الأقصى في مواجهة التهويد والاقتحامات

نبيل السهلي
2014-12-21

بعد اقتحام موشيه فيغلن نائب رئيس الكنيست الإسرائيلي ومجموعة من المستوطنين الحرم القدسي إثر قرار فتحه أمام اليهود أثيرت أسئلة عن أهداف الاعتداءات المتكررة على الأقصى فالمتابع…

بعد اقتحام موشيه فيغلن نائب رئيس (الكنيست) الإسرائيلي ومجموعة من المستوطنين الحرم القدسي إثر قرار فتحه أمام اليهود، أثيرت أسئلة عن أهداف الاعتداءات المتكررة على الأقصى.
فالمتابع يلحظ أن الاحتلال يسعى في تسابق مع الزمن إلى استغلال الصمت الدولي والعربي لفرض تغيير جغرافي وسكاني في المدينة، وفي الجانب الرسمي الإسرائيلي خططت المؤسسات الإسرائيلية لاتباع سياسات إسرائيلية محكمة حتى عام 2020م لتهويد الأرض في القدس وطرد أهلها.
وبعد أن سيطرت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1967م على أكثر من 80% من مساحة القدس، تسعى حكومة نتنياهو لفرض واقع احتلالي في المدينة لتصبح نسبة السكان اليهود فيها أكثر من 88%، وتكون نسبة الفلسطينيين 12% بحلول العام المذكور، وتجري عملية سيطرة إسرائيلية منظمة على أراضي القدس وعقارات المقدسيين.
الهيكل المزعوم
تمشيًا مع المخططات الإسرائيلية لتهويد القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المحتلة، تظهر كل مدة مجموعات يهودية متشددة تسعى لفرض الأمر الواقع الإسرائيلي باتباع مسميات التطوير.
وفي هذا الإطار كشفت دراسات إسرائيلية أخيرًا مخططات لهدم المسجد الأقصى في مدينة القدس، وأكدت أنه بعد حفر 15م في عمق ساحة جدار البراق سيصبح بناء الهيكل المزعوم ورؤية مكانه ممكنين.
وقد أشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى وجود تصور كامل لما بعد هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة، إذ شكلت مجموعة خاصة به من أجل تنفيذ عملية الهدم وبناء الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى وقبة الصخرة بعد هدمهما.
اقتحامات لم تتوقف
يؤكد المتابعون لتطور القضية الفلسطينية أن الاعتداءات على الأقصى لم تتوقف منذ هبة البراق عام 1929م، إذ حدثت الهبة الكبرى آنذاك دفاعًا عن محاولات العصابات الصهيونية تدنيس وتهويد الأقصى المبارك، ولم تتوقف تلك الانتفاضات منذ نكبة عام 1948م مرورًا باحتلال الشطر الشرقي من مدينة القدس يوم 5 حزيران (يونيو) 1967م.
ويمكن المرور على بعض تواريخ تلك الاقتحامات وإجمالها على النحو التالي:
- في 11 تموز (يوليو) 1971م اقتحمت مجموعة من حركة (بيتار) مؤلفة من 12 شابًّا المسجد الأقصى، وحاولت الصلاة فيه، وفي 22 من الشهر نفسه أقامت مجموعة أخرى من الحركة الصلاة في الحرم القدسي.
- في 14 كانون الثاني (يناير) 1989م قام بعض أعضاء (الكنيست) بعملية استفزازية عن طريق تلاوة ما يسمى "مقدس الترحم" من داخل الأقصى تحت حماية شرطة الاحتلال، وفي 18 (أكتوبر) تشرين الأول 1990م وضع متطرفون يهود الحجر الأساس للهيكل الثالث المزعوم في ساحة الحرم القدسي الشريف، وهو ما أدى إلى هبة فلسطينية واندلاع اشتباكات استشهد خلالها أكثر من 21 فلسطينيًّا وجرح أكثر من 150 آخرين بعد إطلاق جنود الاحتلال النار على المصلين.
- في يوم 28 أيلول (سبتمبر) 2000م اقتحم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون باحات الأقصى المبارك بحماية عشرات من الجنود والمستوطنين؛ لتندلع إثر ذلك انتفاضة الأقصى التي استشهد وجرح فيها آلاف الفلسطينيين، وفي 23 تموز (يوليو) 2007م اقتحم نحو ثلاثمائة مستوطن يهودي المسجد الأقصى وأدّوا داخله طقوسًا مشبوهة ادّعوا أنها دينية.
