حفلات البكاء على شارون

حفلات البكاء على شارون

عبد الباري عطوان
2006-01-11

صحيفة القدس العربي اللندنية لم يكن السيد أحمد قريع رئيس وزراء السلطة الفلسطينية موفقا عندما قال للصحافيين إنه يصلي لله من أجل شفاء أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي من أزمته…

صحيفة القدس العربي اللندنية

لم يكن السيد أحمد قريع رئيس وزراء السلطة الفلسطينية موفقاً عندما قال للصحافيين إنه يصلي لله من أجل شفاء أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي من أزمته الصحية، والشيء نفسه يقال أيضاً عن الدكتور صائب عريقات وزير المفاوضات (أين المفاوضات) الذي عبر عن خشيته على العملية السلمية، والانعكاسات السلبية التي يمكن أن تترتب عليها من جراء غيابه عن الساحة السياسية الإسرائيلية.

فمثل هذه التصريحات الدبلوماسية التي تفتقر إلى الحصافة، والــــقراءة الجيدة للخـــريطة السياسية تؤكد انطباعاً مغلوطاً في الغرب، يجسد شارون على أنه رجل سلام، أو أنه الإسرائيلي الوحيد القادر على دفع العملية التفاوضية بما يؤدي في نهاية المطاف إلى قيام الـدولة الفلسطينية العتيدة.

ولعل أطفال المخيمات الفلسطينية الجوعى في مدينة خان يونس بقطاع غزة، كانوا الأصدق تعبيراً عن مشاعرهم ومشاعر الغالبية الساحقة من العرب والمسلمين عندما وزعوا الحلوى ابتهاجاً بغيبوبة شارون، ووفاته سياسياً بسبب الجلطة الدماغية التي أصابته.

فالمسؤولون الإسرائيليون، وعلى رأسهم شارون نفسه، لم يصلوا مطلقاً من أجل نجاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عندما كان يرقد على سرير المرض يصارع أعراض السموم التي دسوها في جسمه، ولم يخفوا ابتهاجهم بنهايته، لأنهم كانوا يرون فيه عقبة في طريق السلام تجب إزالتها بأسرع وقت ممكن، وبأية وسيلة.

ربما يكون سلوك أطفال الحلوى غير حضاري في نظر الكثيرين من العرب، والفلسطينيين المستغربين، ولكن ماذا يتوقعون من أناس فقدوا آباءهم وأشقاءهم وبيوتهم وأسمالهم وكراريسهم في مجازر شارون وغاراته وبلدوزراته، وتوغلاته واغتيالاته التي طبعت تاريخه العسكري والسياسي على مدى ستين عاماً؟!

شارون خدع الإسرائيليين عندما أعطاهم شعوراً زائفاً بالأمان، وخدع المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين عندما أوهمهم بأنه تحول من دب كاسر إلى أرنب وديع، سيكرس سنواته المقبلة لتطبيق خريطة الطريق، ورمى إليهم عظمة الانسحاب الشكلي من قطاع غزة.

فالإسرائيليون كانوا أكثر أماناً قبل مجيئه إلى السلطة، وسمعتهم الدولية كانت أقـل سوءاً، فقد جاء إلى السلطة بعد زيارته المشؤومة للحرم القدسي الشريف، تـلك الزيارة التي فجرت الانتفاضة، وضاعفت من العمليات الفدائية، وأوقعت ما يقرب من ألف قتيل إسرائيلي ودمرت السياحة والاقتصاد.

وأوهم شارون الإسرائيليين بأنه يستطيع حمايتهم ببناء الجدار العنصري العازل، والانسحاب من قطاع غزة للحفاظ علي يهودية دولتهم وسلامة عرقها، وجعلهم الأغلبية أمام الزحف الديموغرافي الفلسطيني. وثبت أن ملياراً ونصف المليار التي أنفقت على هذا الجدار قد ذهبت هباء، لأنه لم يمنع الاستشهاديين المزنرين بالأحزمة الناسفة من الوصول إلى الخضيرة ونتانيا، وبدأت الصواريخ تنهال مثل المطر على المدن والمستوطنات الإسرائيلية شمال قطاع غزة، وتصيب أهدافها بكل دقة.

شارون أعاد احتلال الضفة الغربية لمنع عمليات المقاومة، فازدادت هذه العمليات وتضاعفت، وحاصر ياسر عرفات قبل أن يقتله بالسم، لأنه يمثل في رأيه عقبة في طريق السلام، وللبحث عن شريك معتدل، فدمر السلطة، ومزق حزبها الحاكم، وحول الضفة والقطاع إلى ساحة من الفوضى والفلتان الأمني ومرتع للجماعات المسلحة المتطرفة الخارجة على جميع قوانين الانضباط.

والمؤسف أن المسؤولين الغربيين يتباكون عليه، ويتمنون له الشفاء لأنه في نظرهم هو المنقذ لعملية السلام، وكأن هؤلاء الذين من المفترض أن يكونوا علميين في تحليلاتهم السياسية، ينسون أن الرجل رفض كل اتفاقات السلام العربية - الإسرائيلية، ابتداء من كامب ديفيد الأولى والثانية واتفاقات أوسلو، ولم يلتزم بأي تعهد قدمه للعرب.

شارون هو الذي وسع مستوطنة معاليه أدوميم لخنق القدس وعزلها عن الضفة الغربية وإعاد توطين المستوطنين الذين أجلاهم عن قطاع غزة في مستوطنات الضفة، وصادر ما مجموعه 350 ميلاً مربعاً من أراضي القدس وما حولها لبناء مستوطنات جديدة وتوسيع ما هو قائم، أي ضعف المساحة التي أخلاها في قطاع غزة.

سياسة شارون الأحادية الجانب خلقت فوضى دموية في قطاع غزة والضفة، ودمرت مصداقية محمود عباس أمام الفلسطينيين عندما خرق كل بنود التهدئة في قمة شرم الشيخ، وواصل عمليات الاستيطان، وسياسة الاغتيالات لقادة الجهاد وكتائب شهداء الأقصى، ورفض الإفراج عن المعتقلين وأقام 376 حاجزاً عسكرياً في الضفة لإذلال الفلسطينيين وخنق ما تبقى من اقتصادهم.

خروج شارون من الحياة السياسية ميتاً أو معاقاً ذهنياً قد يكون مكسباً للإسرائيليين أكثر مما هو مكسب للفلسطينيين، لأن الرجل باعهم حملاً كاذباً بالأمن والأمان، مستغلاً نقطة ضعفهم كشعب يعاني من عقدة الخوف ويبحث دائماً عن جنرال قوي يوفر لهم الحماية.

الفلسطينيون لن يذرفوا دمعة واحدة على شارون، ولا على أي مسؤول إسرائيلي آخر، حولهم إلى حقل تجارب للأسلحة الأمريكية والإسرائيلية الصنع، وقتل الآلاف منهم من مختلف الأعمار والأجناس. وعندما يوزعون الحلوى فلا يجب أن يلومهم أحد ويتهمهم بالتخلف مثلما يحلو للبعض، ولو فعل شارون ما فعله بالفلسطينيين بأي شعب آخر لكان رد الفعل مماثلاً إن لم يكن أكثر تطرفاً.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026