؤلاء تعليقاً على نجاح حزب الليكود اليميني المتطرف بنسبة أصوات عالية، وفوز زعيمه أرييل شارون الذي اقتحم ساحة المسجد الأقصى، وقتل العشرات من الأطفال والنساء والعجزة في مذابح رهيبة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً والذي أخذ على عاتقه قتل الرموز الوطنية الفلسطينية جهاراً نهاراً على مسمع من الرأي العام العالمي.

وهكذا قال الشعب الفلسطيني كلمته، وأكد تعاطفه مع هذه المنظمة التي وضع رجالها رؤوسهم على أكفهم، وأعطوا كل حياتهم لوطنهم حين رأى أنه أمام عدو لا يعرف إلا لغة القوة ومنطق المواجهة بعد أن مل من الاستماع إلى البيانات البليغة والخطب الرنانة والكلمات العصماء.

وهذه النتائج يجب أن تلزم المجتمع الدولي باحترام إرادة الناخب الفلسطيني وعدم إطلاق الأحكام المتسرعة أو اتخاذ المواقف الاستباقية في هذا الصدد مما يعقد الأمور ويؤدي إلى عدم الاستقرار ويزيد من تيار التشدد على الجانبين، وهذا يعني أنه لا يجب الحكم على حماس وفقاً لماضيها، وإنما يجب أن يأتي هذا الحكم من خلال ممارساتها وسياستها المستقبلية لأن الديمقراطية المشروطة بحرمان الشعب من حقه المطلق في الاختيار تعد أبشع أشكال القهر والطغيان، وتراجعاً عن قيم الحرية التي اتفقت عليها كافة الدساتير والأعراف الدولية.

إلا أننا وجدنا العكس تماماً، فثمة تهديدات صارخة تم توجيهها لمنظمة التحرير والشعب الفلسطيني إذا تولت حماس الحكم، وهذه السياسة، ولعل هذا التحيز والظلم الذي يشعر به المواطن الفلسطيني هو الذي دفعه إلى الإدلاء بصوته لمنظمة حماس باعتبارها طوق النجاة الوحيد لإنقاذ هذا الشعب في مواجهة اليمين المتطرف الذي يتجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويتغاضى عن التحالفات الصارخة لكافة المواثيق والقرارات الدولية، ويقف بجانب صقور النظام الإسرائيلي الذين ارتكبوا أبشع الجرائم في حق الشعب الفلسطيني، وشردوا أربعة ملايين من اللاجئين، ووقفوا بجانب الطرف القوي المعتدي ضد الطرف الضعيف.

ويقف صانع القرار في معظم الدول الغربية موقفاً عدائياً إزاء هذه النتائج التي حصلت عليها حماس مخالفة بذلك لكل مبادئ الديمقراطية في احترام إرادة الشعوب، فما أن حققت حماس هذا الفوز حتى أعلنت الولايات المتحدة وأوروبا و"إسرائيل" معارضتهم لما أسفرت عنه هذه الانتخابات من نتائج، وكان مجلس النواب الأمريكي قد اتخذ قراراً أعلن فيه أن الولايات المتحدة سوف تعيد النظر في مساعداتها المالية للسلطة الفلسطينية إذا شاركت حماس في الانتخابات والحكومة التي يتم تشكيلها، وسارعت أوروبا إلى تبنى نفس الموقف على لسان خافيير سولانا، وهو تهديد يتنافى مع أبسط قواعد الحرية وحرية الناخب في اختيار من يمثله، وفي هذا الإطار قال شون ماكور ماك المتحدث باسم الخارجية الأمريكية في مؤتمر صحفي "إننا لن نقدم المال إلى منظمات إرهابية، وإنه سوف يكون علينا إعادة النظر في كل جوانب برنامج المساعدات إلى الفلسطينيين" واعتبر سيلفيو برلسكونى رئيس وزراء إيطاليا أن فوز حماس يعد أمراً سلبياً للغاية، وقالت صحيفة الفيجارو الفرنسية أن هذا التغيير المفاجئ يحمل خطر الحرب في الساحة الفلسطينية. وهذا يفرض على حماس في ظل هذه التحديات التي تواجهها أن تعيد النظر في أسلوب تعاملها مع المجتمع الدولي الذي يرفض منهجها، ويشترط عليها أن تغير ميثاقها وتنزع سلاحها، وتعترف بحق "إسرائيل" في الوجود، وتقبل بالحل السلمي طريقاً وحيداً لحل النزاع مع "إسرائيل" التي لا تثق في حكومة فلسطينية تتبوأ فيها حماس المكانة البارزة وتتمكن من الهيمنة على المؤسسات الفلسطينية الأخرى، لا سيما أن الولايات المتحدة تقف لها بالمرصاد، كما أن الاتحاد الأوروبي يهدد بقطع الدعم المالي للسلطة الفلسطينية في حالة تكليف حماس بتشكيل حكومة فلسطينية.

