في الذكرى السادسة والستين على استشهاد الإمام حسن البنا مؤسس أعظم حركة إصلاحية تستند إلى الدين الإسلامي بفهم العدول المعتبرين لمن سلف ومن اقتفى بأثرهم من الخلف ونعرض لما قدمه من…
(1)
في الذكرى السادسة والستين على استشهاد الإمام حسن البنا مؤسس أعظم حركة إصلاحية تستند إلى الدين الإسلامي بفهم العدول المعتبرين لمن سلف، ومن اقتفى بأثرهم من الخلف.
ونعرض لما قدمه من رؤية سياسية فكرية لحقيقة الصراع الدائر مع الصهاينة على أرض فلسطين؛ ليفصل في الجدل الذي أثير في الأوساط السياسية منها والفكرية على السواء، أهو صراع سياسي أم صراع ديني؟.
ولكن قبل أن ننقل أبرز ما عرضه البنا في بيان حقيقة الصراع، فلا بد من ذكر جملة حقائق هامة كمدخلات أساسية في فهم طبيعة الصراع والقوى التي أوجدته وعملت على ديمومته لخدمة مصالحها، والأدوات المستخدمة في تشكيله والمتواطئة على وجوده.
فالحقيقة الأساسية هي أن الصهاينة المحتلين اختلقوا ذرائع تغطي طبيعة دورهم كأداة استعمارية أجيرة تحركها أحقادهم وأطماعهم؛ فتذرعوا باحتلالهم لأرضنا بما يسمى بالحق التاريخي في أرض فلسطين باعتبار أنها أرض الآباء والأجداد.. من خلال حركة سميت بالصهيونية هدفت لتجميع يهود العالم بقومياتهم الاثنية المختلفة على أرض فلسطين تحت مبرر الدين مع أنها حركة سياسية علمانية بامتياز، ولكنها وجدت في الدين وسيلة هامة لتجييش يهود العالم لخدمة أهدافهم المعلنة والخفية.
(2)
وهذا الدفع بالباطل المعتمد على الكتب المقدسة عند اليهود (التوراة والتلمود) وعلى تاريخ مختلق، قد أوقع الإرباك في الكثير من أدبيات الكثيرين من الإسلاميين الذين لم يفرقوا بشكل واضح بين معاداة اليهود كأهل دين وبين الصهاينة المتذرعين باليهودية كدين؛ ليعتدوا على مقدساتنا ويخرجونا من أرضنا وهم ليسوا أكثر من أداة استعمارية بحتة مستقذرة.
ولكن الناظر بعين الحقيقة ولم تلفته الخطابات الشاعرية يدرك الحقيقة لطبيعة ذلك الصراع، إذ قدم الإمام البَنّا ومنذ مرحلة مبكرة تصوراً واضحاً يفرق بين اليهود بكونهم أهل كتاب، تجرى عليهم الأحكام العامة، ولهم حقوقهم المعروفة في الفقه الإسلامي، وبين اليهود الصهاينة المعتدين الذين تجب محاربتهم؛ لقيامهم باغتصاب أرض المسلمين وانتهاك حقوقهم.
وقد تذرع اليهود بتلك الدعاوى الملتبسة التي أوقع فيها الإسلاميون أنفسهم فحملها الصهاينة المجرمون إلى كل المحافل بأنهم يقتلون ويقاتلون لدينهم وقوميتهم، والحقيقة أن قتالهم لا يكون لمجرد كونهم يهوداً وإنما ينحصر بقتال من قام منهم بالاعتداء على حرمات المسلمين.
وقدم محمود عبد الحليم في كتابه [الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ] ما عرضه البَنّا من موقفه من الهجرة اليهودية أمام لجنة التحقيق البريطانية- الأمريكية في 5/3/1946 فقال: «إن خصومتنا لليهود ليست دينية... ونحن حين نعارض بكلّ قوة الهجرة اليهودية نعارضها لأنها تنطوي على خطر سياسي اقتصادي، وحقنا في أن تكون فلسطين عربية».
(3)
ولكن ذلك يوجب علينا مواجهة هذا المشروع الصهيوني الاحتلالي الاستيطاني بعقيدة صحيحة؛ لأن فلسطين أرض وقفٍ إسلامي على جميع أجيال المسلمين في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم إلى يوم القيامة، لا يجوز لأحد كائناً من كان أن يفرّط أو يتنازل ولو عن جزء صغير جداً منها ولذلك فهي ليست ملكاً للفلسطينيين أو العرب فحسب، بل هي ملك للمسلمين جميعاً.. فعلى المسلمين في كلّ مكان أن يساهموا عملياً في تقديم المال والدم للدفاع عنها.
وقد نظر البَنّا إلى فلسطين حيث موقعها الحضاري، ومكانتها الدينية، على أنها من الأهمية بمكانٍ في وجدان وضمير الأمة العربية والإسلامية، فهي خط الدفاع الأول، وليست قضية فلسطين قضية قطر شرقي ولا قضية الأمة العربية وحدها، ولكنها قضية الإسلام وأهل الإسلام جميعاً، ولا محل للتدليل على حقوق العرب فيها، فقال في مذكراته [الدعوة والداعية]: «إنَّ قضية فلسطين قضية كل مسلم، وإن الحكومات الإسلامية والشعوب الإسلامية إن عجزت عن إظهار هذا الشعور المتمكن من نفوسها كل التمكن بوسائل الإظهار البالغة لظروف خاصة فإنَّ هذا مما يزيد ألمها ويضاعف همومها، وبالتالي لا بد من الانفجار يوما للشعور المكبوت».
وفي [حديث الثلاثاء] تحدث البَنّا في اليهود كلاماً ملهماً كاشفاً حقيقة ما يُمارسونه من جرائم ضد الإنسانية: «إنهم أمة من الأمم هي أعرق شعوب الأرض في المشاكسات، ولا زالت هي علة العلل، تلك هي أمة بني إسرائيل، أمة لعنت ولا تزال تلعن، وهي التي أوقدت نار الفتنة ولا زالت توقدها في أطوار حياتها، أوقدتها في الحرب العالمية الأولى والثانية، وستوقدها في الحرب العالمية الثالثة، ولكن ستكون وقودها- إن شاء الله- فهي شر أينما حلت، وهي بلاء أينما وجدت، فبقدر ما كان الفضل في أولها، بقدر ما فيها من الشر في آخرها».
(4)
وأضاف في تحليل دقيق عن نفسية اليهود في ضوء القرآن، يقول: «إن من أخلاق اليهود الطمع، الذي من لوازمه الجبن والخوف والذل، ثم يعقب ذلك الحرمان، فظلمهم قد رباهم على الذلة والمسكنة والضعف، فكان ذلك منشأ لمرض القلوب الذي لازمهم وما دام القلب مريضاً كانت الرهبة لغير الله مستولية عليه».
بهذه العقلية المستوفية لكامل الأهلية تصدر المكانة الرائدة التي لا يكذب من يعتلي صهوتها أهله، نظر إلى طبيعة الصراع وحقيقته مع الصهاينة اليهود، وحلل نفسيتهم في ضوء النصوص القرآنية الكريمة وما استحكم فيها من الذلة والمهانة، وبين أدوارهم القذرة في اشاعة الفاحشة والفتن لذلك استجلبت عليهم اللعنة من الله، واستشرف أن اليهود سيشعلون نار الحرب العالمية الثالثة كما أشعلوا نارها في الأولى والثانية ولكنهم سيكون وقود نارها التي ستحرقهم..
يتبع في الجزء الثاني..