حماس والعالم ومشكلات النجاح

حماس والعالم ومشكلات النجاح

د.رضوان السيد
2006-02-05

صحيفة الاتحاد الإماراتية لفتت الانتباه الآراء الأوروبية السلبية في نجاح حماس وحكومتها المقبلة لكن الذي ينبغي قوله إنه حتى في الغرب فإن الأصوات المرحبة أو المسلمة كانت واضحة وبارزة…

صحيفة الاتحاد الإماراتية

لفتت الانتباه الآراء الأوروبية السلبيةُ في نجاح "حماس" وحكومتها المقبلة. لكنّ الذي ينبغي قوله إنه حتى في الغرب، فإنّ الأصواتَ المرحِّبة أو المسلِّمة كانت واضحةً وبارزةً أيضاً. فالرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، المراقب الرئيسي للانتخابات الفلسطينية، اعتبر انتصار "حماس" تحصيل حاصل، وقال إنّ الانتخابات كانت شفافة، وإنّ من حقّ "حماس" تشكيل الحكومة الجديدة، وإنه ينبغي الانتظار لسلوكها، وليس الحكم من خلال الماضي أو الشعارات الانتخابية. وقد حدَّد الأميركيون والأوروبيون شروطهم وهي تنحصر في أمرين الاعتراف بـ"إسرائيل"، وبالتالي إلقاء السلاح أو نزعه أو عدم استعماله. وهذان الهدفان قابلان للتفاوُض خلال ثلاثة شهور، كما يقول غربيون كثيرون، وكما تصرح "حماس" بأنها ستتعامل "مع الواقع بواقعيةٍ شديدة"، وإنْ يكن خالد مشعل نفسه قد قال إنّ "حماساً" لن تعترف بـ"إسرائيل"، لكنها مستعدة للتفاوض على هدنةٍ طويلة الأمد.

أمّا العربُ، فقد سارعت سائر أطرافهم الرسمية للتعامُل مع الحدث بإيجابية. وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل دعا المجتمع الدولي للاعتراف بالوضع الجديد، وحذَّر من قطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية؛ إذ لو حدث ذلك- بحسب قوله- لصار الأمر كارثياً. والملك عبدالله الثاني، ملك الأردنّ، قال إنه يتضامنُ مع خيارات الشعب الفلسطيني، وأمَّل باستمرار عملية السلام. ووزير الخارجية القطري قال إنّ ما حدث كان نتيجة الانتخابات الديمقراطية، وهو سيتوسط بين "حماس" من جهة، و"إسرائيل" والولايات المتحدة من جهةٍ ثانية. وقد اتجهت الأحزاب والتيارات الإسرائيلية على مشارف الانتخابات، للمزايدة من أجل الأصوات. لكنْ لا يُنتظرُ أن يُحسَمَ شيء قبل شهرين ونيف، حين تجري الانتخابات، ويظهر مَنْ سيشكّل الحكومة.

أول التحديات التي تواجه "حماس" تحدّي الحلفاء والتحالفات. فالحليفان الرئيسيان لـ"حماس" الآن هما إيران وسوريا. ولا عيب في ذلك، فقد كانت الحركة مرغمةً بسبب العزلة المضروبة عليها بعد اتفاقيات أوسلو. لكننا نعرفُ الآن أنّ لإيران وسوريا أجندات مختلفة عن أجندة "حماس"؛ وكذلك الأمر بالنسبة للبوتقة التي صنعتها سوريا وسمتْها الفصَائل العشرة، والتي يسيطر فيها وعليها الصوتُ السوري/ الإيراني لأحمد جبريل زعيم الجبهة الشعبية/ القيادة العامة. ويتحدث منظّرو النظامين الإيراني والسوري الآن (وفاروق القدومي) عن "استراتيجية التحرير الطويلة الأمد"، والتي تبدأُ بإعادة صياغة "منظمة التحرير" بحيث يكون لديها القرار الاستراتيجي، شأن القيادة القومية السابقة لحزب "البعث"؛ في حين تكونُ الحكومة "الحماسية" بمثابة " القيادة القُطرية". وهذا رَفاهٌ لا يملكُ الفلسطينيون عبءَ أو أعباء تحمُّله، وله تكاليف ضخمةٌ لا نعتقد أنّ الشعب الفلسطينيَّ سلَّم لـ"حماسٍ" أو لغيرها بها. ولو كانت "حماس" قائلةً بذلك لما دخلت في الانتخابات بل لقاطعتْها كما قاطعها تنظيم "الجهاد الإسلامي". فليكن معنى" الواقعية الشديدة" التي تحدث عنها خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لـ"حماس"، الحصول على الدولة في الضفة والقطاع والقدس. وتبقى للأجيال الفلسطينية والعربية المقبلة الأمور الأُخرى وأهمُّها قضية اللاجئين، والمتغيرات الممكنة للعلاقة مع الملايين اليهودية الخمسة بفلسطين المحتلة منذ العام 1948.