- في 16 آب (أغسطس) 2008م اقتحمت جماعات يهودية متطرفة باحات المسجد الأقصى المبارك من جهة بوابة المغاربة، وفي 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2008م نفذت مجموعات كبيرة من المستوطنين والحاخامات ورجال السياسة الإسرائيليين وبحراسة مشددة من شرطة الاحتلال اقتحامات جماعية ومسيرات "تهويدية" لمنطقة الحرم القدسي الشريف.
- في 9 شباط (فبراير) 2009م دخل مئات السياح والسائحات المرتديات "لباسًا فاضحًا" المسجد الأقصى بموافقة وحماية جيش الاحتلال، وفي 11 آذار (مارس) من العام نفسه اقتحمت مجموعة مكونة من ثلاثين يهوديًّا متطرفًا بلباس تنكري باحات وساحات الأقصى لإقامة شعائر تلمودية داخل المسجد وقرب باب الرحمة، وفي 14 نيسان (أبريل) التالي اقتحم عشرات المستوطنين اليهود باحات المسجد الأقصى في مدينة القدس؛ لأداء صلواتهم بمناسبة "عيد الفصح اليهودي".
ويبدو أن عام 2009م كان عامًا قياسيًّا للاقتحامات الإسرائيلية لباحات الأقصى المبارك، ففي 24 أيلول (سبتمبر) من العام نفسه اقتحمت عناصر من الوحدة المسماة "خبراء المتفجرات" في شرطة الاحتلال المسجد الأقصى وقامت بجولة داخل باحاته، وفي السابع والعشرين من الشهر نفسه اندلعت مواجهات مع شرطة الاحتلال وجماعات يهودية داخل الحرم القدسي الشريف وعند بواباته، أدت إلى إصابة 16 فلسطينيًّا وأسر آخرين.
ولم تتوقف الاقتحامات خلال السنوات الأخيرة، لكن الاقتحامات المتكررة التي شهدنا _وما زلنا نشهد_ فصولها منذ عدة أسابيع، تحمل في طياتها مخاطر حقيقية في ظل تحولات المشهد العربي وانشغال الإعلام العربي بها، إذ تسعى المؤسسة الإسرائيلية للإطباق على مدينة القدس وتهويد مناحي الحياة فيها كافة.
تهويد المدينة
من الناحية العملية وضعت مخططات إسرائيلية تستهدف جعل اليهود أكثرية ساحقة في شرقي القدس المحتلة عام 1967م، إذ ستعتمد زيادة اليهود المخطط لها في المدينة على استيعاب اليهود القادمين من الخارج عبر الهجرة اليهودية الكثيفة، جنبًا إلى جنب مع الزيادة الطبيعية لليهود، وفي الوقت نفسه ستواكب هذه الزيادة لليهود في مدينة القدس سياسات إجلائية للفلسطينيين منها بإبطال شرعية إقامتهم في مدينتهم في الحالات التالية: إذا عاش الفلسطيني خارج القدس سبع سنوات متتالية، أو حصل على جنسية أخرى، أو سجل إقامته في بلد آخر، للعمل المؤقت أو للتحصيل العلمي.
وتبعًا للحالات المشار إليها إن المصادر الإسرائيلية تقدر عدد الفلسطينيين في القدس المعرضين لفقدان بطاقة الهوية العائدة لهم بنحو 60 ألف فلسطيني، ما يعني ترحيلهم من مدينة القدس أو إبقاءهم خارجها.
واللافت للنظر أن الإجراءات الإسرائيلية كافة لترحيل المقدسيين وضعت وفق "أحكام القانون الإسرائيلي الدقيق"، ومخطط لها سلفًا، فصاحب الأرض _وفقًا لنسق تطور الملكية والسكان_ معرّض في أي لحظة لسلب حقه وإقامته، في حين يكفي اليهودي الآتي من دول العالم المختلفة ويحمل جنسيتها أن يعلن نية القدوم إلى فلسطين حتى يصبح "مواطنًا إسرائيليًّا" مقيمًا في القدس، ولا يفقد تلك الصفة حتى لو غاب سبع سنوات أو حمل جنسية أخرى.
ويمكن للمتابع أن يلحظ بوضوح جلي أن الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى والاعتداءات عليه كافة _ومنها الاقتحامات المتكررة منذ أسابيع_ إنما تخدم إستراتيجية الاحتلال لتهويد مدينة القدس.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026