لن يفتأ التاريخ يذكر اسم
لن يفتأ التاريخ يذكر اسم «ياسر عرفات» إلا مقترناً باتفاق أوسلو. فالاتفاق الذي أفرزته مفاوضات سرية في العاصمة النرويجية التي يتخذ منها اسمه كان من صنع أبوعمار أساساً. ومن هنا فإن حكم التاريخ بشأن نتائج أوسلو على الأرض، أيا يكون، يتحمل مسؤوليته بالضرورة ذلك القائد الذي تولى زعامة حركة النضال الفلسطيني لمدى أربعة عقود متصلة.
وسواء استحق أوسلو أو لم يستحق لقب «سلام الشجعان»، فإن مما لا شك فيه أن وضع الثورة الفلسطينية بعد أوسلو على الصعيد التطبيقي الواقعي أسوأ مما كان عليه الحال قبل أوسلو. وربما ندم أبو عمار في أيامه الأخيرة على تلك المفاوضات السرية التي أفرزت الاتفاق.
وللإنصاف يجب أن نسجل أن هناك عوامل حفزت عرفات على قبول فكرة إجراء تفاوض مع عدد من كبار الشخصيات اليهودية النافذة في الولايات المتحدة على اعتبار أنها في موقف قوي فريد يمكنها من ممارسة ضغط على القادة الإسرائيليين وحملهم على الاعتراف بالحق الشرعي للشعب الفلسطيني. فقد كانت الفكرة بإغرائها الواضح من ابتكار بضعة رأسماليين فلسطينيين في الشتات.
من ناحية أخرى كان المناخ العام السائد في العالم العربي في أعقاب الحرب الأميركية الأولى على العراق عام 1991 مناخ انكسار وانهزام بالمعنيين المادي والسيكولوجي انعكس على منظمة التحرير الفلسطينية سلباً إلى درجة أن حكاماً عرباً أخذوا يجاهرون بعداء نحو المنظمة وقيادتها.
مع ذلك كان على عرفات أن يدرك أولاً أن مجموعة الرأسماليين الفلسطينيين ينطلقون في تحركاتهم السياسية من مصالحهم الذاتية. ولأنهم رأسماليون كبار على مستوى عالمي فإن مصالحهم في مجال «البيزنس» ترتبط عضوياً بالرأسمالية الغربية التي تتزعمها الولايات المتحدة التي تعتبر أمن "إسرائيل" حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأميركية.
وكان على عرفات أن يدرك أيضاً أن العداء الرسمي العربي من شأنه أن يضعف من موقفه التفاوضي مما يضطره إلى تقديم تنازلات جسيمة للطرف اليهودي – الإسرائيلي، وهذا ما حدث بالفعل.
اتفاق أوسلو أعظم كارثة على مسار الحركة النضالية الفلسطينية. ويكفي أنه ضمن تنازل منظمة التحرير عن نهج الكفاح المسلح دون أي مقابل إسرائيلي بحجم وقيمة هذا التنازل الكبير.
ومن المؤسف أن رحيل عرفات لا يعني رحيل أوسلو، بل صار الحال اشد سوءاً. ذلك أن خلفاء عرفات وفي مقدمتهم محمود عباس (أبومازن) لا يكتفون بمعارضتهم الذاتية لأسلوب الكفاح المسلح بل يذهبون إلى حد التبرع بمحاربة فصائل المقاومة المسلحة.
لكن شعلة الأمل تبقى متقدة. ذلك أن جيل أوسلو العتيق لن يبقى طويلاً.. فهو في حالة انقراض.
صحيفة الوطن القطرية 16/11/2005