رمضان معسكر ربانى

رمضان معسكر ربانى

المستشار محمد الهضيبي
2003-12-05

رمضان معسكر ربانى رسالة من المستشار محمد المأمون الهضيبى المرشد العام للإخوان المسلمين لقد فرض الله علينا الصيام شهرا كاملا كل عام دورة تدريبية إيمانية ومخيما ربانيا عالميا تتجلى…

رمضان معسكر ربانى

رسالة من المستشار محمد المأمون الهضيبى

المرشد العام للإخوان المسلمين

لقد فرض الله علينا الصيام ، شهرا كاملا كل عام ، دورة تدريبية إيمانية ومخيما ربانيا عالميا ، تتجلى فيه أروع مظاهر الأخوة الإسلامية ، حيث اجتمع كل المسلمين فى بقاع الأرض ، رجالا ونساء ، فتية وفتيات ، فقراء وأغنياء ، حكاما ومحكومين ، يجتمعون على طاعة الله ، فصاموا نهاره ، وصلوا لله ، وقاموا ليله ، وتضرعوا إلى الله ، وأقبلوا على القرآن الكريم يتلون آياته ، ويتدبرون معانيها ، ويتفهمون مقاصدها ، وفى هذا المخيم الربانى تعلم المسلمون الكثير من أخلاقيات الإسلام التى تعين المسلمين على النهوض والانعتاق من قيود المادة وأغلال الشهوات ، كما تقوى علاقتهم بربهم ، وتعودهم على أداء الأمانات ومراقبة الله ، وخشيته ، وصدق الله العظيم الذى جعل فريضة الصوم مدرسة للتقوى ، فقال فى القرآن العظيم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(البقرة183) وجعلها سرا من الأسرار بينه تعالى وبين عبده فقال فى الحديث القدسى وأما الصوم فإنه لى وأنا أجزى به" فهنيئا لمن صام وقام ، وبشرى لمن أتم الفريضة بكمال ، وطوبى لمن استجاب لنداء ربه ( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)(البقرة من الآية186)

ولقد لاحظ الجميع ازدياد إقبال المسلمين والمسلمات على طاعة ربهم فى رمضان الذى انقضى منذ أيام ، فامتلأت المساجد عن آخرها فى صلاة الجماعة وصلاة القيام فى التراويح ، كما كان الناس لا يجدون موضعا فى صلاة التهجد فى جوف الليل الأخير .

وأقبل المسلمون على التكافل الاجتماعى فيما بينهم ، فتأسوا برسولهم صلى الله عليه وسلم وأخرجوا زكوات أموالهم وصدقات فطرهم وتقربوا إلى الله بالإحسان إلى الفقراء وإطعام الصائمين وسد حاجات المعوزين ، فقدموا تجربة ثرية فى التضامن والتساند أمام غول الأزمة الاقتصادية الذى التهم أرزاق الناس ، ولم تمنعهم هذه الأزمات عن المبادرة إلى الإنفاق ، وهذا دليل على أن هذه الأمة تستطيع النهوض من عثراتها الاقتصادية ، وأن نداء الله للمؤمنين بالإنفاق (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(البقرة254) أقوى من القوانين الوضعية والجباية الحكومية ، وأن سر خروج هذه الأمة من حال الفقر وتفاوت الدخول والفجوات بين الفقراء والأغنياء إنما يكمن فى تطبيق شريعة الله وفى مقدمتها إخراج الزكاة المفروضة وأن كل المحاولات الرامية إلى منع المسلمين من التكافل ، وكل المؤامرات العالمية التى تريد سد أبواب الخير ستؤول إلى الفشل الذريع طالما تمسك المسلمون بدينهم وطبقوا شريعتهم ، هذا على المستوى الفردى ، فما بالنا إذا تم تنظيم ذلك بصورة جماعية ، وما بالنا إذا طبقت الحكومات فى البلاد الإسلامية شرع الله عز وجل ،