والتحدي الثاني المتعلق بـ"حماس" ذاتها هو مسألة الاعتراف والسلاح. وبسبب التأييد الشعبي الكاسح، تستطيع "حماس"- واستناداً إلى اتفاقات أوسلو- التفاوضَ بشكلٍ أفضل على الحدود والمستوطنات والقدس بالتساوق مع الاعتراف العملي بـ"إسرائيل". فالذي كسر ظهر عرفات ومنظمة التحرير و"فتح" ليس أوسلو، وليس التعنُّت الإسرائيلي فقط؛ بل "التذاكي"، أي الاعتقاد بأنه يمكن "تولّي السلطة" باسم أوسلو، وفي الوقت نفسِه حمل السلاح في الانتفاضة الثانية. فنحن نعرفُ الآن أنّ أبا عمّار كان يسيطر على كتائب الأقصى، وكان مروان البرغوثي وغيره يأتمرون بأمره. وقد اعتقد أنه بالمقاومة المسلَّحة، وهو في السلطة، يستطيع زيادة الضغط على "إسرائيل"، ودفع العرب والعالم للعودة للاهتمام بالأوضاع بفلسطين بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد، إضافة للبقاء في الشارع منافسةً لـ"حماس"، التي لم يردْ لها الانفراد بالمقاومة. وكانت النتيجة ضياع صدقيته الدولية والعربية، والتسليم بحصاره في رام الله، وتدمير البنى التحتية لإدارات السلطة وأجهزتها، وظهور أُمراء الحرب الفلسطينيين داخل القوى الأمنية، وضمن الميليشيات التابعة لفتح، وفصائل منظمة التحرير الأُخرى. وقد أفضى التنافُسُ بين "فتح" و"حماس"، كما هو معروف، إلى زيادة عسكرة الانتفاضة، وظهور ممارسات الهجمات الانتحارية، واستجلاب الخراب على سائر الديار الفلسطينية، وانهيار معسكر السلام الإسرائيلي تحت وطأة الحاجة للأمن لدى الإسرائيليين، قبل أي شيء آخر- مما حوَّل شارون إلى زعيمٍ تاريخي من قماشة بن غوريون وإسحاق رابين!

وبإيجازٍ شديد ليست المشكلةُ هنا أن تُعلن "حماس" بعد أن تُصبح حكومة أنها تعترف بـ"إسرائيل" أو تعتنقُ حلَّ الدولتين· بل هل ستستخدمُ السلاحَ ضد "إسرائيل" بالطريقة السابقة إذا تابع الإسرائيليون عمليات الاغتيال أو الهجمات؟ إن فعلتْ ذلك، أو تركت "الجهاد" أو أحمد جبريل (وربما فتح!) يفعل ذلك فإنها تضيع الواقعية التي تحدثت عنها إذ يستحيل عليها الشكوى للعرب أو للعالم، أو الرجوع للقرارات الدولية، وحتى لمنطق "أوسلو". إنها مسؤولةٌ الآن عن حماية الشعب الفلسطيني، وليست إحدى الميليشيات الخارجة على القانون. فينبغي أن تتعامل مع مسألة السلطة بطريقةٍ مختلفةٍ عن تلك التي تعاملتْ بها مع فتح وأفضت إلى نتائج مختلطة بعضها لصالحها، لكنها يمكن أن تنقلب ضدّها في أمدٍ غير بعيد إن ظلت الممارسات نفسها، أو حاولت فتح أو شراذمها أن تسلك السلوك نفسه إزاءها.

