بروفيسور عبد الستار قاسم وسائل إعلام ومثقفون وسياسيون ودول وأناس كثيرون يتساءلون عما ستفعله حماس بعد فوزها بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني تنشط الندوات واللقاءات الفكرية…
بروفيسور عبد الستار قاسم
وسائل إعلام ومثقفون وسياسيون ودول وأناس كثيرون يتساءلون عما ستفعله حماس بعد فوزها بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني. تنشط الندوات واللقاءات الفكرية والتصريحات السياسية والتكهنات حول سياسة حماس المتعلقة بقضايا جوهرية مثل المفاوضات مع إسرائيل، والتعامل مع الدول الغربية التي تمول السلطة الفلسطينية، وموقفها من المقاومة المسلحة، الخ. لا توجد لدي إجابات قاطعة، إنما أضع بين يدي القارئ الملاحظات والتكهنات التالية
أولا الأسئلة الموجهة إلى حماس الآن في أغلبها ملقّّنة غربيا عبر سنوات من التأُثير الإعلامي والسياسي والثقافي. زرع الغرب عير السنوات في رؤوس الكثير من الإعلاميين والمفكرين والسياسيين أفكارا وأنماط تفكير معينة أصبح تداولها مع الزمن وكأنه الحقيقة. فمثلا يتم توجيه سؤال حول علاقة حماس بالمجتمع الدولي دون أن يستطيع السائل أن يعرف المجتمع الدولي. هل نيبال والأرجنتين وتشيلي والبوسنة مشمولة بالمجتمع الدولي؟ غالبا يعني السائل بالمجتمع الدولي إسرائيل وأمريكا، ومن الممكن أن يشمل أوروبا الغربية إذا أراد التوسيع.
ومن الأمثلة أيضا ما يتعلق بالمسيرة التفاوضية وخريطة الطريق. السائل غالبا يرى كارثة إذا لم تقبل حماس خريطة الطريق ورفضت الاعتراف بإسرائيل، ويرى أن المجتمع الدولي سينبذ حماس إن لم تفعل ذلك. هذه الأسئلة وما شابهها تعبر عن أن السائل عبارة عن أسير لثقافة سياسية معينة يجب أن تبقى سائدة في المنطقة العربية والإسلامية. والأسير غير المبدع يرى في غياب ما اعتاد عليه كارثة، وذلك نتيجة ظنه أن النمط السياسي الذي خضع له الفلسطينيون عبر الزمن كان نمطا حتميا لا مفر منه.
ثانيا يظن بعض المتسائلين أن الشعب الفلسطيني سيتضور جوعا إن لم تتبن حماس المسيرة التفاوضية وتخضع لفكرة نبذ المقاومة والتحول إلى حزب سياسي يسير على درب أوسلو. هذا أيضا جزء من عملية الوقوع في الأسر الطوعي والذي يرى في المال الغربي الوسيلة الوحيدة للاستمرار في العيش.
ثالثا ل حماس ميثاقها الذي يضع الخطوط العريضة لبرنامجها في مختلف الميادين. قد لا يكون لديها إجابات حول قضايا تفصيلية ومفترضة الآن، لكن هذا شأن كل حكومة أو جهة تتولى الحكم. ستطرأ قضايا يومية هامة، وأخرى على مستوى إقليمي ودولي وستجد حماس لزاما عليها تقديم إجابات أو توضيح مواقف، الخ، وهذا ليس بالأمر المعجز. ستجد حماس نفسها هنا أمام إيجاد نقطة التوازن بين ميثاقها وبين تكتيكاتها السياسية التي من شأنها حماية الشعب الفلسطيني أو تحصينه وتحسين قدرته على امتصاص الضربات والرد عليها.
رابعا من المحتمل جدا أن تواجه حماس نقصا في الأموال بسبب رفض الدول المانحة تقديم الأموال. علينا أن نتذكر أولا أن الاعتماد على المال الغربي كان عبارة عن خطيئة فلسطينية لأن ذلك يعني وضع المصير الذاتي بأيدي الغريب. الاعتماد على الغرب وضع الشعب الفلسطيني تحت رحمة الآخرين، وأبقت على يده في الدرك الأسفل. على أية حال، على حماس أن تتدبر أمرها وأن تتوجه إلى الدول العربية والإسلامية لسد الفراغ المالي.
لكنه من المتوقع أن تتبنى حماس برنامجا اقتصاديا يرفع من مستوى الاعتماد على الذات. ستتوجه حماس نحو التطوير الزراعي والحرفي، والتقليل من الاستيراد والاستهلاك. هذا سيرفع من مستوى الإنتاج وسيحدث تطويرا على الأنماط الاستهلاكية. ولا ننسى أيضا أن حماس ستحافظ إلى درجة عالية على الأموال العامة. الاستهتار المالي الذي عهدناه حتى الآن على الساحة الفلسطينية سيتقلص إلى درجة كبيرة. نأخذ بعين الاعتبار أيضا أن الدول المانحة تستهلك حوالي 30% من الأموال التي تمنحها لطواقمها التي تعمل في الضفة الغربية وغزة.
ستعيد حماس ترتيب الهياكل الإدارية في السلطة الفلسطينية. تزدحم السلطة بالموظفين الذين لا يقدمون أي خدمة للشعب الفلسطيني، ولا يتقنون سوى قبض الراتب. سيتم تحويل عشرات الآلاف تدريجيا إلى أعمال إنتاجية تشعر الإنسان بقيمته، وتجعله يقدم شيئا لوطنه ومواطنيه.
خامسا ستعمد حماس إلى تغيير الأولويات وسيكون تركيزها أولا على الأوضاع الداخلية دون الخارجية. المجتمع الفلسطيني يعاني من التمزق، وهو متأثر سلبيا من الناحية الأخلاقية، ولا بد لحماس من تبني برامج اجتماعية وثقافية وأمنية داخلية لإعادة اللحمة للمجتمع. ينتظر حماس الكثير من العمل الداخلي الذي من المحتمل أن يؤدي إلى مواجهة مع بعض المستفيدين الذين سيجدون بالإصلاح مضرة لهم.
سادسا ستتبنى حماس أولوية تفاوضية غير خريطة الطريق وأوسلو، وأعتقد أنها ستجعل من حق العودة القضية الأولى. حق العودة عبارة عن قضية أخلاقية ستضع العالم أمام واقع إنساني ثقيل وازدواجية أخلاقية صعبة.
سابعا ستعيد حماس القضية الفلسطينية إلى بعدها العربي والإسلامي، وستعمل على تدعيم الظهر الأمني الفلسطيني.
ثامنا ستجد حماس أن صناعة القدوة هي التي ستجعل الشعب موحدا وغير متذمر من ضيق العيش والعنف الإسرائيلي. لن يكون قادة حماس أباطرة، ولن نجدهم يغدقون الأموال على أنفسهم. سيبقون مع الناس وبينهم من أجل كسب ثقتهم. إذا رأى شعبنا أن القيادة الجديدة تتقاسم الرغيف مع الناس وتتقاسمه همومه وآلامه، فإن كل الضغوط الدولية ستبوء بالفشل الذريع. وهنا سيجد قادة حماس أن التعصب والتزمت عبارة عن آفتين.
تاسعا الطريق ليست معبدة أمام حماس، وستجد الكثير من الصعاب والعقبات، والعقوبات الإسرائيلية. ستضيق لإسرائيل الخناق وستغتال وتعتقل وتكثف الاستيطان، لكن حماس تنظر إلى الصراع بكليته وليس بنكاياته.