غَزّة تُعطي رَغمَ الحاجَة!

غَزّة تُعطي رَغمَ الحاجَة!

كمال أبو شقفة
2014-01-13

جدول عادي أعظم الصدقة أن تنفق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى وهذا ما فعلته غزة هاشم في وقفتها الإنسانية والأخوية والرجولية مع مخيم اليرموك بسوريا شعرت بواجب أخلاقي يدفعني…

أعظمُ الصدقة أن تنفق وأنت صحيحٌ شحيحٌ تخشى الفقر وتأمل الغنى، وهذا ما فعلته غزة هاشم في وقفتها الإنسانية والأخوية والرجولية مع مخيم اليرموك بسوريا، شَعَرتُ بواجبٍ أخلاقيٍ يدفعني للحديث عن ذلك، فمخيم اليرموك هو أكبر تجمعٍ للفلسطينيين في سوريا الشام، يُحاصر المخيم منذ فترةٍ وتقطع عنه الماء والكهرباء، والمعونة والدواء، وتقصف منازلهم فلا مأوى لهم ولا غطاء ولا كساء، هذا حالهم في الليل وفي رابعة النهار، وفي البرد القارس وفي لهيب الصيف الحار، لا مُعين لهم ولا ناصر إلا رب الأرض والسماء، ولا مغيث لهم إلا مَن لا تَضُنّ خزائنه بالسخاء والعطاء...

تنخرس كل الأفواه والألسنة إلا من دعاء الصالحين الموحدين، وتَشحُّ وتبخل الخزائن التي تنوء بالقوة من كثرتها وكثرة مفاتحها إلا من الرجال الخيرين والأحرار في هذا العالم، وغزة رمز الصبر والإباء في المقدمة دوماً، فهي عنوان العطاء، تعطي رغم حاجتها للعطاء، وتمسح دموع الكثيرين رغم حاجتها لمن يمسح دمعتها، وتنير دروب الآخرين رغم حاجتها لمن ينير شمعتها، وأشعلت وما زالت تشعل وقود التحرر من العبودية للعبيد رغم حاجتها لمن يشعل فتيل سراجها ليبقى زاخرا ومشعا بالنور، قبل أيام سمعنا بل وأيقظتنا مكبرات مساجد القطاع تصدح بالتكبير والتهليل رغم غزارة المطر نجدة ًومساعدةً لإخواننا في يرموك سوريا، تُطلق نداءات وصرخات تعلن البدء بحملةٍ لدعم وإسناد إخواننا في اليرموك، من أجل إطعام جائعهم، وكسوة أجسادهم التي أنهكها وأوجعها الضُر والألم...

يومها شاهدت طفلاً من جيراني يسير في الشارع مبللاً بالمطر، عاجلته بسؤال أين تذهب في هذا المطر؟ فأجابني: لم أخبر أحداً عن ذلك لكنني سأخبرك بذلك شرط ألا تخبر أحدا، فقلت: ولك ذلك، فاجأني وقال بصوتٍ خافت: أعطتني أختي مصروفها الشهري لأضعه تبرعاً لإخواننا في سوريا، يا الله!! كم أثّر ذلك في نفسي فهم ليسوا ميسوري الحال، بل يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف حيث لا يسألون الناس إلحافاً، يا الله !! كم يَعظُم الإنسان حين يُؤثِر إخوانه على نفسه، وكم يَكبُر حين يُعطي ولا ينتظر العطاء إلا من واحدٍ أحد، وكم تسمو نفوسنا حين تكبر القيم وتنمو في ذواتنا، وكم نقترب من رضا الرحمن حين نربي أنفسنا وأطفالنا على ذلك، إنه طبع العظماء، وعادة الكرماء، رغم الفقر المدقع، ورغم قلة ما في اليد، ورغم تأخر الرواتب لأيام وأسابيع وشهور...

إنني على ثقة أن الكثير الكثير من أمهاتنا وآبائنا وأبنائنا صغارا وكبارا قد قدموا من حُلِيّهم وأموالهم وما يملكون بقدر استطاعتهم فداءً وتضحيةً لإنقاذ إخواننا هناك، إن الذي ننفقه ونتصدق به هو مالنا ورصيدنا الحقيقي، والذي نكنزه ونبخل به هو مال غيرنا حتى ولو كنا نحن من يتعب من أجل الحصول عليه، إنها دعوةٌ لكل من يقرأ مقالي أو يسمعُ ندائي ألا نبخلَ بل ونجود حتى نَسدّ رَمَق جائع، ونكسو عُريانا، ونَكفيهم ذُلّ السؤال ولو بالقليل، فليتعلم أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب آبار البترول والغاز مِن أطفال وشيوخ ونساء غزة، فالقليل على القليل كثير، والكلمة مع الكلمة كتاب، والكتاب يصبح عِلماً يُنتفع به ويستفاد منه، ورُبّ تمرةٍ يتصدق بها صاحبها رغم صِغرها وقِلتها تُنقذ إنساناً، وربما تنقذ صاحبها من النار والعثرات كما دخل رجلٌ الجنة بعد إنقاذ كلبٍ بشربة ماء.

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026