والتحدي الثالث الذي تواجهُهُ "حماس" يتعلق بخصومها أكثر مما يتعلق بها.· فقد ماهتْ فتح بين السلطة وبين نفسِها. والأربعون ألفاً من القوى الأمنية كلُّهم أو معظمهم من الميليشيات السابقة. لكن الأخطرَ من ذلك أنهم ما بقوا شرطةً وقوى أمنية، بل تحولوا في زمن الانتفاضة الثانية إلى شراذم مسلَّحة يقودها وجهاءُ فتح وخُلَصاء ياسر عرفات أو غيره من مثل محمد دحلان وجبريل الرجّوب. وقد ربط أكثر هؤلاء عدة آلافٍ من رجال الأمن بهم شخصياً؛ في الوقت الذي اتجه فيه غيرهم ممن لم يدخلوا في الأمن والشرطة إلى "كتائب الأقصى" أو "كتائب أبو الريش".. إلخ ليؤسسوا زعامتهم هناك، في السنوات الأخيرة. وقد دأبت تلك الشراذم من رجال الأمن، أو من الفدائيين خلال العام 2005 على ترويع المواطنين، ونشر فوضى السلاح، والسلوك مسلك العصابات، بحيث كادت السلطة الفلسطينية تعجز حتى عن تنظيم الانتخابات، لأنّ كلّ هؤلاء الزعانف أرادوا الترشح. وعندما ظهرت الفضيحة مع صدور النتائج، انطلقوا وبقيادة دحلان وغيره يعيثون فساداً في الشوارع والمؤسسات، بحجة أنهم يرفضون الخضوع لهذا الواقع المفاجئ، ويريدون منع "حماس" من الاستيلاء على المجلس التشريعي! بينما الواقع أنّ نصف هزيمة فتح يعود إلى أفعالهم الشائنة، وإغضابهم للشعب الفلسطيني، وإذلالهم له. لا تستطيع "حماس" الحكم مع وجود هؤلاء الزعماء المسلَّحين، ولا مع وجود آلاف العناصر غير المنضبطة. لكنها لن تستطيع الحكم أيضاً وهي تنظيمٌ مسلَّحٌ وسط غابةٍ من السلاح لدى سائر الأطراف. فالأمر يتطلب انضباطاً شديداً لا تملكُ "حماس" أصدقاء يعاونونها فيه، و"إسرائيل" لن تُعاونَها طبعاً. فلا يبقى غير وعي الشعب الفلسطيني، والبقية الباقية من سلطة أبومازن، الذي صارت له خبرةٌ في التعامُل مع هذه الأمور، منذ أواسط التسعينيات. ولذلك ينبغي أن تحرص "حماس" على أبو مازن ، كما حرص هو على أن يكونَ نزيهاً وشفافاً معها، رغم وجود خصومٍ ألدّاء لها من حول أبومازن وفي حاشيته.

ما نجحت حتى الآن حركةٌ مسلَّحةٌ عربية، سواءٌ أكانت حركة تحرير، أو أميرةً من أميرات الحرب في نزاعاتنا الداخلية المتكاثرة- التحول إلى حكومةٍ مدنيةٍ أو شريك في مجتمعٍ سياسيٍ ديمقراطي. ونموذجنا الأبعد جبهة التحرير الجزائرية، ونموذجنا الأقرب "حزب الله" اللبناني· فجبهة التحرير احتكرت الدولة لثلاثين عاماً، وعندما تعرضت للتحدي انضوت تحت لواء الجيش، وغامرت بنزاعٍ مسلَّحٍ سقط فيه أكثر من مائة ألف قتيل. و"حزب الله" الشديد الانضباط، أقصى ما تنازل فيه للشعب اللبناني تعهده بعدم استخدام السلاح بالداخل، مع الإصرار على بقائه بيده، والمشاركة في النظام السياسي في الوقت نفسه! لكن الشعب الفلسطيني يتعرض لضغوطٍ خاصةٍ وقاسية. وقد عانى ما لم يُعانِهِ شعبٌ في الأزمنة الحديثة. ولذلك ربما تبدأ اليوم مرحلةٌ جديدةٌ يُفاجئُنا بها كما فاجأَنا باختيار "حماس" لقيادته، وتكونُ المفاجأة هذه المرة انضباطاً عالياً بمتطلبات الدولة المستقلة.. والقريبة بإذن الله

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026