أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بالإجماع يعتبر يناير كانون الثاني من كل عام يوما دوليا لإحياء ذكرى ضحايا ما يعرف بمحرقة اليهود في ألمانيا الهولوكوست بادرت إسرائيل إلى…
أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بالإجماع يعتبر 27 يناير/ كانون الثاني من كل عام يوماً دولياً لإحياء ذكرى ضحايا ما يعرف بمحرقة اليهود في ألمانيا (الهولوكوست). بادرت "إسرائيل" إلى تقديم المشروع ودعمتها 103 دول، وصادقت الجمعية العامة عليه بالإجماع. رحبت "إسرائيل" بالقرار، معتبرة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد عادت إلى رشدها بعد أن كانت قد ضلت الطريق إبان وجود الاتحاد السوفييتي. وافقت الدول العربية على المشروع على الرغم من تذمر بعض أعضائها من حصر المشروع في المجازر التي تمت ضد اليهود من دون غيرهم. عبرت الجمعية العامة في قرارها عن رفضها لكل إنكار جزئي أو كلي لحدوث المحرقة اليهودية، ودعت الأمين العام إلى القيام بالنشاطات اللازمة لبثّ الوعي على المستوى العالمي بأحداث المحرقة.
لا أظن أننا كعرب مهتمون بإنكار أي أذى تعرض له أي شعب على وجه الأرض من قبل آخرين أو حكام استبداديين، ولا أظن أننا نريد أن نجادل كثيراً بما تم فعلاً في ألمانيا الهتلرية ضد اليهود. لكن الذي يهمنا بالتأكيد هو استعمال ما جرى في ألمانيا للاعتداء علينا وسلب أرضنا كما حصل في فلسطين. من المفروض أن الإثم لا يجيّر على حساب طرف آخر لا علاقة له بالموضوع، ومن المفروض أن الفاعل نفسه يتحمل وزر أعماله. الأوروبيون عموماً قمعوا اليهود واضطهدوهم وقتلوهم، ووجدوا في النهاية أن التخلص من اليهود عن طريق تصديرهم إلى المنطقة العربية هو الحل. وبهذا يكون الأوروبيون قد طردوا اليهود بصورة جماعية مرتين مرة في زمن الإمبراطورية الرومانية التي طردت اليهود بالجملة وبالقوة من فلسطين، والمرة الثانية على يد كل الأوروبيين بنعومة إلى فلسطين.
يحاول الأوروبيون والأمريكيون القول إنهم نادمون على ما جرى لليهود، ولا بد من التوبة النصوح وتكفير الآثام. لقد فسروا دعم اليهود في هجرتهم إلى فلسطين بناء على ما كان يفعل هتلر، وبرروا سياساتهم بالرحمة التي غزت قلوبهم. طبعاً هذا كذب لأن وعد بلفور كان قد صدر قبل هتلر بوقت طويل، وقناصل الدول الأوروبية مثل النمسا وفرنسا وبريطانيا، وسفير الولايات المتحدة لدى الآستانة كانوا قد سهلوا انتقال الأراضي الفلسطينية إلى أيدي اليهود منذ نهاية القرن التاسع عشر. (لو) كان لدى الغربيين عموماً رحمة تجاه اليهود لمنحوهم حقوقهم على أراضيهم، ولما دفعوا بملايين الفلسطينيين إلى حياة التشرد واللجوء. كيف تكون رحمة بإيواء شخص بيتاً تم طرد صاحبه؟
القرار الأخير للأمم المتحدة يدل للمرات العديدة على أن المنظمة الدولية عبارة عن أداة لتحقيق مآرب القوي. لم تكن الأمم المتحدة منذ إنشائها مستقلة عن تأثير القوى العالمية المتصارعة، وبقيت تتقاذفها القوى المهيمنة وفق مصالحها السياسية. يحتوي ميثاق المنظمة على الكثير من المبادئ النبيلة، ويعج تاريخها بالكثير من الانحرافات والتجاوزات الأخلاقية والتحيزات. حتى إنها منحرفة من الناحية التركيبية لأن الدول الخمس الكبرى تتمتع بحق النقض.
الساطع في التناقض الأخلاقي للأمم المتحدة هو نسيان اللاجئين الفلسطينيين الذين حل محلهم اليهود في فلسطين. هناك الآن حوالي خمسة ملايين فلسطيني مشردين يعيشون في أماكن عديدة من العالم. من هؤلاء حوالي أربعة ملايين مسجلين لدى وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة، ولهم ميزانية مخصصة لسد بعض احتياجاتهم. وهناك أيضاً قرار صادر عن الجمعية العامة وهو رقم 194 يقضي بعودتهم إلى بيوتهم وممتلكاتهم. تتجاوز الأمم المتحدة قرارها الذي أصابته حمى الرفوف المهملة، وتأتي بقرار جديد لم تعد تشكل مادته قضية على الساحة الدولية. أصبحت المحرقة شيئاً من الماضي، بينما لا تزال قضية اللاجئين حية ماثلة أمام العالم بمختلف شواهدها وإرهاصاتها وأبعادها الإنسانية.
من الذي عانى أكثر من الآخر اليهود أم الفلسطينيون؟ لنقل إن هتلر عذب اليهود لمدة تسع سنوات وقتل منهم الأعداد الكبيرة التي يختلف الباحثون في تقديرها، ولنسلم بأن أعداد المحروقين قد بلغت ستة ملايين. اليهود والدول الأوروبية يعذبون الفلسطينيين من بداية القرن العشرين. تم قتل آلاف الفلسطينيين في عهد الانتداب البريطاني، وزجّ الآلاف في السجون مع التعذيب، وهدمت بريطانيا آلاف البيوت وأشاعت في صفوف الفلسطينيين الرعب والخوف. قامت الحركة الصهيونية بعدد من المجازر ضد الشعب الفلسطيني بلغت أكثر من خمس وعشرين مجزرة، ونشرت الرعب بهدف تشريد الفلسطينيين. ملايين الفلسطينيين يعيشون في المخيمات منذ حوالي سبعة وخمسين عاماً ويعانون من مرّ الحياة. يعيش الفلسطينيون في الأرض المحتلة/48 ظروفاً قاسية ويتعرضون للتمييز. أما سكان الضفة وغزة فيتجرعون علقم القتل والتعذيب والتنكيل كل يوم على مدى سبعة وثلاثين عاماً.
هل هناك من يستطيع أن يحسب رياضياً كم عانى اليهود وكم عانى الفلسطينيون؟ أو كم من الرحمة الغربية نزلت على اليهود، وكم من الوحشية نزلت على الفلسطينيين؟ المعايير الأخلاقية المزدوجة خطيرة جداً، وهي تعرض الأمن العالمي والاستقرار للخطر، وإذا ظنت الأمم المتحدة أنها بازدواجيتها ترضي أطرافاً فإن عليها أن تعلم أنها تؤكد عدم حيادها لأطراف أخرى. وإذا كان للأمم المتحدة أن تحيي الذكريات التاريخية فإنه من الخطأ أن تكون انتقائية. الهنود الحمر لهم حق، والروس الذين قتلهم ستالين، العراقيون الذين جزّ رقابهم الأمريكيون، واليابانيون والمكسيكيون.
صحيفة الخليج الإماراتية 15/11/2005