الحرب النفسية في معركة العصف المأكول(2)

طارق مصطفى حميدة
2014-09-11

أطلقت حركة المقاومة الإسلامية حماس على المعركة الحالية م اسم العصف المأكول وكانت أطلقت على م اسم معركة الفرقان بينما سمت معركة م معركة حجارة السجيل ويأتي نجاح اسم الفرقان في المعركة…

أطلقت حركة المقاومة الإسلامية - حماس - على المعركة الحالية 2114م اسم ( العصف المأكول )، وكانت أطلقت على 2008- 2009م، اسم ( معركة الفرقان)، بينما سمت معركة 2012م معركة ( حجارة السجيل). 

ويأتي نجاح اسم ( الفرقان) في المعركة التي ابتدأت بمجزرة الأجهزة الأمنية والشرطية المباغتة والصادمة بل والصاعقة أيضاً ... لكن حماس قد امتصت الضربة الأولى، وجاء اختيار التسمية تيمناً بمعركة بدر والتي كانت نصراً كبيراً ومفصلاً مهماً ومنعطفاً تاريخياً فاصلاً بين مرحلة الاستضعاف ومرحلة القوة والتمكين: ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة)، ما يعني أن الروح المعنوية التي تكلل القيادة والتي يراد لها أن تبث في الجنود والأنصار وإلى الإخوة والأصدقاء، كانت عالية ومتفائلة وواثقة بالنصر إلى درجة اليقين.

وبالمثل فإن تسمية معركة 2012م بحجارة السجيل عقب اغتيال الشهيد الجعبري، والرد على الاحتلال بالصواريخ التي طالت تل أبيب تتجلى فيها روح الانتصار وهزيمة العدو، ثم جاءت هذه المعركة (معركة العصف المأكول) لتقتبس اسمها من السورة ذاتها – سورة الفيل – مع فارق أن الحرب السابقة ركزت على الأداة والسلاح ( حجارة السجيل) كما لو كانت ستكتفي بوصول الصواريخ إلى تل أبيب والقدس ولا يهمها ترغيم أنف العدو، بينما معركة العصف المأكول معنية بما تفعله من إثخان في العدو وجنوده خاصة. علماً بأن حجارة السجيل هي التي أدت إلى جعل جيش أبرهة كالعصف المأكول، وهنا يمكن أن نتوقع بأن قيادة المقاومة كانت ترى أن معركة السجيل كانت مقدمة لمعركة العصف المأكول، وفي الواقع فقد كانت معركة العصف المأكول امتداداً لمعركة حجارة السجيل، سيما وأن معركة السجيل قد توقفت سريعاً بتأثير موقف الرئيس المصري محمد مرسي.

إن استحضار قصة أصحاب الفيل ومفردات السورة الكريمة: ( حجارة السجيل، والطير الأبابيل، والعصف المأكول) في عناوين المعركة وأسماء الأسلحة، له أثر معنوي عظيم في نفسيات المجاهدين والشعب الفلسطيني وجبهة الأصدقاء عموماً، والتي تشمل كذلك العمق العربي والإسلامي، هذه الجبهة التي يحفظ صغارها وكبارها عن ظهر قلب سورة الفيل، ويعرفون جميعاً ما جرى لجيش أبرهة، حيث ارتبطت القصة والسورة بمولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ودعي عام مولده بعام الفيل.. ولذلك فاستحضار القصة من خلال رمزية التسميات تؤدي إلى رفع المعنويات من خلال ما يأتي:

التأكيد على قدسية المعركة: حيث العدو يستهدف المكان المقدس، الكعبة هناك، وهنا المسجد الأقصى والأرض المقدسة .. والطرف المهاجم هو ظالم ومعتد في الحالين، والاحتلال اليهودي جاثم في الأقصى وما حوله، وبادئ ومبادر بالعدوان على قطاع غزة ومن فيه.
أن المقاومين يشبهون الطير الأبابيل؛ فهم جنود الله وسلاحهم حجارة السجيل، فهي لا بد مصيبة أهدافها وفاعلة فيهم فعلها.
حتمية الانتصار المؤزر، واليقين بهزيمة الأعداء، فتلك حرب الله تعالى على أعدائه الذين يعتدون على المسجد الأقصى والأرض المقدسة، والمجاهدون جنوده وطيره الأبابيل، وهو سبحانه لا بد هازم أعداء دينه، وجاعلهم كالعصف المأكول، وبالتالي ناصر جنوده، ومن هنا يقاتل المجاهدون ويصمد معهم شعبهم، وهم متيقنون من عدالة قضيتهم ونصر الله لهم.

