الإسرائيليون وفوز

الإسرائيليون وفوز "حماس" .. المتشائمون والأقل تشاؤماً

رنده حيدر
2006-01-31

صحيفة النهار اللبنانية تتأرجح المقاربات الإسرائيلية لفوز حركة حماس الساحق في الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين التشاؤم الشديد والتريث الحذر وانتظار كيف ستتحرك حماس قبل استنتاج…

صحيفة النهار اللبنانية

تتأرجح المقاربات الإسرائيلية لفوز حركة "حماس" الساحق في الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين التشاؤم الشديد والتريث الحذر وانتظار كيف ستتحرك "حماس" قبل استنتاج الخلاصات. ولكن كان من الصعب إخفاء المفاجأة والصدمة التي أحدثها فوز "حماس" في "إسرائيل".

"الانقلاب الإسلامي"، "المنعطف التاريخي"، "الثورة الخضراء"، "الصفعة"، هذه بعض التوصيفات التي خرجت بها الصحف الإسرائيلية بعد ظهور، نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية. والى جانب تبادل الاتهامات والمسؤوليات في العجز عن التنبؤ المسبق بالانتصار الكبير لـِ"حماس" والتمسك بمقولة التعادل بين القوتين السياسيتين الأساسيتين "فتح" و"حماس"، يمكن القول إن "إسرائيل" بدءاً من اليوم بدأت تعد نفسها للأسوأ، تعويضاً عن تأخرها في الاستعداد سياسياً للمفاجأة التي أعدها لها جمهور المقترعين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.

الموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية الذي أعلنه ايهود أولمرت برفض التعامل مع حكومة تشكلها "حماس"، ودعوة المجتمع الدولي إلى أن يحذو حذوه، لا يعكس فقط موقف الأحزاب السياسية الواقعة في وسط الخريطة السياسية الحزبية في "إسرائيل"، وإنما أيضاً موقف أحزاب اليمين واليسار والجمهور الإسرائيلي الواسع. وهو موقف يمكن اختصاره بالآتي الشارع الفلسطيني اختار التطرف السياسي والتشدد الديني بغض النظر عن الأسباب الداخلية الكثيرة والمركبة التي دفعت هذا الجمهور إلى حسم خياراته الانتخابية.

وقد أفرزت الانتخابات طبقة جديدة من السياسيين الفلسطينيين لا يمكن أن تشكل محاوراً لإسرائيل. لا بل ثمة ما هو أخطر من ذلك فهناك خطر حقيقي بأن تتنكر الزعامة المنتخبة لـِ"حماس" للاتفاقات السياسية المعقودة مع "إسرائيل". ورغم تطمينات رئيس السلطة الفلسطينية باستمرارية احترام السلطة الفلسطينية هذه الاتفاقات، يعتبر الإسرائيليون أن لا شيء يضمن بقاء الحال على ما كانت عليه سابقاً. لقد فقدت "إسرائيل" بخسارة "فتح" الانتخابات الطرف الفلسطيني العلماني الذي اعترف بوجودها وقاد أهم مفاوضات سياسية معها، ونتائج هذه الخسارة ستظهر تباعاً.

وهنا يذهب المتشائمون الإسرائيليون إلى ما هو أبعد من ذلك ويتوقعون كما هو حال أمير أورون في "هآرتس"، أن يؤدي انتصار "حماس" إلى نهاية عهد "خريطة الطريق" وقرار مجلس الأمن 242 وشعار "أراضٍ مقابل سلام" والى تحول الصراع من نزاع فلسطيني-إسرائيلي إلى صراع يهودي-عربي أو غربي- إسلامي، صراع لا نهاية له يشكل جزءاً من الجهاد العالمي ومن إيران الخمينية.

ولا يخفي الإسرائيليون لومهم  للإدارة الأميركية التي رفضت الاستماع إلى التحذيرات الإسرائيلية  حول ضرورة منع "حماس" من المشاركة في الانتخابات، واليوم بعد فوزها بإمكان الأميركيين اختبار مشروعهم للديموقراطية في الشرق الأوسط على حساب "إسرائيل" ورؤية كيف سيتصرف الإسلام المتشدد عندما يصبح في السلطة. وهم يرون أن الرسالة التي يحملها فوز "حماس" لا تقتصر على "إسرائيل" وإنما تتعداها إلى الدول العربية المجاورة لا سيما الأردن ومصر.

