يبدو أن قرار حماس المشاركة في الانتخابات البلدية والتشريعية قد أخذ حيزا واسعا واهتماما كبيرا لدى الدوائر الأمنية والإعلامية المحلية والإقليمية والعالمية وخاصة بعد إجراء الانتخابات…
*
يبدو أن قرار حماس المشاركة في الانتخابات البلدية والتشريعية قد أخذ حيزاً واسعاً واهتماماً كبيراً لدى الدوائر الأمنية والإعلامية المحلية والإقليمية والعالمية، وخاصة بعد إجراء الانتخابات البلدية التي أكدت على مدى فاعلية وتأثير حماس في الساحة الفلسطينية، ودلت على الامتداد الشعبي الواسع وسط الجمهور الفلسطيني بحيث أصبحت تهدد مصالح المنتفعين الذين تربعوا على عرش السلطة أكثر من أربعة عقود خلت والأهم، من ذلك وحسب الاستطلاعات أن فوز حماس في الانتخابات التشريعية أكيد بإذن الله والذي سيعطيها دفعة أكثر وقوة أكبر في إثبات وجودها وشرعيتها من خلال الناخب الفلسطيني الذي سيقول كلمته، ومن ثم ستكون المشاركة السياسية تحت قبة البرلمان مع استمرار النهج المقاوم في انتزاع الحقوق الفلسطينية حتى دحر الاحتلال عن أرضنا المغتصبة. إن نجاح هذا النموذج الوطني الرائع سيكون له انعكاساته الايجابية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي بل سيكون له الأثر الكبير على كل أحرار العالم الذين يتوقون إلى الحرية والاستقلال.
ومما زاد من اهتمام العالم أن تلك الانتخابات تجري في ظل الاندحار الصهيوني من قطاع غزة وهذا يعتبر لدى أوساط الشعب الفلسطيني نصراً حقيقياً لفصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس وتأكيداً على أن نهج المقاومة هو النهج الصحيح في طرد الاحتلال في ظل سقوط كل الخيارات الاستسلامية التي جربها المفاوض الفلسطيني ولم تجد نفعاً بل أسفرت عن قتل عرفات بالسم من الذين أعطوه جائزة نوبل للسلام، وجاء محمود عباس ليعطي مرونة أكثر من سلفه وسقفاً أقل إلا أن الصهاينة لم يعجبهم ذلك بل يريدون منه أن ينزع سلاح المقاومة وأن يشعل نار الفتنة بين أبناء الشعب الفلسطيني حتى ولو فعل ذلك لا سمح الله فلن يرضوا عنه " وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ" البقرة آية120.
كيف لا وهم الذين قتلوا زعيمهم اسحاق رابين حين شعروا أنه سيغير من استراتيجية بني صهيون التلمودية .لذا فلا غرابة أن تكون التصريحات المحمومة ضد حركة حماس من قبل بوش وشارون ورايس وشالوم والرباعية والتي مفادها إن أرادت حماس دخول الانتخابات فعليها أن تلقي سلاحها. وقال شارون إن سياسة إسرائيل تجاه حماس لم تتغير وسوف تعترض سبيل أي ناشط من حماس سيتجول في الشوارع وأضاف أنه إن شاركت حماس في الانتخابات فلن تكون هناك تسهيلات أمنية. وقال مستشار شارون الإعلامي إن أي ممثل لحماس سيقوم بدعاية انتخابية لنفسه ينبغي له اتخاذ وسائل الحيطة والحذر خوفاً على نفسه.
لقد ترجم الصهاينة هذا التهديد من خلال الاعتقالات اليومية في صفوف حركة حماس في الضفة الغربية من القيادات والكوادر التي ستدخل الانتخابات البلدية والتشريعية لأجل إعاقة وتعطيل سير العملية الانتخابية. وما اغتيال أمجد الحناوي القائد العام لكتائب القسام شمال الضفة الغربية بمنطقة نابلس إلا بغرض تفجير المنطقة ومن ثم إلغاء الانتخابات. إن الطريقة البشعة التي قام بها العدو الصهيوني في اغتيال الحناوي لم يتصورها عقل، فقد قاموا بهدم البيوت وترويع النساء والأولاد والشيوخ وإخراجهم في العراء وإطلاق الكلاب المسعورة عليهم، ثم قتلوه بدم بارد ولم يكتفوا بذلك بلك قاموا بتفجير الجدار الذي كان بقربه لتنهال الأنقاض على جسده الطاهر فتكسر أضلاعه وتشوه جسده، ثم أخرجوا زوجته لترى زوجها الشهيد أمامها دون أن يسمح لأحد بالاقتراب من المكان .. إنهم اليهود الذين لعنهم الله في القرآن " للُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ " المائدة 78 إنهم اليهود الذين قتلوا أنبياءهم وصالحيهم " إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ " .
إن دماء الحناوي لن تذهب هدراً لقد ظنوا باستشهاده أنهم سيقضون على المقاومة وهم لا يدرون أن الاستشهاد حياة وبحث جديد للأمة " وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " آل عمران 169
دماء الحناوي ستنبت رجالاً سيحولون حياة الصهاينة جحيماً لا يطاق " وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ".
أما موقف السلطة وفتح فهما يرغبان بدخول حماس الانتخابات بشرط عدم الإمساك بالسلطة والقرار الفلسطيني بل يريدونها أن تظل معارضة ضعيفة أمام الأغلبية الفتحاوية. وعلى هذا يخططون ويمكرون فهم الذين فرضوا على السيد محمود عباس تأجيل موعد الانتخابات التشريعية إلى 25/1/2006م حتى يتاح لحركة فتح إعادة ترتيب أوراقها لمواجهة حماس والتحضير لقانون انتخابي يتوافق مع مصلحة فتح الحزبية.
لذا فالمراقب للعملية الانتخابية يرى التخبط والإرباك في قرارات اللجنة المركزية للانتخابات. فمرة تحدد موعد الانتخابات ثم تؤجل، فقد تم الاتفاق على انتخابات البلديات لتكون على مرحلتين، ولكن أصبحت ثلاث مراحل، ثم أربع وهناك مرحلة خامسة وربما تكون سادسة وهكذا. قالوا بنظام الدوائر ثم نظام القوائم وبعد ذلك أصبح نظام المختلط. أعلنوا أن انتخابات المرحلة الرابعة ستجرى في 15/12/2005م في الضفة وغزة (41 مجلساً في الضفة و 3 في غزة) وتأجيل انتخابات بلدية غزة وخان يونس وجباليا والنصيرات إلى إشعار آخر. والأدهى والأمر إنهم أعلنوا عن تأجيل انتخابات مجلس بلدية الخليل المقررة في 15/12/2005م إلى إشعار آخر وذلك بقرار من مجلس الوزراء الفلسطيني بحجة أنهم لم يحصلوا على ضمانات من الجانب الإسرائيلي بشأن التسهيلات الضرورية لحركة الناخبين. وأما بلدية رام الله فقد صدر مرسوم رئاسي يحدد فيه توزيع مقاعد بلدية رام الله بين المسلمين والمسيحيين 8 مقاعد للمسيحيين مقابل 7 للمسلمين الأمر الذي أثار استياء وسخط الأوساط الشعبية والرسمية لهذا المرسوم الجائر.
هذا التخبط والإرباك والفوضى والاستهتار بعقول الناس، والتغيير المفاجئ في المواعيد حسب المزاج والمصلحة الحزبية الضيقة ناتج عن حالة الضعف والتراجع والخوف المتوقع من فوز حماس بأغلبية مقاعد البرلمان. وقد عبر عن هذه الحالة عبد الله الإفرنجي مسئول مكتب التعبئة والتنظيم في لقائه مع الصحفيين في 10/11/2005م فقد اعترف بوجود مشكلة وأزمة حقيقية تواجه حركة فتح التي تستعد لانتخابات داخلية لاختيار ممثليها في الانتخابات التشريعية، وقال " لا أجد أي عذر لوضعنا الحالي داخل فتح وفرصتنا الآن أن نعقد المؤتمر السادس وأن نعبئ الاستمارات وننتخب قيادات .. ولكن للأسف حتى هذه اللحظة لم ننجح في أن نترجم ما نريد على الأرض في كل الأقاليم ... ".
ورغم تلك التحديات الجسام فإن حركة حماس ستمضي بإذن الله في المساهمة في بناء الوطن من خلال المشاركة السياسية والحفاظ على استمرار مشروع المقاومة كي تسود العدالة والمساواة ولكي ينعم شعبنا بالحرية والاستقلال.
ومن هنا فإن أعداء الإسلام يخافون من حماس ويخططون ليل نهار من أجل القضاء عليها لأنها تحمل مشعل النور والهداية لشعبها الصابر وهذا يتصادم مع نفوس الحاقدين المعوجة وقلوبهم الخربة نسأل الله أن يهديهم ويهدي بهم إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ " آل عمران 133.
أ.د.الجامعة الإسلامية - غزة – فلسطين*