صحيفة الشرق الأوسط ما أسفرت عنه الانتخابات الفلسطينية يمثل في أغلب الظن إفقارا للقضية ذلك أن القطاعات الحديثة التي تضم متعلمي الطبقة الوسطى والنساء المتحررات وأبناء الأقليات…
صحيفة الشرق الأوسط
ما أسفرت عنه الانتخابات الفلسطينية يمثل في أغلب الظن إفقاراً للقضية، ذلك أن القطاعات الحديثة، التي تضم متعلمي الطبقة الوسطى والنساء المتحررات وأبناء الأقليات الدينية، سيتعاظم استلابها حيال موضوع أمسى في عهدة «حماس»، فهي تمعن في تغييب الموضوع الفلسطيني، عبر دمجه في الموضوع الديني الغيبي، فضلاً عن عدم امتلاكها أي تصور للسياسة والعلاقات الدولية، ناهيك عن عدم خبرتها فيها، أما الذين يتذرعون بالقهر الفلسطيني، الذي هو صارخ بالتأكيد، لتجميل «حماس»، فإن أصحابه ينسون كم كان الألمان مقهورين بمعاهدة فرساي وبانهيار اقتصادهم يوم اقترعوا لهتلر، آنذاك قام الألمان بعملية انتحار جماعي، وهذا ما قام به الفلسطينيون.
الكلام ليس من عندي بطبيعة الحال، وما تضمن رؤية سوداوية، مسكونة بالازدراء والغِل، لم تصدر عن أحد من غلاة الليكوديين في "إسرائيل"، ولا عن رمز من رموز المحافظين الجدد في أميركا الذين يملؤهم الحقد على العرب والإسلام والمسلمين، لكنه نص جمعت فيه بعض الجمل التي وردت في تعليق لأحد الكتّاب العرب - صدّق أو لا تصدق - نشرتها صحيفة عربية، لم ير في فوز «حماس»، إلا أنه بداية ترويع المجتمع الفلسطيني، وإفقار وتغييب القضية عبر دمجها في الشأن الديني الغيبي، وانتحار جماعي للفلسطينيين أشبه بتجربة النازيين في ألمانيا، إلى غير ذلك من النتائج الكارثية، التي لم ير فيها أي إيجابية أو بارقة أمل في الحاضر أو المستقبل.
بذات النظرة السوداوية رأى آخرون من دعاة ثقافة الاستسلام المشهد، وتعددت تعبيراتهم عن هجاء ما جرى التنديد به، ومنهم من لطم الخدود وشق الجيوب في ثنايا الولولة على أوسلو وخريطة الطريق، ومنهم من لم ينشغل إلا بالإلحاح على الاعتراف بـ"إسرائيل" ونزع سلاح المقاومة، وكأن المشكلة هي فقط في كيفية توفير ضمانات الأمن وراحة البال لإسرائيل، من دون أدنى إشارة إلى أية حقوق أو ضمانات للشعب الفلسطيني، وكأن الفلسطينيين هم المحتلون والغاصبون والمفترون، بينما الإسرائيليون هم الضحايا المغلوبون على أمرهم.
وكان مثيراً للدهشة أن نفراً من هؤلاء تنافسوا في تقديم النصائح التي تستهدف حصار «حماس» وتوريطها، ومن ثم إفشال مهمتها، بالدعوة إلى مقاطعة حكومتها تارة، وبتسويغ وقف المعونات المالية الدولية تارة أخرى، وبحشد كل الأسئلة المطروحة على العمل الوطني الفلسطيني منذ عام 48 وحتى الآن، ووضعها جميعاً أمام «حماس» لكي تحلها تارة ثالثة، وبمطالبتها بتنفيذ شعار تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر الذي نادت به في الثمانينات تارة رابعة.. وهكذا حتى يبدو لمتابع تلك الحملات أن المعركة الحقيقية ليست بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي، لكنها بين دعاة الانبطاح والاستسلام وبين «حماس»!.