ولكن في مقابل هذه النظرة الشديدة التشاؤم ثمة من يرى أن فوز "حماس " يحمل في طياته عناصر أخرى أقل سلبية. فبالإمكان أن يكون نموذج الحكم الإسلامي الفلسطيني هو النموذج التركي وليس الإيراني. وألا يتحول المشهد في شوارع مدن الضفة وغزة شبيهاً للمشهد في المدن الإيرانية. فقد حرصت "حماس" على خوض معركتها الانتخابية ببرنامج عمل اجتماعي- سياسي بعيداً عن الصبغة الدينية المتشددة، ومن غير المتوقع أن تلجأ الحركة إلى استخدام فرض الالتزام الديني حتى لو حاولت استخدام نفوذها في البرلمان الفلسطيني لإقرار قوانين متطابقة مع الشريعة الإسلامية.

وهناك من الإسرائيليين مَن يرى أن مجيء "حماس" إلى رأس السلطة سيلغي الازدواجية التي طبعت عمل السلطة الفلسطينية السابقة التي كانت من جهة تطالب "إسرائيل" بتطبيق الاتفاقات السياسية وتقف من جهة أخرى عاجزة عن وقف العمليات العسكرية للتنظيمات الفلسطينية المسلحة. ومن مصلحة "حماس" في السلطة أن تتصرف بمسؤولية أكبر وأن تلتزم بالتهدئة وأن تثبت قدرتها على إدارة الشؤون الحياتية لأبناء شعبها الذين اختاروها لهذا السبب. ومن أجل هذا الغرض يرى أصحاب هذا الرأي أنها بحاجة إلى التوصل إلى تفاهم ما مع "إسرائيل" ومع الدول الغربية الكبرى التي تخصص مبالغ ضخمة لإعادة بناء مؤسسات السلطة وترميم اقتصادها المنهار، وأنه لا يمكن أن يجري هذا من دون أن تبرهن "حماس" أنها باتت حزباً سياسياً وليس تنظيماً عسكرياً يقاتل "إسرائيل".

ويذهب بعض الإسرائيليين في نظرته هذه إلى أبعد من ذلك فيقول إن ما يهم المواطن الإسرائيلي العادي ليس علمانية من يتولى السلطة الفلسطينية في الضفة وغزة أو إسلاميته وإنما من يستطيع وقف العمليات العسكرية "الإرهابية" ضده. من هنا فالاختبار الحقيقي لكيفية التعامل مع "حماس" هو في كيفية تعاملها مع الفصائل الفلسطينية المسلحة وقدرتها على جمع السلاح ودمج المسلحين في قوات الأمن الفلسطينية الخاضعة لقيادة موحدة. وهذا تحدٍ كبير من الصعب التنبؤ به، كما يعتبر هؤلاء الإسرائيليون، لا سيما وأنه من غير المعروف كيف سيكون رد فعل تنظيمات مسلحة تابعة لـ"فتح" مثل "شهداء الأقصى" في الرد على الهزيمة السياسية، وما إذا كانت مستعدة للتعاون مع القيادة السياسية الجديدة، أم أنها قد تتحول أكثر فأكثر إلى العمل المسلح لتلعب الدور الذي لعبته "حماس" والجهاد الإسلامي" في مواجهة سلطة محمود عباس.

يعتقد أصحاب هذه النظرة أن "إسرائيل" ستملك مع صعود "حماس" إلى السلطة هامشاً أكبر للمناورة، وستتحرر من أي ضغط خارجي عليها يطالبها القيام بانسحابات جديدة من الضفة الغربية، أو يسألها عن مصير مستوطناتها، أو يحاسبها على جدار الفصل الذي تقيمه حولها. لقد بات لديها اليوم ذريعة قوية تمكنها من مواصلة سياساتها الرافضة لأي تفاوض وتحقيق رؤيتها للحلول من طرف واحد عبر تحديد حدودها بما يتلاءم ومصالحها الأمنية قبل أي شيء آخر. أما الحديث عن الحل الدائم وإنهاء النزاع والتسوية السلمية فقد أُجّل إلى عقود أخرى.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026