وقد كان لافتاً في هذه المعركة والتي قبلها تعدد التسميات بحسب تعدد الفصائل، وربما كان أولى بجماعات المقاومة، كبراها قبل صغراها، أن توحد التسمية باعتبارها صفاً واحداً مع ما يتركه ذلك من رفع لمعنويات المقاومين والشعب عموماً، فضلاً عن الظهور بمظهر الجسم الواحد أمام الأعداء... ولكن يحسب لسرايا القدس أنها وبالرغم من اختيارها اسماً غير الذي اختارته كتائب القسام، إلا أن الاسم الذي اختارته وهو: ( البنيان المرصوص) والمشتق من مطلع سورة الصف، يؤكد للأصدقاء والأعداء على حد سواء أن المقاتلين صف واحد كالبنيان المرصوص، وهو ما عززه سلوك الجميع في ميدان الفعل العسكري والإعلامي والسياسي.

وكان من اللافت أيضاً أن اسم ( العصف المأكول) قد تأخر بعض الوقت، ومن كان يتابع فضائية حماس من غزة – الأقصى- فلا بد أنه لاحظ كيف أنهم وضمن متابعتهم لأحداث الضفة وما جرى عقب قصة اختفاء المستوطنين الثلاثة، واختطاف وقتل الفتى أبو خضير، والتفاعلات الشعبية المرافقة فقد اختارت فضائية الأقصى عنوان ( انتفاضة القدس)، وركزت عليه فترة غير قليلة، على اعتبار أن ما يجري هو انتفاضة جديدة، وبالتزامن مع ذلك كان السلوك الحمساوي في غزة يتميز بضبط النفس وتحذير الاحتلال من التورط في حرب على غزة، ولكن عندما ركب المحتلون رؤوسهم وتمادوا في غيهم، خرج أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام ليعلن بدء ( معركة العصف المأكول) ويتوقف ظهور عنوان: ( انتفاضة القدس)، وقد ركز أبو عبيدة كما ركز خالد مشعل وإسماعيل هنية في رسائلهم الأولى، على أن حماس لم تكن البادئة بل حرصت على تجنب المعركة، وأنهم صبروا طويلاً على الأذى، لكن العدو لم يستمع للتحذيرات فبادر بالعدوان وارتكب المجازر.

ويظهر أن قيادة حماس كانت تعلم أو تستشعر الحرب التي تدبر ضدها في الضفة والقطاع، فتصبرت وضبطت نفسها، وأمهلت وحذرت، وأعذرت وأنذرت، كأنما أرادت أن تقول للصديق قبل العدو، أنها غير راغبة في خوض هذه الحرب، وأنها كانت كارهة مضطرة، وإذا لم يكن إلا الأسنة مركباً فما حيلة المضطر إلا ركوبها.

وأهمية ذلك أن يتعزز لدى الشعب والمحبين أنها ليست حركة مغامرة مجازفة متهورة، بل هي حركة راشدة عاقلة وازنة، حريصة على شعبها ومقدراته ولا يدفعها حتى حب الشهادة وعدالة القضية إلى الاستهانة بحياة جنودها... وثمة معنى آخر قد يستفاد من التصبر والإعذار وعدم المبادرة، وهو أن الدمار الذي سيحل والدماء التي ستسيل والمجازر التي ستقع، كلها مسؤولية من بدأ العدوان، لا مسؤولية من يرد ليردع ويمنع ويحمي.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026