ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم…
{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } آل عمران152
أبدت الانتخابات التمهيدية لبعض الفصائل الفلسطينية عميق ما بينهم من البغضاء، حيث ذهبت الجهود والأوراق ، بل والصناديق أدراج الرياح، وانتهت تلك التجربة بالفشل، وقد أوشكت خلافاتهم أن تزحف على الجمهور، فتصيبهم بذلك فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم.وهنا لابد أن نبحث عن جذور المشكلة، لا عن قشورها وأحداثها، ذلك أن ما تمتع به المجلس السابق من الامتيازات التي ناهزت عشر حجج جعلتهم محط حسد، وباتت أعناق الكثيرين تشرئب إلى الوصول إلى مقعد تحت القبة، خاصة بعد أن شاع أنهم ستجري عليهم أرزاقهم وهم في بيوتهم إذا لم يتمكنوا من العودة إلى مقاعدهم ، لأن الدوائر قد تجهمت لهم، ولأن القوائم قد ضاقت عنهم، أو ضاقت بهم، فلم يعد فيها متسع، أو لم تعد تراهن على أمثالهم.
إنني لست مشفقاً من تدافع الذين رضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها، لكنني أوجس خيفة من أن يكون بعض رموز الحركة الإسلامية قد دفعه للقبول بترشيح أخوانه له ميله القلبي للمردود المادي الذي يناله المختارون، وهذا نذير شؤم وهزيمة، لأننا إنما نفوز بخلوص نياتنا لله والدار الآخرة، وبتوفيق الله تبارك وتعالى للذين يريدون وجه الله، فإذا تسلل إلى مرشحينا من يريد الدنيا فإن ذلك يؤذن بهزيمة لن تقتصر آثارها، بل إعصارها ، على الذين ظلموا منكم خاصة، إنما تلتهم معهم المزيد من المرشحين ليكونوا من المدحضين.إن هذه الآية تتحدث عن نعمة الله علينا بالنصر يوم أحد، وتؤكد ذلك بالقسم ، ولكن سرعان ما تغيرت المعادلة، وانقلبت الكفة، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختار خمسين رجلاً لحماية ظهور الجيش ، وأوقفهم على تلة مطلة على ساحة القتال، وطلب إليهم أن ينضحوا الخيل بالنبل، وألا يبرحوا مكانهم سواء انتصرنا أم هزمنا، فلما انكشف جيش قريش، وجعل الصحابة يجمعون الأسلاب والمغانم، مالت نفوس بعضهم إلى المشاركة في التقاطها ، حتى لا يفوتهم نصيبهم فيها، وراح أميرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه ينهاهم عن النزول، ويذكرهم بوصية رسولهم، غير أن كثيراً منهم لم يلتفتوا إلى نصحه، ولم يمض طويل وقت حتى حانت التافتة من خالد، فوجد الرماة قد تناقصوا، فاشتبك معهم، وكان أكثرهم من الشهداء السبعين الذين ذهبوا أحياء عند ربهم يرزقون، ثم داهم أصحاب الغنائم من خلفهم ، وانقلب النصر هزيمة، فذهبت الغنيمة، وذهبت معها نفوس ودماء، وتضعضعت النفوس، وتطامنت الهيبة العسكرية، واجترأت القبائل على النيل منا، وبقينا في صراع دام مع الزحوف العربية، تلك التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخمدها في مهدها مدة تزيد على ثلاث سنين.
إن هذه الآية تجعل السبب الحقيقي للهزيمة ميل نفوس بعضهم إلى الدنيا، وهو ما أفضى إلى فشلهم، في امتحان الثبات أمام المغريات، وإلى تنازعهم في الأمر، حيث ناشدهم أميرهم أن لا يبرحوا الجبل، وهم يجادلون أن الحرب قد انتهت، وكان ذلك عصياناً للأمير، وعصياناً للرسول، وهو عصيان لله كذلك، وقد تغير به هدف الجهاد عند تلك القلة، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لذلك فقد صرفكم عنهم ليبتليكم، أي بالشدة والخوف والهزيمة والقتل والقرح تمحيصاً للقلوب ،وغربلة للصفوف ،وقد تفضل تبارك وتعالى بالعفو عن العصيان وعن الفرار كذلك ،لانه سبحانه ذو فضل على المؤمنين.ويحسن هنا ان انقل مقولة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما سمع هذه الاية " ما كنت ارى ان احدا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزلت فينا يوم احد هذه الاية "
وان مما يؤكد هذه السنة في اسباب العقاب ما جاء في سورة الانفال تعليقا على اخذ الفداء من الاسرى {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} الأنفال 67 - 68، فقد ورد ان النبي صلى الله عليه وسلم قد اجاب ابن الخطاب حين سأله عن سر بكائه وبكاء ابي بكر الى جواره "لقد عرض علي عذابكم ادنى من هذه الشجرة "واشار الى شجرة دانية منهم وكان ذلك بسبب ايثارهم عرض الدنيا والفداء على قتل الاسرى وكسر شوكة الاعداء .بل ان عمر نفسه رضي الله عنه كان يرى ان هزيمة احد جاءت تنفيذا لوعيد هذه الآية لما تكرر نفس الخطأ،ويشهد لرأيه هذا ان عددا من السبعين الذين اطلق سراحهم ،ولم تدق اعناقهم ،قد شاركوا بالفعل في غزوة احد ،ولو ضربت رقابهم من قبل لاسترحنا من شرهم ولشردنا بهم من خلفهم ،ولربما كان ذلك سببا في عجز قريش عن الزحف الى ديارنا في المدينة المنورة ،ولكن ليقضي الله امرا كان مفعولا.وقد ظل القرآن الكريم يقرع الفارين من المعركة او المتقاعسين عن الخروج بأنهم انما يفعلون ذلك ايثارا للدنيا على الاخرة ،ومن ذلك انه خاطب الذين كانوا يتسللون لواذا ،او يتعللون بان بيوتهم عورة ،وما هي بعورة ،ان يريدون الا فرارا ،فقال {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلاً } الأحزاب16 .
وفي هذا المضمار قول الجبار عزوجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ }التوبة38 ولعل من طرائف ما يذكر في عاقبة المغرورين بالدنيا تلك القصة التى تذكر بعض الروايات انها وقعت في قرن عيسى بن مريم عليه السلام ،ذلك ان ثلاثة نفر كانوا في سفر فاصابهم الجوع ،ولم يكن معهم ما يقيتهم ،فاعثرهم ربهم على كنز ،وارادوا اقتسامه اثلاثا ،غير انهم اجمعوا على تاجيل ذلك الى زوال المخمصة ،فبعثوا احدهم ببعض ورقهم ،لينظر ايها ازكى طعاما ،فليأتهم برزق منه ،وفي الطريق زين له الشيطان ان يضع لهم سما ،ليفوز بالكنز كله ،بينما كان صاحباه يتفقان على قتله فور عودته ،وبالفعل فقد وثبا عليه فقتلاه ،ثم تناولا الطعام فماتا ،وبقي الكنز ،فقال رسول الله وكلمته التى القاها الى مريم ،وروح منه " هكذا الدنيا تفعل باهلها "ومن هنا فقد حذرنا من زهرتها مولانا تباركت اسماؤه ،فقال في اكثر من موضع " فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ } لقمان 33 ، فاطر 5
لذلك فاني اوصي اخواني باخلاص النوايا لله ،والتعلق بالاخرة والجنة ،وان يكون جهادهم في المجلس النيابي تقنينا ورقابة ،ومحاسبة وترشيدا ابتغاء وجه الله ،وخطبة لمغفرته ورحمته ورضوانه ،عساه سبحانه ان يلهمنا رشدنا ،وان يهدينا سبلنا ،وان يفتح بيننا وبين قومنا بالحق ،وهو خير الفاتحين ،كما نساله سبحانه ان يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن ،ومن فتنة الدنيا ،فانها لاتساوي عند ربنا جناح بعوضة ،ولولا ذلك لما سقى كافرا منها شربة ماء ،ولكن من هوانها عليه فقد اعطاها لمن ياكلون رزقه ،ويشكرون غيره ،ولنعلم ان المال والبنين زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير عقبا ،وان رحمة ربك خير مما يجمعون وأن الآخرة خير لك من الاولى ،وهي خير وابقى
والله معكم ، ولن يتركم اعمالكم ،وهو خير الناصرين