الحرب النفسية في معركة العصف المأكول (1)

طارق مصطفى حميدة
2014-09-07

تعرف الحرب النفسية بأنها أنشطة سيكولوجية مخططة تمارس في السلم والحرب وتوجه ضد الجماهير المعادية والصديقة والمحايدة من أجل التأثير على مواقف وسلوكيات هؤلاء لكي تؤثر إيجابيا نحو…

تعرّف الحرب النفسية بأنها أنشطة سيكولوجية مخططة تُمارَس في السلم والحرب، وتوجَّه ضد الجماهير المعادية والصديقة والمحايدة من أجل التأثير على مواقف وسلوكيات هؤلاء؛ لكي تؤثر إيجابيا نحو إنجاز هدف سياسي أو عسكري معين.

فهي أولاً أنشطة سيكولوجية أي تستهدف النفس بالوسائل المختلفة ومنها الكلمة والصورة وحتى الأفعال المادية بالقتال واستخدام السلاح ... وهي مخططة لا مجال فيها للارتجال وردود الأفعال لمن كان معنيا بتحقيق النصر... وإذا كانت الحرب المادية لها بدء وانتهاء فإن الحرب النفسية لا تضع أوزارها، إذ هي سابقة للحرب المادية، وهي مستمرة معها، وهي باقية بعد انتهائها... ولئن كانت الحرب المادية موجهة للأعداء وحدهم فإن الحرب النفسية تعمل على كل الجبهات في الداخل والخارج، وتتوجه للجنود والأنصار... وللأصدقاء والمحايدين، كما تتوجه للأعداء... وغاية هذه الحرب التأثير في المواقف والسلوكيات لإنجاز الأهداف العسكرية والسياسية المخطط لها، وتعزيزها وإدامتها والحفاظ عليها بعد تحقيقها.

وقد كانت أمتنا وشعبنا منذ عقود هدفا للحرب النفسية من القوى الاستعمارية والمعادية، ولا تملك إلا أن تتلقى اللكمات والركلات، وهي في موضع الانفعال ورد الفعل، ولا تسعى بل لا تحلم أن تتحول إلى موقع الفعل والتأثير... لكن المقاومة قد بدأت تقلب المعادلة وتغير البوصلة وتعكس اتجاه الحرب النفسية، حتى إنها في معركتها الأخيرة - العصف المأكول - قد تفوقت على الحرب النفسية الصهيونية.
وهذه السطور لا تتغيا استقصاء أهداف وأساليب ووسائل الحرب النفسية في هذه المعركة، إذ ليس بمكنتها ذلك، ولكنها تلتقط بعضاً من النماذج والعينات والشواهد، وتركز من خلالها على عدد من المحاور، وتقف عند مجموعة من الملاحظات... كما أنها ستركز بالأساس على الحرب النفسية الصادرة عن الجانب الفلسطيني المقاوم، ولن تتوقف كثيراً عند الحرب النفسية الموجهة من جانب الاحتلال.

أولاً: الجرف الصامد
يحرص جيش الاحتلال والكثير من الجيوش في العالم، على إطلاق تسميات معينة على حروبهم وعملياتهم العسكرية، وهذه التسميات تتوخى في الغالب رفع معنويات المقاتلين وهز معنويات الطرف الآخر- كعاصفة الصحراء أو الرصاص المصبوب- وكذلك إظهار عدالة الحرب وتبريرها، من خلال ادعاء أنها حرب دفاعية قامت للرد على عدوان معين أو وقفه؛ كحرب سلامة الجليل والسور الواقي.

وكثيراً ما يطلق قادة الجيش الصهيوني على حروبهم وعملياتهم القتالية أسماء ذات ارتباط وثيق بمناسبة دينية أو معنى توراتي، أو لها اتصال بالتراث الأدبي أو التاريخي أو الفلسفي اليهودي، ولذلك فإنه في العادة يشترك مسؤول من الحاخامية العسكرية مع رئيس أركان الجيش في اختيار اسم العملية العسكرية، مثل إطلاق اسم عملية "عمود السحاب"، وهو ذو مرجعية توراتية واضحة المقصود بها قيادة الرب لهذه الحرب، حيث كانت إرادة الرب تتجلى في "عمود السحاب" نهارًا، و"عمود النار" ليلا – في فترة تيه بني إسرائيل في برية سيناء في زمن موسى عليه السلام، بحسب ما ورد في سفر الخروج.

