جدول عادي عندما كنت صغيرا اضربت عن الطعام مع مئات المعتقلين الاداريين في سجن النقب الصحراوي كنت في الثانية والعشرين وكانت هذه اقسى تجربة في حياتي شعرت ان مكونات جسدي تتحلل لم يكن…
عندما كنت صغيرا، اضربت عن الطعام مع مئات المعتقلين الاداريين في سجن النقب الصحراوي.. كنت في الثانية والعشرين، وكانت هذه اقسى تجربة في حياتي.
شعرت ان مكونات جسدي تتحلل، لم يكن النهار والليل يفترقان في شيء، فالألم المثابر الذي لا يتوقف لحظة ازال ما بينهما من فروق..
كان الوقت يحسب بالصداع، فهو عقرب الثواني في ساعة الجسد المتهاوي، وكان غول الجوع لا يتوقف عن التهام بقايا الجسد والروح.
بدأت الحواس تتلاشى، ولم يكن يعمل فينا سوى الخيال... الخيال الذي يبحث عن بقايا طعام في زوايا مطابخ امهاتنا...لم تكن الالسنة قادرة على الكلام سوى في موضوع واحد هو الطعام البعيد، فلا ترى الروح سوى بخار الطبخ المتصاعد من الذاكرة.
كانت التنظيمات توزع التعميمات التي تطالب المضربين بعدم الحديث في الطعام لانه يضعف المعنويات، فكنا نهمس به همسا كي لا تسمعنا اجسادنا فتضعف اكثر....كان الشبل هاني ابو حمادة من مخيم بلاطة يحدثني صباحا وظهرا ومساء عن خبز امه، فتفوح رائحة الخبز في كل خليه من خلايا روحي...
توقفت الانشطة في السجن الكبير الممتد، وزالت الحواجز بين انصار التنظيمات، على كثرتها في ذلك الوقت، فالأسرى سواسية امام الجوع...اقصد الموت.
في تلك الحقبة عرفت الفرق بين عقلية اهل غزة "الحامية" وعقلية اهل الضفة "الاكثر برودا"...ففي الحوارات التي سبقت الاضراب، كان لأسرى غزة، على اختلاف تنظيماتهم، رأي آخر عبر عنه احدهم بالقول: بلاش جوع، احنا طول عمرنا جوعانين، تعبنا من الجوع، خلينا نبحث عن وسيلة أخرى: نحرق الخيام، مثلا، ونضرب السجانين بكل ما تقع عليه ايدينا...
* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع