غزة.. والعدوان الجديد المحتمل

هشام منور
2015-01-12

لا يبدو الحديث عن احتمالات اندلاع مواجهات جديدة في غزة مستغربا في سياق عدة عوامل تلعب دورا مهما في صياغة المشهد الإسرائيلي ومدى الحاجة إلى خوض مثل هذه الحرب العدوانية مرة أخرى…

لا يبدو الحديث عن احتمالات اندلاع مواجهات جديدة في غزة مستغرباً في سياق عدة عوامل تلعب دوراً مهماً في صياغة المشهد الإسرائيلي ومدى الحاجة إلى خوض مثل هذه الحرب العدوانية مرة أخرى رغم الخسائر الفادحة التي تكبدها الكيان الإسرائيلي إبان العدوان الأخير.

ينظر المحللون الإسرائيليون إلى احتمالات التصعيد وربما شن عدوان جديد على القطاع من خلال ثلاثة محاذير: المعركة الانتخابية في (إسرائيل)، والوضع الإنساني المتدهور في القطاع، واستئناف العلاقات بين حركة حماس وإيران.

المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أليكس فيشمان، قال إن تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية للعام 2015، هي أن "ثمة احتمالاً لاستئناف المواجهة المسلحة مقابل غزة ومقابل الضفة الغربية بقوة مختلفة" وربما قبل نهاية العام الحالي. وعلى ضوء ذلك، أصدرت شُعب في هيئة الأركان العامة للجيش، مثل شعبة العمليات والشعبة اللوجستية، أوامر بالاستعداد لمواجهة عسكرية، لكون جهوزيتها تستغرق وقتاً طويلاً نسبياً.

وأضاف "فيشمان" أنه على هذه الخلفية، فإن "أي حريق تشعله حماس أو السلطة الفلسطينية أو (إسرائيل)، يحظى بأهمية متزايدة، حتى لو كان الحديث يدور حول حدث محلي محدود ولا يفترض أن تكون له انعكاسات آنية على أمن المنطقة". تدعي (إسرائيل)، بحسب فيشمان، أن قصف الطيران الإسرائيلي مصنع الإسمنت في جنوب القطاع لم يكن من قبيل الصدفة، وإنما هذه الغارة كانت عبارة عن رسالة إسرائيلية، وأن هذا المصنع يوفر "بلاطات" إسمنتية لتحصين أنفاق "حماس".

وأضاف فيشمان أن "صورة حفر أنفاق غزة ليست واضحة اليوم أيضا. ولا شك في أن هذه الحفريات لا تجري بالحجم الذي جرت فيه قبل عملية "الجرف الصامد"، رغم أنه واضح أن حماس مهتمة جدا بترميم الأنفاق ومنظومتها الصاروخية". وأشار المحلل نفسه إلى أن التجارب على الصواريخ، التي تحدثت تقارير عن أن "حماس" أجرتها مؤخراً، "ليست تجارب على صواريخ جديدة، وإنما هي تجارب لصواريخ موجودة". وقال إن هذا الاستنتاج نابع من صعوبة دخول مواد جديدة إلى القطاع في الشهور الماضية.

رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، لوح بإمكانية توجيه ضربات عسكرية إلى قطاع غزة، معتبراً أن "أمن (إسرائيل) يأتي قبل أي شيء آخر، ولن أمر مرور الكرام حتى على إطلاق صاروخ واحد على أراضينا. ولذا رد سلاح الجو على إطلاق هذا الصاروخ بتدمير مصنع إسمنت استخدمته حماس لترميم أنفاق تم ضربها أثناء عملية الجرف الصامد. حماس تتحمل المسؤولية عن أي تصعيد ونحن سنحافظ على أمن (إسرائيل)".

(إسرائيل) تعتقد أن حماس تبني قوتها، لكنها فضلت التهدئة على استئناف المواجهة. ولذلك فالتغيير في السياسة الإسرائيلية غير مرتبط بالانتخابات القريبة، ونابع من اعتبارات أمنية أكيدة". ومع ذلك، فإن فترة الانتخابات، بصورة عامة، هي الفترة التي ينبغي توخي الحذر بشكل خاص خلالها، إذ إنها تتميز باستخدام تضليلي تمارسه كافة التيارات السياسية للمعلومات الاستخباراتية، وموضوع ترميم الأنفاق يغذي السياسيين، ومنذ الإعلان عن تقديم موعد الانتخابات في (إسرائيل) يستخدم هذا الموضوع كأداة مناكفة سياسية.

توجد فجوة بين خطاب نتنياهو الصارم وما يتم تنفيذه ميدانياً، فخلال سنوات حكمه الست الماضية شن عدوانين على القطاع "من دون رغبة لديه" في ذلك. نتنياهو سيمتنع الآن عن شن عدوان آخر تحسباً من عدم تمكنه من السيطرة على مجرى الأحداث، بسبب الانتخابات، لكن في حال تم تكثيف إطلاق الصواريخ من القطاع فإن التصعيد سيكون وارداً، بحسب محللين عسكريين إسرائيليين.

لقد شكل العرض العسكري الذي نظمته حركة "حماس" رسالة إلى (إسرائيل) مفادها "إما الترميم وإمّا الانفجار"، إذ إنه إضافة إلى استشهاد 2200 فلسطيني تقريبا خلال العدوان، دمر العدوان الإسرائيلي نحو 100 ألف منزل، بينها 20 ألف منزل دمرت بشكل كامل، ولا يزال عشرات آلاف الغزيين يسكنون في خيام، في الوقت الذي تدخل فيه مواد البناء إلى القطاع بشكل بطيء جداً.

ويلفت محللون عسكريون إلى تطور حدث مؤخراً وهو أن حركة "حماس" تعمل على ترميم علاقتها مع إيران تدريجياً، وذلك من خلال المديح الإيراني لـ"حماس" على صمودها أثناء العدوان، وتقديم الحركة الشكر لإيران على تسليحها في الماضي. فضلاً عن زيارة وفد "حماس" لطهران مؤخراً. وعلى ضوء ذلك، بالإمكان توقع استئناف توريد الأسلحة من إيران إلى غزة.

بالمقابل نشر الرئيس السابق لقسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" وقائد الكليات العسكرية في (إسرائيل) حالياً، اللواء يوسي بايدتس، والمحاضر في موضوع الأمن والاستراتيجية في المركز متعدد المجالات في هرتسليا، الدكتور ديما آدامسكي، دراسة أعداها مؤخراً خلصا فيها إلى الاستنتاج بأن مفهوم الردع الإسرائيلي انهار وأفلس.

وأضافا أنه "بنظرة إلى الوراء تم نفي العلاقة بين الحسم في الحرب والردع طويل الأمد". وأشارا إلى أنه على الرغم من أن حرب حزيران عام 1967 انتهت بانتصار إسرائيلي كبير، إلا أن حرب الاستنزاف اندلعت بعد ذلك بعام واحد، وتلتها حرب تشرين الأول/ أكتوبر عام 1973. وتبين أن نشوب الحرب ليس محكوماً بتوازن القوى وإنما بميزان المصالح أيضا.

مؤشرات عدوان جديد على غزة تتكثف مؤخراً في ظل الانسداد السياسي في ملف المفاوضات ومحاولات السلطة الانضمام إلى الأمم المتحدة والتصويت على قرار استقلال فلسطين وإنهاء الاحتلال، وتلعب المعركة الانتخابية دوراً في صب المزيد من الزيت على نار الرغبة في ترميم مفهوم الردع الإسرائيلي، لا سيما أن المنطقة تعرف حالة من الفوضى يمكن استغلالها لتمرير أي عدوان محتمل.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026