كان يمكن للفجيعة برحيل قادة القسام الثلاثة رائد العطار ومحمد أبو شمالة ومحمد برهوم أن تكون مضاعفة لو أن تفاصيل المواجهة في هذه الحرب لم ينبثق عنها يقين بأن كتائب القسام باتت منظومة…
كان يمكن للفجيعة برحيل قادة القسام الثلاثة (رائد العطار ومحمد أبو شمالة ومحمد برهوم) أن تكون مضاعفة لو أن تفاصيل المواجهة في هذه الحرب لم ينبثق عنها يقين بأن كتائب القسام باتت منظومة جهادية كبيرة، ومؤسسة عسكرية ثابتة الأركان، ولو أن شكل المواجهة خلال المعركة كان أقرب للعشوائية منه للخطط المتقنة المعدة مسبقا، والتي ما زال استمرار الحرب يؤكّد أنها أديرت وفق استراتيجية، ولم تنبنِ على ردود الأفعال المتقطعة أو المتسرعة.
ولكن بقدر ما كان رحيل القادة مؤلماً لجمهور المقاومة على امتداد الأمة، فإن في شهادتهم حياة لآلاف آخرين، خصوصاً أولئك الذين توقفوا طويلاً أمام هذه النماذج فدرسوا سيرتها بكل أبعادها، واستخلصوا معانيها الأهم، فاكتشفوا أنهم أمام قامات عابرة للتاريخ والمراحل بجهادها وثباتها وصبرها، وطاقتها على المواصلة دونما تعب أو توقف للراحة قبل بلوغ الشهادة.
ولعل هذا النفر، الذي لا يضع لامة حربه متى لبسها حتى يظفر بالشهادة، لا يقتصر على آخر كوكبة قضت من أبطال القسام، بل هو حال جميع مجاهدي حماس وقادة ركبها، وهو ما يحيل وعينا إلى تلك الحقيقة التي تتجلى - مع بذل الدماء - بيسر وتدركها الأفهام دون تدليل عليها، وهي تلك القائلة إن القيادة في حماس مغرم لا مغنم، وتكليف لا تشريف، وهي توجب التضحية والاستعداد للشهادة على مدار الساعة، ولا تغري بالتنعّم بامتيازات القيادة أو تفسح الوقت لذلك.
ولعل هذا سر امتياز حماس الدائم، وريادتها في مواقع المقاومة كلها، ونجاحها المستمر في إفشال كل الرهانات على تراجعها وتقهقر خيارات المقاومة لديها، مثلما أنه سرّ إقدامها على التضحية وابتعادها عن خيارات السلامة إن اقترنت بالتفريط أو الخضوع. وهو أمر ما كان ليحصل لو كانت الحركة تنظيماً يقوم على فرد، أو يستمدّ ديمومته من مركزيته وجماهيريته، أو يبقى رهن إشارته.
صحيح أن لدى الحركة رموزاً سياسة وعسكرية ذات تأييد شعبي واسع، وباتت تمثّل رموزاً لقطاع كبير على مستوى الأمة وليس فلسطين فقط، لكن هؤلاء ليسوا كلّ حماس وإن شغلوا واجهتها، وليسوا سرّ ألقها غير المنقطع وإن كان لهم في قلوب الناس محبة وتأييد. فحماس تيار عريض يمتد في مفاصل فلسطين كلها، وهي مؤسسة واسعة البنيان، يساهم في دوامها المجموع، وهذا المجموع يدين بالولاء لنهج واضح المعالم، ولا يدور في فلك فرد، مثلما أنه لا يقدم الشخص على الفكرة.
ولعل الاحتلال يدرك جيداً أكثر من غيره من خصوم المقاومة بأن حماس تجاوزت مرحلة التأثر السلبي بغياب قائد من صفوفها الأولى، وأن الإتقان العسكري فيها لا يصنعه فرد ولا حتى عشرة، وأنها قوية ومتجددة إلى درجة تمكّنها من تحييد أثر الخسائر البشرية في صفوفها حتى وهي في خضمّ المعركة.. لكنه مع ذلك يقدم على استهداف من يطاله منهم هادفاً لضرب الروح المعنوية للمجاهدين وللفتك بمشاعر الجمهور الذي يحفظ أسماءهم ويتابع صنيعهم، ثم كعقاب لهم على ما أضافوه لسجل الاحتلال من هزائم، على مدار سنوات جهادهم ومقاومتهم، حيث كانوا في ظل المطاردة والملاحقة شهوداً دائمين على التطورات النوعية التي اكتسبتها المقاومة، وعلى تراكم الخبرات لدى كتائب القسام، ومعها تراكُم القوة المعنوية لجنود الكتائب وقادتها، ممن خاضوا دربهم وهم عارفون بمآلاته الأكثر قسوة، ومستعدون لجميع احتمالاته، وظلت الشهادة في عرفهم اصطفاء ومرتبة سامية من الفوز، فيما كان ارتقاء القائد بالنسبة لجنوده تشكيلاً جديداً للعزائم، وإيقاظاً لكوامنها، ودافعاً لإقدامها، وهي ترى دماء القادة منارات للتأسي والاستمرار، والاطمئنان إلى صوابية الاتجاه.
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع