مراسم التفريط في جنيف

مراسم التفريط في جنيف

أ. سليمان نزال
2003-12-03

مراسم التفريط في جنيف سليمان نزال كاتب وشاعر فلسطيني يقيم في الدانمارك للتفريط مراسم قطار يعمل بالفحم الأمريكي وسائق صهيوني وإن تظاهر بغير ذلك وموجه يطلق صافرة التواطؤ للتفريط…

مراسم التفريط في جنيف

سليمان نزال

كاتب وشاعر فلسطيني يقيم في الدانمارك

للتفريط مراسم، قطار يعمل بالفحم الأمريكي، وسائق صهيوني، وإن تظاهرَ بغير ذلك، ومُوَجِّه يطلق صافرة التواطؤ. للتفريط عناوين، مرتجفة المواقف، مرتعشة الأفكار، سراديب ملفعة بالحذر غير الحكيم.. رسمي يتشبث بمقعد الفساد، يرتدي بذلة غير رسمية، غير رسمي لا يتخلى عن إمتيازاته ومصالحه، يرتدي حلة رسمية. وللتفريط درجات وعلامات وتقاطيع صفراء وألفاظ مزدوجة، وملابس وخدع وألغاز مستوردة.

للتفريط مخالب متحركة، تستبدل وقت حاجات التوظيف والاستثمار، فتراها في لحظة أظافر مقلمة ناعمة. وحين تحين ساعة "سويسرا" لطعن الشعب الفلسطيني بفؤاد ثوابته الوطنية الفلسطينية، يعود المخلب "الفاخر" إلى دوره، فنروح نتذكر آلام وعذابات وتضحيات كل مرحلة نضالية، ومعها تلك الأخطاء السياسية والسلوكية الفادحة.

للتفريط أسماء رمتك بالصدمة والذهول وأنت تتعجب، وقد تسرعت وصنفتها من خيرة الناس! وأسماء جاءت إلى الساحة الفلسطينية بحثاً عن ثروة وشهرة وجاه وسلطة، فلم تعجب لأفعالها وقد خبرها شعبنا جيداُ.. وطاردَ شعبنا الباسل بعض رموزها في رفح، بالصرخات والاستنكار.. وهم في طريقهم إلى توقيع صك التبديد في جنيف.

رسميون فلسطينيون وغير رسميين يذهبون إلى مراسم التفريط في سويسرا، ينطلقون بخطى يحركها الخنوع والتمويه.

ولا تفيد كل الحجج والمبررات التي يسوقها البعض حول صفة المشاركين في هذا المهرجان التنازلي الانهزامي، فالأخ قدورة فارس يشغل وظيفة وزير دول في حكومة السيد أبو علاء، ولم نعلم أنه يعمل كوزير في حكومة مالطا!

أما ياسر عبد ربه فقد شغلَ الوزارة لأعوام وأعوام حتى ضجَ منه بعض الطامحين في الوزارة فاعتبروه منافساً لهم على رزق الموقع والمركز، فتحالفوا ضده، فعاد إلى الأضواء من باب التنازل التدريجي عن حق عودة كل اللاجئين والنازحين إلى أرضهم وديارهم السليبة في الوطن...

وللتفريط مقدمات وأسباب وبذور من الماضي القريب والبعيد زرعت في تربة التردد والسكوت.

إذ، لا نتائجَ كارثية تهبط من العدم.. لا وقائع كئيبة معزولة عن سلسلة الأخطاء والممارسات والسياسات الملغومة. بدءاً من أيام الثورة الفلسطينية في لبنان، ولقاءات قوى "السلام الإسرائيلية" والمراهنة عليها.. مروراً بمكيدة اتفاق أوسلو وما تلاه من ملاحق وأوراق ومشاريع ومبادرات متتابعة مملة، مروراً بـ"حفلة" إلغاء بنود في الميثاق الوطني الفلسطيني بحضور الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وصولاً تنازلات السيد سري نسيبة، واستطلاعات السيد خليل الشقاقي، وأخيراً وثيقة جنيف، التي يراد لها أن تمر، بلا مقاومة ورفض ومظاهرات، عبر محاولات تيئيس شعبنا.. ضرب وحدته.. إنهاء انتفاضته.. ترهيبه وترغيبه.. سرقه جهوده النضالية المتتالية.. السطو على أحلامه وتطلعاته في العودة إلى وطنه، حراً، عزيزاً، وفق القرارات التي تكفلها لشعبنا الشرعية الدولية، وفي القلب منها، قرار رقم 194..

إن شعبنا في هذه المرحلة الخطيرة، يحتاج إلى تنظيم صفوفه، إلى القيام بمظاهرات ضخمة ضاغظة، إلى تشكيل لجان لحق العودة في كل قرية ومدينة ومخيم، في الوطن وفي الشتات، أكثر من أي وقت مضى.بعد كل هذه التضحيات الجسام، هذا العطاء الأسطوري، وتلك المكابدات والأحزان والثورات والانتفاضات المتواصلة، والمذابح والمجازر والاعتداءات الوحشية الصهيونية التي تعرض ويتعرض لها، يستحيل على شعبنا الصابر، في كل مكان، أن يهضمَ ويستسيغَ وجبة اللؤم والسم والعقارب السويسرية.

من المفجع أن البعض من الفلسطينيين, يسعى إلى تحويل شعبنا إلى حقل تجارب لزراعة توجهاته ومفاهيمه الفاسدة، لكن تراب المعاناة، والرفعة والشجاعة والصلابة، لا بد أن يلفظ ويرفض كل بذار الخداع والتنازل.

لقد كان التسامح -النسبي- مع أول موجات التفريط التي ظهرت في فضاء المقاومة الفلسطينية، في آفاق النضال التحرري، -قبل أوسلو سيء الذكر والآثار- من الأخطاء الكبيرة الجسيمة، التي ارتكبتها، بقصد أو دون قصد، العديد من القوى والفصائل الوطنية واليسارية، بسبب عدم فهمها الدقيق والمبكر لمرحلة المساومة على الأهداف المقدسة، التي كان يعمل لها النهج المساوم، قصير النفس النضالي، بشكل واع ومقصود.

هذا النهج يتعجل في قطف ثمار مشاركته في الثورة الفلسطينية، ويكفيه أن يضع في سلال "إنجازاته" بعض الثمار الفجة، مبدياً استعداده للتنازل عن كل أشجار وبساتين وفاكهة فلسطين. فهل تُقنع فاكهة الثلج السويسرية شعبنا المناضل، صاحب البطولات العظيمة، قدوة الشعوب العربية في التضحية والكفاح، بالتنازل عن بياراته وحقوله و"حواكيره" وبيادره ومنازله وجذوره وتاريخه في أرض فلسطين التاريخية.

قد تقول معادلة الهروب من المسؤولية النضالية التي يشترك في صوغها صهاينة يرفضون حق العودة للفلسطينيين لا توقف إسرائيل مجازرها وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني، ولا تطلق سراح المعتقلين والأسرى العرب والفلسطينيين سجونها، حتى يرتكب بعض الفلسطينيين، من الرسمي وغير الرسمي، مجزرة فظيعة غير مسبوقة ضد قرار عودة الفلسطينيين إلى أرضهم السليبة، فتعالوا، نتسابق في عقد اللقاءات من لندن إلى جنيف إلى مدريد.. حتى يصاب الوضع الفلسطيني برمته في دوخة. وتختلط الأمور، "وتصلب" حقوق الفلسطينيين على خشبة الإحباط، فيقبلون بأي شيء عن طريق استمرار الضغوط والمجازر وأعمال القصف والتدمير والحصار والتجويع..

وتتوالى الضربات الغادرة، حتى يجد الفلسطيني نفسه -لا سمح الله- يقاتل الفلسطيني ببندقية يجب أن تتوجه فقط ضد صدور المحتلين، فيخرج شارون من أزماته الأمنية والاقتصادية والسياسية.. بيد فلسطينية هي سبب كل مشاكل وأزمات الفلسطينيين.

وللتفريط والتبديد في جنيف وغيرها هدايا مجانية يقدمها للصهاينة وسفاحهم شارون، منها

- تحسين صورة إسرائيل دولياً، بعد أن ارتبطت هذه الصورة الدميمة، بالخطر على أمن العالم -الاستطلاع الأوروبي- بنسف بيوت الفلسطينيين، بقتل أطفالهم، بحصارهم، بعدم تحمل مسؤوليتها كقوة احتلال، وفق معاهد جنيف، بـتأمين المشرب والمأكل، وتوفير قضايا الصحة والتعليم.. للشعب الفلسطيني الرازح تحت احتلالها الغاشم. كما ساهم بناء إسرائيل لجدار التوسع والفصل والتشريد وقضم الأراضي الفلسطينية، في غضب معظم الأوروبيين، وألحق بصوره هذا الكيان وسمعته المزيد من لطخات العار والانتقاد الشديد، والآن، بعد أن يتم النفخ في بالون التسوية "السلمية" عبر مراسم التوقيع على وثيقة جنيف، ستباشر الآلة الإعلامية الصهيونية مع أبواقها المتحالفة معها، في التركيز عن حجم "التنازلات المؤلمة" التي أقدمت عليها إسرائيل وقوى السلام فيها، الذين تربطهم بشارون أكثر من قناة تقاطع وتنسيق -وان صرح عكس ذلك-، وإلا لماذا أرسل ابنه عمري إلى لندن؟ وبهذا الأسلوب الدعائي المخاتل، يتم تصوير الوضع على غير حقيقته، فتعوض إسرائيل عن خسائرها الداخلية والخارجية، بعد أن تبدو -في نظر العالم- كأنها حريصة على السلام مع الفلسطينيين!

-إعطاء إسرائيل أكبر هدية مجانية، بإخلاء مسؤوليتها عن تشريد الشعب الفلسطيني، بكل ما يتصل به من حق العودة –بقرار 194- ومع حق الاعتذار للشعب الفلسطيني عن المأساة والآلام التي سببتها باحتلالها وظلمها ومجازرها ضده، بالإضافة إلى حق التعويض الذي لا يلغي حق شعبنا في العودة إلى أرضه الأصلية.

-التخلص من الانتفاضة الباسلة، دون الحصول على أي شيء ملموس، كانسحاب إسرائيلي كامل، من كل مساحة الضفة والقطاع، وإزالة جميع المستوطنات، وإرغام العدو على الاعتراف بالقدس الشريف كعاصمة لدولة فلسطينية، تتمتع بكل سمات ومواصفات السيادة.

للتفريط صلات ومظاهر وخفايا وخبايا وارتكازات.. إن كلَّ من يرفض محاسبة الفاسدين والقيام بإصلاحات شاملة وجذرية تطال مؤسسات السلطة وأوضاع منظمة التحرير وحتى إجراء مراجعات نقدية في بعض سياسات وطروحات الفصائل الفلسطينية على اختلاف توجهاتها وألوان طيفها الفكري والسياسي، وفر أجواء التخاذل -بعلم او دون علم- التي قادت إلى جنيف وإلى مراسم التوقيع على وثيقة التراجع عن الثوابت الوطنية المقدسة، وفي مقدمتها حق العودة.

إذا كان فلان من الموقعين على وثيقة جنيف الكارثية، يرغب في التنازل عن بيته شخصياً -وهذا خطأ- فليفعل ذلك و حده، دون أن ينطق، زوراً، نيابة عن شعب البواسل والصقور والملاحم النضالية، في الوطن وفي الشتات. أما الشعب الفلسطيني، فإنه متمسك بكل أركان حقوقه وأهدافه النبيلة في الحرية والاستقلال والعودة، ولن يتنازل، مهما كانت الضغوط والتضحيات أو حتى الإغراءات، عن ممتلكاته وأرضه في فلسطين.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026