لا تزال أصداء فوز حماس الساحق في انتخابات بلدية نابلس مدويا وسيبقى كذلك إلى حين وخاصة ونحن في خضم مرحلة الانتخابات التشريعية التي ستجري في الخامس والعشرين من كانون أول يناير الجاري…
لا تزال أصداء فوز "حماس" السّاحق في انتخابات بلدية نابلس مدوّياً، وسيبقى كذلك إلى حين، وخاصةً ونحن في خضم مرحلة الانتخابات التشريعية، التي ستجري في الخامس والعشرين من كانون أول/يناير الجاري، إذا لم تُختلق أعذارٌ جديدة لتأجيلها.
أهمية الفوز
لم يكن هذا الفوز الأول الذي تحققه الحركة، ففي الأمس القريب حصدت الحركة فوزاً مدوّيا في انتخابات مجلس طلبة جامعة النجاح بـ 49% من الأصوات، وقد سبقه فوز الحركة في كثير من المجالس البلدية، ولكن الجديد في الأمر هو النسبة الهائلة التي حصلت عليها الحركة المتمثلة في الفوز بـ 13 من أصل 15 هي عدد المقاعد الكلّية، علماً بأن المقعد الرابع عشر كان شبه متحقق للحركة، ولم يُحسم سوى بأصوات معدودة لصالح فتح، إضافة إلى ذلك، إن هذا الفوز الكبير قد تحقق في بلدية تعد ثاني أكبر بلدية من حيث عدد السكان في الضفة الغربية بعد بلدية الخليل، العامل الثالث هو أن نابلس جبل النار، يمكن اعتبارها وبحق أكثر مدن الضفة الغربية التي تعرضت للحصار والتضييق والاقتحامات على مدى الانتفاضة، ومع ذلك، اختارت خيار المقاومة، وروّاده البارزين.
زيادة على ذلك إنّ هذه المدينة الصامدة تُعد من معاقل حركة فتح في شمال الضفة الغربية، ولذلك لم يتم تأجيل الانتخابات فيها كما حصل لكثير من المدن الكبيرة، التي توقعت السلطة وحزبها بأنّ شعبية حماس فيها كبيرة وفوزها بها قبيل الانتخابات التشريعية يشكل قوة دافعة لشعبية الحركة الإسلامية، وهو أمر حرصوا على تجنّبه، إلاّ أنّ الرياح لا تأتي دائماً كما تشتهي السفن.
عوامل الفوز
ومن الأهمية بمكان التطرّق إلى عوامل ساهمت في تحقيق هذا النصر المدوّي، بعضها يعود إلى حماس، والبعض الآخر يعود إلى حركة فتح، والسلطة التي تتبناها.
فعلى مستوى الحركة يمكن اعتبار أنّ تاريخ قيادات وكوادر الحركة على مستوى الوطن بشكل عام، وعلى مستوى محافظة نابلس بشكل خاص، هذا التاريخ الناصع البياض على مستوى السمعة والأخلاق والتضحية والجهاد والاستشهاد، يعتبر وبحق ذخراً للحركة وعاملاً مؤثّراً في تحقيق الفوز، في المقابل نجد أن مظاهر الفساد والفلتان الأمني والمحسوبية، وغيرها الكثير من الآفات التي تنخر جسد السلطة، والتي أصبح الحديث عنها فاكهة المجالس في كل مكان ساهم في إلحاق الهزيمة بالقائمة المنافسة.
عامل آخر تمثل في حسن اختيار المرشحين في القائمة الحمساوية، من حيث الكفاءة والقدرة والسمعة الحسنة، والتمثيل العائلي الشامل، وبشكل خاص رئيس القائمة، الذي يتمتع بكفاءة وقدرة علمية وعملية وبشعبية كبيرة على مستوى المحافظة، الذي يشهد له عموم الناس بنظافة اليد، والسّخاء والإخلاص ومساعدة المحتاجين في مجال العمل الخيري.
في المقابل فشلت حركة فتح في التوافق على شخصيات بمستوى مرشحي الحركة الحمساوية، وهو الأمر الذي أشار إليه السيد غسان الشكعة في مقابلة على قناة الجزيرة الفضائية، دعا خلالها إلى إقالة من ثَبُت فشله وتفرّده في اختيار المرشحين، علماً بأن بعضاً من الشخصيات الفتحاوية التي تم ترشحها يتردد حولها شبهات عدم مصداقية، فأحدهم يحمل شهادات علمية بكالوريوس وماجستير تم الحصول عليها دون إكمال السنوات العلمية المطلوبة، وهو أمر يتحدث به عموم الناس في المدينة.
عامل آخر يمكن الإشارة إليه، وهو أن معظم الناس في المدينة قد تعرضوا بشكل أو بآخر إلى نوع من الظلم من قبل السلطة الحاكمة عبر الفلتان الأمني، وغياب العدالة في التوظيف، وانتشار المحسوبيات، والأتاوات والواسطات، إلى غير ذلك من الظواهر السلبية التي ترافق السلطة الحاكمة وحزبها. في المقابل بقيت حماس بمنأى عن ذلك، كونها خارج السلطة، ولم تتلوث بأدرانها.
عامل آخر يمكن الإشارة إليه، تمثّل في الإخلاص والمبادرة، والعمل الدؤوب من قِبَل عناصر وكوادر حماس، وانغماس الجميع في التخطيط والإعداد والتنفيذ لحملة الانتخابات على الصعيد المجتمعي والزيارات الميدانية، وعلى صعيد البرنامج الانتخابي والدعاية الانتخابية، وهو أمر لا يحتاج الكثير من العناء لكي يدركه الزائر للمدينة، منذ الوهلة الأولى، وهو يرى الشعارات واليافطات التي تزين المدينة بعمل متقن وخط جميل، وعبارات منتقاة، وفي المقابل وجدنا فتوراً وتقزماً وجموداً لتلك المكونات لدى حركة فتح.
عامل آخر مهم، لابدّ من التنويه إليه، وهو قرْب الحركة_ ممثلة بقياداتها وكوادرها وبرامجها في مختلف الميادين_ من عموم الشعب وهمومهم، عبر تاريخ كبير من العطاء والتواصل في ميادين العمل الخيري ولجان الزكاة، والعمل الثقافي والتعليمي عبر رياض الأطفال، والمدارس الإسلامية، وميادين العمل الطبّي الخيري، والعمل الدعوي ودور القرآن، إلى غير ذلك من الميادين. الأمر الذي سمح للناس بالاختيار ليكافئ المحسن على عطائه.
وفي المقابل، لا نجد كثير من الأموال التي تخصص للعمل الخيري في مختلف الميادين من قبل السلطة، ناهيك عن الفساد المالي، والذي لا يستطيع أحد إنكاره، كما تمّ الإشارة إلى ذلك مسبقاً، وهو ما يدفع ثمنه حزب السلطة "فتح" كلما دقّت ساعة المحاسبة.
نكتفي بالإشارة إلى هذه العوامل، علماً بأن هنالك عوامل أخرى كثيرة لا يسمح المجال للتطرق إليها في هذا المقال وليس كل ما يعرف يقال.
وبالمحصلة، سيبقى وَقْعُ هذه الهزيمة الساحقة، التي لحقت بحركة فتح في هذه الانتخابات، كابوساً يؤرّقها، وسيترك أثراً كبيراً على مستوى الحركة، وسيبقى تأثيره قويا في رفع أسهم حركة حماس في الانتخابات التشريعية، التي أجمع المراقبون بترك بصمات هذا الفوز عليها بشكل واضح.