إن الإسلام الحنيف دين حركة وحياة وعمل وقدرة وعطاء

وإن العالم الإسلامى يمتد اليوم على رقعة بين المحيط الأطلسى والمحيط الهادى ، أكبر رقعة متصلة فى تاريخ البشرية وتجمعاتها ، يزيد على المليار وربع المليار ولهم جاليات ممتدة فى أوروبا والأمريكتين والصين والهند تزيد على المائتى مليون مسلم ، يملكون أخصب البقاع فى العالم ، ويسيطرون على ممراته المائية الكبرى، وفى أرضهم موارده الأساسية ، وفى عقولهم وقلوبهم أعظم الطاقات الموجهة، طاقة الإيمان بالله ، وبيدهم المشعل الهادى إلى سواء السبيل ، القرآن العظيم ، وأمرهم الله بإعمال عقولهم ، وتزكية نفوسهم وأرواحهم . إن العرب والمسلمين لا يشكون قلة فى العدد ، ولا نقصا فى الموارد ، ولا فقرا فى المواهب .

وها هو تاريخهم المجيد يستنهضهم ، فقد أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده صحابته رضوان الله عليهم ، ثم التابعين وتابعيهم بإحسان معالم الدين الحق ، وقواعد الإسلام الحنيف، وأصول الشريعة الغراء ، وساد المسلمون الدنيا أكثر من ألف عام ، وعلموا البشرية كلها كيف تكون الحضارة الحقة التى تمزج بين الروح و المادة ، وبين العقل السلوك .

والمسلمون اليوم يعانون من التفرق والتمزق ، والتشتت والتشرذم ، وسبب ذلك واضح ، إنه يتمثل فى عدم الالتزام الكامل والصحيح بتعاليم الإسلام ، ونقص تطبيق أحكام شريعة الله فى كثبر من بلادهم ، وعلاجه بأيديهم ، إذا رجعوا إلى ربهم وتمسكوا تمسكا كاملا وصحيحا بشريعته سبحانه .

لقد جاء رمضان بصيامه وقيامه ليوقظ الشعور فى نفوس المسلمين بالأخوة الإسلامية ، ولينبه الإحساس إلى الجسد الواحد الذى يجمع المسلمين فى العالم ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". رواه البخارى ومسلم .

إن نظرة إلى شهر الصيام العظيم ، تلكم المدرسة الربانية ، تظهر لنا كيف يجب أن يعيش المسلمون فى جامعته الكبرى ، يفقهون غاياته ، ويتدربون فى مخيمه ، ويتتلمذون فى اعتكافه .

كان شهر الشعور والإحساس ، والبر والجود والعطاء والكرم ، شهر العمل النافع والنصر والتضحية والجهاد .

كان شهرا للصيام عن كل ما يغضب الله من قول أو فعل أو سلوك ، كان صياما عن اللغو واللهو والعبث ، اختفت فيه الغيبة والنميمة وقول الزور .

كان شهر الإقبال على الله ، والوقوف ببابه ، والتضرع إليه ، وحرى بنا وقد عشنا ليالى وأيام رمضان مع الله تعالى أن نخرج من هذا الشهر وقد اكتسبنا التقوى وقوة الإرادة والعزيمة والعطف والحلم والصبر وضبط النفس ، وشدة المراقبة .

حرى بنا أن نخرج من هذه المدرسة وقد انتصرنا على أنفسنا ، وحينذاك سنكون أقدر على الانتصار على غيرنا ، فمعنا زادنا وعدتنا  .

إن رمضان شهر التزود لبقية العام

إن أخلاقيات رمضان وروح رمضان يجب أن تستمر طوال العام حتى تؤتى ثمارها ويطيب قطافها ، تقوى فى القلوب وخشية فى النفوس . فقد جاء فى الحديث "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر"

انتهى رمضان ، فمن كان يعبد الله فيه ، فإن رب رمضان حى وباق ، فكن أيها المسلم عبدا ربانيا ولا تكن عبدا رمضانيا .

وإن من علامات قبول العمل الصالح أن يرزق الله المؤمنين بأعمال صالحات بعد رمضان ، لقد امتلكنا فى هذا الشهر العظيم المبارك إرادة التغيير ، وحققنا فيه بفضل الله تعالى توازنًا كاملا فى حياتنا إلى الأفضل ، فى الطعام والشراب ، فى النوم واليقظة ، فى العلاقات الاجتماعية والزوجية ، فى الصلة بالقرآن والمسجد واستطعنا فى هذا الشهر أن نحقق فى أنفسنا إمكانية التغيير فى كل شئ ، وقد انطبق علينا قول الحق الذى قرن إرادة التغيير باستعداد الإنسان نفسه للتغيير ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(الرعد من الآية11) فأعملنا قانون التغيير فى أنفسنا خلال رمضان ، وعلينا أن نأخذ دفعة إيمانية ليستمر التغيير فى حياتنا إلى الأفضل باستمرار ونستثمر كل لحظات حياتنا لنملأ أوراق كتابنا ، لنراها يوم القيامة تتلألأ أنوارا .

لقد أحيا رمضان فى نفوسنا فريضة الجهاد فى سبيل الله ، وتدارسنا التطبيق العملى لتلكم الفريضة الماضية إلى يوم القيامة ، فتذكرنا بدرا والفتح وعين جالوت وملاذكرد ، والعاشر من رمضان .

ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى إحياء الجهاد فى نفوسنا وفى واقعنا ، ذلك لأن أحوال الأمة الإسلامية ووقوع ثلاثة بلدان إسلامية من جديد رهن الاحتلال العسكرى فى فلسطين والعراق وأفغانستان ، وبزوغ المقاومة وصمودها فى هذه البلدان ، وقدرتها على إلحاق الأذى وبشائر الهزيمة بالمحتلين الغزاة يتطلب منا فقه الجهاد فى سبيل الله وتوحيد الجهود لتحرير تلك البلاد وعدم الوقوع فى أسر الذين يريدون تمزيق الصفوف الإسلامية وتشويه صورة الإسلام وصرف المسلمين عن الجهاد الحق إلى عنف عشوائى مدمر لا يعلم إلا الله تعالى من وراءه وأى أيدى خبيثة تحركه ، خاصة فى بلاد الحرمين الشريفين وفى مكة المكرمة التى جعل الله الكعبة المشرفة فيها مثابة للناس وأمنا ، وجعل حرمها آمنا إلى يوم القيامة .

إن الثابت تاريخيا أن أمة الإسلام ترتقى فى مدارج الحضارة وتنطلق إلى آفاق السؤود والكرامة طالما تمسكت بالجهاد ، وقامت بأعبائه فى كل الميادين ، بالدعوة واللسان ، والعمل والإتقان ، وتعمير الأرض بالعلم النافع واستخراج خيراتها ، كما أيضا بدفع العدوان ومنع الفتنة عن المستضعفين فى الأرض .

إن هناك من يريد أن يشوه صورة الإسلام ويسم المسلمين بالإرهاب ، ويربط العنف العبثى بشهر رمضان ، وعلينا ونحن نستنكر كل تلك الاعتداءات على الأبرياء الآمنين أن نوضح صورة الجهاد الحق ، وأن ننفى عنه كل ما يشين وأن نفرق بين الجهاد لتحرير الأوطان ودفع العدوان ومنع الفتنة وبين العنف الأعمى الذى لا يخدم إلا مخططات أعداء الإسلام ، وأن ندعم جهاد إخواننا فى العراق وفى فلسطين حتى يحققوا تحرير أوطانهم ومقدسات الإسلام والمسلمين ، ذلك لأن الجهاد بمعناه الشامل الواسع هو سبيلنا لإنقاذ أنفسنا والمسلمين كما هو وسيلتنا لهداية البشرية ورحمة الله للعالمين .

إن رمضان كان شهر الاحتفال بعيد نزول القرآن الكريم ، دستورنا الخالد على مر السنين ، الذى يتوقف على تطبيق أحكامه عمارة الكون وتحقيق الاستخلاف فى الأرض .

والمسلم الحق لا ينقطع عن القرآن بعد رمضان ، بل يزداد ارتباطه به تلاوة وحفظا ، تدبرا وفهما ، عملا وتطبيقا ، دعوة وجهادا .

أيها المسلمون ... أيها الإخوان المسلمون

ها أنتم تخرجتم من مدرسة رمضان للتقوى ، وعشتم فى المخيم الربانى ثلاثين يوما ، فانطلقوا إلى العمل والجهاد ، ولا تركنوا إلى الدنيا ، فقد تزودتم من رمضان ، فأبشروا بمغفرة من الله ورضوان ، وعتق من النيران ، يتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال وأعاده علينا بالخير والبركات .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026