وإذا أعمتهم المرارات والحسابات الذاتية عن رؤية الحقائق الناصعة التي كشفت عنها الانتخابات، التي كان بطلها الحقيقي هو الشعب الفلسطيني ذاته، فإنهم لم يروا أن عملية التصويت كانت بمثابة انتفاضة ثالثة، أثبت فيها ذلك الشعب الباسل أنه، رغم القبضة التي تمسك بخناقه والضربات التي قصمت ظهره، لا يزال منحازاً إلى المقاومة والصمود، كما أنه بموقفه عبر عن غضبه إزاء العجز السياسي أمام "إسرائيل"، ورفضه للفساد الذي استشرى والتفلت الأمني الذي عجزت السلطة عن احتوائه، فضلاً عن ذلك فإنه لم يأبه بالتهديدات وحملات التخويف التي صدرت من العواصم الغربية، ملوحة بقطع المعونات إذا فازت «حماس» في الانتخابات.
لقد أداروا ظهورهم لذلك كله، وصبوا جام غضبهم على «حماس» التي فازت، والجماهير التي صوتت لها، الأمر الذي أنساهم أن تركيع الفلسطينيين لا يزال هدفاً استراتيجياً، لا خلاف عليه في "إسرائيل" بالأخص بين الأحزاب الرئيسية الثلاثة، وأنه لأجل ذلك حاصروا أبو عمار وقتلوه، وابتزوا أبو مازن طيلة الوقت، ثم لم يعطوه شيئاً، رغم أنه أعطاهم الكثير وتمنع عن الركوع، حلماً في تغير الظروف الراهنة المحلية والإقليمية، التي تهتز فيها الأرض بشدة تحت أقدام الأميركيين من جراء فشلهم في العراق. فغاية ما هناك أن تتعامل "إسرائيل" مع «حماس» كما تعاملت مع حكومة «فتح».
لا أريد أن أهوّن من الأمر، لأنني مدرك أن التحدي الذي تواجهه «حماس» كبير وجسيم، لكني في الوقت ذاته استغرب كثيراً أن يكون موقف البعض من تلك التحديات هو الضغط لإفشال «حماس»، وليس السعي لمساندتها وإعانتها، لأجل الوطن والقضية وليس لأجل «حماس»، باعتبار أن ذلك الموقف الأخير هو الذي يمليه كل عقل رشيد وضمير وطني مستقيم.
في هذا الصدد فإنني أستحي أن أقول إن بعض المنتفعين بالسلطة، الذين استسلموا للهوى والطموح وتقلبوا في المغانم، وجدناهم يقفون بدورهم في الصف الأول من دعاة حصار «حماس» وإفشالها، فمنهم من سارع إلى إعلان مقاطعة حكومتها، ومنهم من اعتبر الالتحاق بالحكومة «عاراً» يلاحق أي «فتحاوي»، ومنهم من استبق وطالب بإلحاق الأجهزة الأمنية برئاسة السلطة مرة ثانية بعدما ضمت إلى الداخلية، لكي يستخدم تلك الأجهزة في تكريس الانقلاب وتخريب التجربة، ومنهم من هدد «بتصفية» (!)، كل من يحاول كسر احتكار فتح لأجهزة الدولة، هكذا بمنطق قطّاع الطرق وزعماء العصابات.
إننا إذا طرحنا السؤال حول كيفية إعانة «حماس» وإنجاح مهمتها - إنجاح الانتفاضة الثالثة إن شئت الدقة - فإن الرد يستدعي مجموعة من العناصر، بعضها يخص «حماس» ذاتها، والبعض الآخر يخص القوى الوطنية الفلسطينية، والبعض الآخر يتعلق بالموقف العربي.
« في ما يخص «حماس»، فإنها تواجه موقفاً عصيباً للغاية، ليس فيما يتعلق بـ"إسرائيل" وحدها، وإنما في الداخل الفلسطيني أيضاً، سواء في ما يخص انتقال السلطة التي احتكرتها «فتح»، أو في مواجهة الفساد المتفشي الذي كانت بعض رموز فتح ضالعة فيه، وفي كل الأحوال فإن وحدة الصف الوطني تظل هدفاً ينبغي الحفاظ عليه، بل الانطلاق منه، وبالتالي فإن «حماس» يتعين عليها أن تمد أيديها للجميع بصرف النظر عن انتماءاتهم، وأن تعلي في ذلك من شأن الالتزام بالقضية والوطن، وتعتبره مقدماً على الالتزام بالحركة، إذ تظل «حماس» فصيلاً معتبراً في الحركة الوطنية وليست ممثلاً وحيداً لها. وعلى «حماس» أيضاً أن تدرك أن التوافق الوطني نهج ينبغي أن تعض عليه بالنواجذ، وهو لا يتحقق بأن يفرض طرف برنامجه على الآخرين، وإنما باستعداد كل الأطراف للقاء في منتصف الطريق، وإذا حسب أن قضية التحرير والملف السياسي بالتالي على رأس أولويات العمل الوطني، فإن ذلك يعني بالضرورة أن يتراجع أي شأن آخر لإتاحة الفرصة للتركيز على استحقاقات ذلك الملف. والتوافق المنشود يفترض ألا يمثل فقط التقاء على النهج والأساليب أو المشاركة في السلطة، لكن الذي لا يقل أهمية عن ذلك كله أن يعبر عن الاتفاق حول ترتيب الأولويات، وتحديد القضايا الأساسية التي ينبغي التركيز عليها في المرحلة الراهنة.