وكذلك فإن "الرصاص المصبوب" مقتبس من أفكار יلشاعر اليهودي "حاييم نحمان بياليك"، كما أن اسم "عناقيد الغضب" هو اسم رواية للكاتب " جون ستاينبك".
وبحسب المتحدث العسكري الصهيوني فإن اختيار اسم العملية العسكرية يتم ابتداء باللغة العبرية ثم تجري ملاءمته باللغتين العربية والإنجليزية قبل الإعلان عنه رسمياً، وهذا أمر طبيعي فالمقصود الأول هو الجنود والجبهة الداخلية ولذلك فالاسم باللغة العبرية وهو ذو مضمون توراتي أو تاريخي ليؤدي دوره المعنوي، ثم هناك ملاءمة للاسم بالعربية موجهة ضد الجمهور العربي، وأخرى بالإنجليزية موجهة للخارج حيث يدرك المحتلون أنهم لا يعملون في فراغ، وأنه لا بد من تسويغ عدوانهم، سيما وأن الاحتلال مدين في أصل وجوده ومن ثم دعمه واستمراره على الغرب.

والملاءمة لا تعني بالضرورة الترجمة الحرفية بل المقصود حسن تأثيرها في الجمهور المخاطب الفلسطيني - العربي، والغربي على حد سواء، ويبدو أن المقاومة الفلسطينية لم تتنبه بعد لفكرة استحداث تسميات بالعبرية والإنجليزية، كما أنها لم تعد ناطقين بالعبرية والإنجليزية وسائر اللغات الحية، علماً بأن هذه الأمور مما يجري الإعداد له وتجهيزه قبل خوض المعارك.
واسم الجرف الصامد أو بالأدق "الصخرة الصامدة" مأخوذة من سفر العدد 24: 21، في سياق ما أطلق عليه: " بركة بلعام" للقينيين حيث ورد فيها:" وقال: ليكن مسكنك متينا، وعشك موضوعا في صخرة ".
وقد تم إطلاق اسم Protective Edge باللغة الانجليزية كترجمة ملائمة للجرف الصامد، ويعني الحافة الواقية، ومقصوده أن يحمل معنى دفاعياً على اعتبار أن جيش الاحتلال يقوم بحرب دفاعية ضد من يستهدفون أمنه ومستوطنيه.

وبحسب أدرعي فإن اسم العملية سواء بالعربية أو العبرية (الجرف الصامد) يحمل ذات المعنى وذات الاسم وقال "عندما عرض عليّ الاسم باللغة العربية قلت إنه ملائم تماماً ففيه كلمة صمود، وكمجتمع إسرائيلي فإنه يجب أن يبقى صامداً في وجه التهديدات وفي هذا رسالة إلى الأعداء الذين يستهدفوننا"، ومن الطريف، ما ذكره الناطق باسم جيش الاحتلال أدرعي نفسه أن " اختيار الأسماء يتم بطريقة لا أفهمها، فأحيانًا يتم من خلال الحاسوب، وأحيانًا أخرى من خلال أشخاص، وعندما يتم اقتراح اسم؛ فإننا نجري فحصًا لملائمته مع الجمهور الإسرائيلي والجمهور الدولي"، فإذا كان الناطق باسم الجيش غير مقتنع بالاسم فكيف يتوقع منه إقناع الجمهور الفلسطيني والعربي به وبالتالي التأثير في عقولهم ونفسياتهم، ولذلك فقد لوحظ أن وسائل الإعلام العبرية كثيراً ما كانت تفضل اسم " حرب غزة"، وذلك من باب عدم الاقتناع بجدوى وجدارة اسم الجرف الصامد.

والحق أننا إذا حللنا الاسم وتمعنا في ظلاله وإيحاءاته خاصة بالعبرية والعربية، فسنجد أنه قد خالفه التوفيق والسداد؛ وذلك من عدة جوانب:

أن اختيار معنى الصمود يعني أول ما يعني أن جيش الاحتلال في موقف الدفاع، وهذا قد يؤثر في الجمهور الغربي من خلال التسمية الإنجليزية، لكنه يعني الحرص على البقاء وعدم التراجع وتفادي السقوط والانهيار، وحتى مع اختيار المعنى التوراتي الذي اقتبس منه الاسم فهو يتضمن الصخرة التي يُختبأ فيها وبالتالي معنى السلامة، ولا حافز فيه على الهجوم والاقتحام وتحقيق الانتصار، فهو دال على نفسية الجيش المقاتل، وليس فيه ما يمكن أن يهز معنويات الطرف الفلسطيني المقابل.

ومن جهة أخرى فإن ظلال مصطلح الجرف توحي ابتداء بمعاني الانجراف والسقوط وليس الصمود، ولا تتجه للمصطلح الجغرافي الدال على الجبال أو الكتل الثلجية الكبيرة المتبقية بعد الانجرافات الكبيرة، وكذلك فإن كلمة الجرف في القرآن الكريم قد جاءت في سياق الانهيار والتداعي وليس الثبات والصمود وذلك في قوله تعالى: ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [التوبة: 109].
يتبع الحلقة الثانية: العصف المأكول .. عبقرية التسمية وسحرها

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026