ويصبح على حماس أن تفكر في خيارات أخرى تتناسب مع الواقع الجديد بعد أن تحولت من مجرد قوة معارضة خارج سياق المؤسسات الفلسطينية إلى قوة محركة ومشاركة في المؤسسات ذات الصلة باتفاقات أوسلو، وهذا يفرض عليها التزامات سلوكية مختلفة كما يتطلب طريقة جديدة في التفكير، وتحريك الوضع الاقتصادي الداخلي، وإفساح المجال أمام المزيد من الحريات والتعامل مع القيود التي يفرضها الاحتلال، ولإقناع القوى الكبرى برغبتها في السلام العادل لأن السلام مطلب إنساني وإسلامي شريطة أن يلتزم الطرف الإسرائيلي باتفاقات أوسلو وخريطة الطريق.

وفي الحقيقة إن حماس قد أثبتت قدرتها على السلوك البراجماتى بعيداً عن شعاراتها المتشددة فطرحت أفكاراً جديدة حول التفاهم مع "إسرائيل" على هدنة طويلة وبدأت في تطعيم برنامجها الأيديولوجي بقدر من الواقعية، وأدركت مخاطر التمسك ببرنامجها الداعي إلى تدمير "إسرائيل" والتمسك بعودة كامل الأراضي الفلسطينية من البحر إلى النهر، وهو حق لا يجوز التفريط في شبر منه، ولهذا دعت إلى تشكيل حكومة فلسطينية من جميع القوى السياسية والأحزاب والمنظمات والفصائل الأخرى لأنه أصبح لزاماً عليها أن تتصرف كقوة سياسية مسؤولة عن الشعب الفلسطيني وشبكة علاقاته الدولية لضمان تدفق المساعدات التي تقدمها له الدول الأوروبية والولايات المتحدة وغيرها لأن هناك فارقاً بين شعارات خيار المقاومة وعدم التفاوض مع "إسرائيل" وبين أعباء الواقع الاقتصادي والسياسي للشعب الفلسطيني، وهنا يصبح على حماس وقد أصبح في يدها تفويض كامل من الشعب الفلسطيني في بسط الأوضاع الأمنية ووقف حالة الانفلات، ووضع حد لفوضى السلاح في الأراضي الفلسطينية.

وهكذا يمكن لحماس أن تتعامل بمرونة مع الواقع العالمي، وأن تقوم بتشكيل حكومة ائتلاف وطنية بالاشتراك مع المنظمات الفلسطينية الأخرى، وفي مقدمتها منظمة فتح وأن تفتح باب الحوار مع مختلف الأطراف لإنجاز تسوية نهائية لمشكلة المستوطنات واللاجئين والحدود والمياه ومشكلة القدس، وأن تعترف بحق جميع الأطراف في حياة آمنة ووجود مستقر لا سيما أن استطلاعات الرأي العام أكدت موافقة 65% من الفلسطينيين على ضم الكتل السكانية الكبيرة داخل الضفة الغربية إلى "إسرائيل" وإعادة باقي أراضي الضفة إلى السلطة الوطنية على أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، هذا في الوقت الذي أفادت استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي إلى موافقة أغلب الإسرائيليين على نزع المستوطنات غير القانونية، فهل تترفع قيادات حماس عن منهج التشدد كسبيل وحيد لتحرير الأرض وتتهيأ لقبول الآخر والتفاوض معه أم تترك الفرصة للهواجس والمخاوف التي تسيطر على الرأي العام العالمي منها؟.

وعلى الجانب الآخر فإن العالم الغربي يجب أن يعيد حساباته مع الوضع الجديد وهو العالم الذي يعلن دائماً أنه ليست ثمة فرصة للسلام والاستقرار والتنمية إلا من خلال رضا الشعوب واحترام إرادتها وخياراتها ومن ثم فإن الولايات المتحدة وأوروبا و"إسرائيل" عليها أن تحترم إرادة الشعب الفلسطيني وإجراء حوار منطقي موضوعي مع منظمة حماس لدفعها إلى التخلي عن العنف وقبولها لخريطة الطريق، لأن السلام يجب أن يكون حقاً للجميع.. وإذا كان هذا الفوز الساحق الذي حققته حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية قد أحدث هزة ضخمة في المجتمع الفلسطيني، فإن الشعب الفلسطيني قد نفذ عملية تداول السلطة، مؤكداً هيمنته المطلقة على شؤونه من خلال صندوق الاقتراع، ومن ثم فلن تكون هناك قيادة تسعى وراء أهداف لا يريدها هذا الشعب.

وفي الحقيقة إن هذا الانتصار الكاسح الذي حققته حماس لم يأت من فراغ وإنما لأسباب كثيرة، على رأس هذه الأسباب عجز السلطة الفلسطينية عن مواجهة الصلف الإسرائيلي والسلوكيات الخاطئة والرشاوى التي حصلت عليها بعض القيادات في منظمة فتح حتى شاعت أسرار ملايين الدولارات التي تم استثمارها في كازينوهات القمار في الولايات المتحدة، وما أشيع عن رشوة الـ 2 مليون دولار التي حصلت عليها فتح من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لإسقاط حماس وهو الخبر الذي سربته صحيفتا النيويورك تايمز والواشنطن بوست.

كما خسرت منظمة فتح بسبب انقساماتها العديدة والاتهامات الموجهة إليها بالفساد التي طالت الكثير من رموزها وهى التي فشلت في تقديم نموذج لحكم مستقر وشفاف وقادر على العطاء كحركة للتحرير وكسلطة تنفيذية وتشريعية، وهكذا جاء تصويت الناخبين بمثابة زلزال الغضب على الأوضاع المتدهورة في مناطق السلطة وضد الفساد السائد في المؤسسات الفلسطينية وضد الممارسات المتردية على الساحة والانشقاق في حركة فتح وعجزها عن مواجهة الانفلات الأمني.

كما أن هذا الانتصار الذي حققته حماس جاء نتيجة للقهر والظلم الذي عاشه الشعب الفلسطيني في ظل احتلال بغيض لا يعرف الرحمة والسلام والعدالة، هذا الاحتلال الذي أخذ على عاتقه منذ عام 1947 قتل الحياة وقهر إرادة الجماهير وانتهاك الحرمات والاعتداء على المقدسات فوق الأرض المحتلة، وإقامة المذابح وإشعال الحرائق وهدم المنازل والمساجد وشن حملات الإبادة وسفك الدماء وذبح الأطفال والتنكيل بالشباب، لعل الناخب الفلسطيني لم يجد سبيلاً قادراً على إنقاذه إلا منظمة حماس التي خاضت مع "إسرائيل" أشرس المعارك.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026