وعن التفكير في مسألة البرنامج فإن «حماس» لها أن تفرق بين استحقاقات الضرورات وقضاء الخيارات، فثمة ضرورات يمكن أن تنهض بها أطراف أخرى غير الحكومة (منظمة التحرير مثلاً)، وإذا استحكمت الضرورات ولم يكن هناك مفر من التعامل معها، فقد تجيز المحظورات، حسب القاعدة الشرعية المعمول بها، ولـ «حماس» أن تهتدي في تعاملها مع مختلف الملفات بالقواعد المتعارف عليها عند الأصوليين في التغيير، التي تراعي سنة التدرج فيما يراد تغييره، وتدقق في الموازنة بين المصالح والمفاسد، أو بين المفاسد والمفاسد، حيث تحتمل بعض المنكرات مؤقتاً، إذا كان تغييرها سيؤدي إلى ما هو أنكر وأسوأ عملاً بقاعدة اختيار أخف الضررين وأهون الشرين.
«بالنسبة للقوى الوطنية الفلسطينية فهي مطالبة بأن ترتفع فوق خلافها مع «حماس» إن وجد، بحيث تظل عند التزامها بتحرير الأرض من الاحتلال، عن أي طريق جاء، إذ ليس هذا وقت الشماتة في أحد أو تصفية الحساب مع أحد، والانسحاب أو المقاطعة الآن ليست موقفاً من «حماس» وإنما هو في حقيقة الأمر تخل عن المسؤولية الوطنية في ظرف تاريخي دقيق وإخلاء لجبهة لا يزال القتال فيها مشتعلاً، ورحى الحرب مستمرة، من ثم فالمشاركة مع «حماس» في الحكومة يمثل استمرارا للمقاومة من موقع آخر، وإسداء النصح لها ضرورة تفرضها المسؤولية الوطنية، كما أن وجود معارضة قوية ونزيهة لها في المجلس التشريعي يسهم بطبيعته في ترشيد المواقف والحفاظ على عافية وحيوية المجتمع الفلسطيني.
« أما الموقف العربي فيحزنني أن أقول إنه يمثل إحدى الحلقات الضعيفة في المشهد في شقه المتعلق بالأنظمة بوجه أخص، ولا مفر من الاعتراف في هذا الصدد بأن ضعف الموقف في هذه الزاوية، كان أحد العوامل التي أثرت سلباً باستمرار على مسار القضية الفلسطينية، ولو كان هناك موقف عربي متماسك وقوي لاختلف الأمر تماماً، ولتغيرت خرائط المنطقة، وربما امتحن هذا الموقف خلال الأيام المقبلة، إذا ما قررت أوروبا وأميركا وقف المساعدات المالية لحكومة السلطة الفلسطينية الأمر الذي يثير سؤالاً حول موقف العالم العربي في هذه الحالة، وهل سينضم إلى المقاطعة، أم يحاول مد يد العون للفلسطينيين بصورة أو أخرى.
على أي حال فالمراهنة الآن هي بالدرجة الأولى على تضامن الشعوب العربية، والنخب الوطنية، والشريفة، وهي وفيرة والحمد لله، وما النماذج التي سبقت الإشارة إليها إلا شذوذاً واستثناء، وبثوراً على الجسم لا أكثر.
أن إنجاح الانتفاضة الفلسطينية مسؤولية الجميع، وخذلانها جريمة تاريخية لا تغتفر.