أ د يوسف موسى رزقة في الغرب الأوربي مشاكل عديدة ترتبط بالتقدم المادي والتقني وما طرأ على الحياة الاجتماعية من تغيرات لكن ليس بين مشاكله الكثيرة مشكلة تتعلق بالموطنة في الوقت الذي…
أ.د يوسف موسى رزقة
في الغرب الأوربي مشاكل عديدة ترتبط بالتقدم المادي والتقني وما طرأ على الحياة الاجتماعية من تغيرات ، لكن ليس بين مشاكله الكثيرة مشكلة " تتعلق ( بالموطنة ) ، في الوقت الذي تعاني فيه المجتمعات العربية من مشاكل عديدة أيضاَ جلها مما له علاقة (بالموطنة وحقوق الموطن ؟!)
تتميز العلاقة بين السلطة الحاكمة والمعارضة في البلاد الأوربية بالاستقرار والموضوعية ، لأسباب عديدة ، ربما يكون من أهمها تمتع جميع أبناء المجتمع بحقوق مواطنة متساوية ، وإن تباينت الرؤى السياسية للأحزاب المتنافسة.
لا تشتكي أحزاب المعارضة في أوروبا من ظاهرة ( الإقصاء )، التي هي من اختصاص دول العالم الثالث المتخلف ، إذ إن (الشراكة) هي أساس الحياة السياسية والمدنية عندهم، بينما (الإقصاء السياسي والوظيفي) هو من أهم قواعد العمل الحزبي في الوطن العربي .
في فلسطين المحروسة كما في جل البلاد العربية معارضة تطالب بحقوق مواطنة كاملة لا تباعها، وتندد بحالة التحريف والتزييف والإقصاء التي تمارسها الأجهزة الأمنية التي تنتسب إلى السلطة الحاكمة .
التقى الرئيس ، محمود عباس بعد انتخابه المعارضة وتباحثوا في نقطتين الأولى إزالة الاحتلال ، والأخرى حقوق المواطنة تحقيقاً للشراكة الكاملة الموضوعية في مواجهة الاحتلال وبناء الذات والدولة والمجتمع .
وقد تمخضت هذه المباحثات عن مرسوم رئاسي يلغي بموجبه ما يسمى (قانون السلام الأمنية) الذي يشرف على تطبيقه (جهاز أمن المؤسسات) من أجل إرساء قواعد مواطنة وحياة اجتماعية مستقرة .
قانون (السلامة الأمنية)، وهذا كلام لمن لا يعرفه، قانون إقصائي، يخالف الدستور، والنظام السياسي الفلسطيني، وبموجبه يحرم أبناء المعارضة من الالتحاق بالوظائف (المدنية) و(العسكرية والأمنية) لأن مؤسسات الوطن التعليمية والصحية والاجتماعية والعسكرية لا تكون آمنة وسالمة إلا بإقصاء أبناء المعارضة وإخراجهم منها، لأن المواطنة غير مكتملة لدى المعارضة وأبنائها ؟!!
ما يسمى بالسلامة الأمنية ليس إلا إقصاء وظيفيا تعسفيا يهدف إلى اعتقال حرية المواطن وحقه في اختيار الحزب الذي ينتمي إليه، وتأييد السياسة التي يراها صالحة للوطن، إنه دعوة لممارسة الديكتاتورية والقمع في آن واحد، ولا أبالغ إن قلت إنه وصفة للتخريب والتدمير والتخلف.
إننا في غزة والضفة نمثل أحدث سلطة في الوطن العربي وربما في العالم، وقد مارس النظام العربي فلسفة الإقصاء الوظيفي والسياسي لمدة خمسين عاماً أنتجت له تخلفاً وتمزقاً أورثه هزائم منكرة، وها هو يعود إلى نقطة البداية مطالباً بالمواطنة المتساوية الحقوق من أجل البناء ومواجهة التخلف والتمزق والهزائم. ولعل في التجربة التركية ما يغني ويفيد فها هي الأحزاب الإسلامية تعود إلى سدة الحكم بعد أعوام طويلة من الإقصاء الإجباري تزعم تطبيقاته العسكر والعلمانيون واليساريون.
إن الكيس الفطن من اعتبر بنفسه أو بغيره، غير أن الأجهزة الأمنية في فلسطين المحروسة ترفض الاعتبار، وتتمرد على القرار الرئاسي، استجابة للروح الإقصائية التي تسكن مصالح ذاتية لبعض المتنفذين تحت ستار الحاجة إلى حماية الوطن ومؤسساته من اختراقات المعارضة ومؤيديها ؟!!
إن نظريات الإقصاء الوظيفي هي نظريات فاشلة على المستوى الأمني والمدني والحضاري، لأنها تصادم الفطرة والخلق، فالله سبحانه يرزق المجتمعات المسلمة والكافرة، ويعطي من الدنيا وزينتها المسلم والعاصي والمشرك، وربما زاد للأخير حتى لا تبقى له حجة يحتج بها.
الإقصاء الوظيفي ليس نظرية محترمة يمكن مناقشتها وتحليلها وتصويبها وإثراؤها لأنها لا تزيد عن رؤية ديكتاتورية غاشمة فاسدة في ذاتها ومفسده لغيرها،وهي نقيض للمواطنة وهدم لحقوق المواطن وإرساء لقواعد معاملات تمزق وحدة المجتمع وسلامته المدنية.
إن في الإقصاء الوظيفي دعوة لممارسة (الرشوة, والمحسوبية، والوساطة) بغرض الحصول على وظيفة، وفيه تربة خصبة للفتن والصراعات والتنازع الحزبي والاجتماعي .
الإقصاء الوظيفي لا يحمي الوطن ولا يحرس المؤسسة، بل يسدد ضربه قاضية للقانون ، ويدعو للفلتان الأمني والسياسي والمدني، وقديماً قالوا لا قانون للجياع، ولا سلام مع المحرومين من الحق في الحياة الكريمة. وإن المعتقلات والملاحقات الأمنية ليست أدوات ناجحة في تطبيق قانون هو ضد الفطرة والمنطق والعدل وضد المواطنة التي فصل حقوقها الدستور ، وكلف المجلس التشريعي بحمايتها.
إن (الإقصاء الوظيفي والسياسي) ميراث فاسد ورثناها من الأنظمة الشمولية المختلفة التي حكمت الكتلة الشرقية والعالم العربي في عقد الستينيات، حيث اعتقد قادة النظام العربي بسبب ما يسكنهم ذاتياً من روح ديكتاتورية أنه بالإمكان جمع الأمة على رأي سياسي واحد ، وهو أمر ثبت بالهزيمة في عام 1967م أنه يدخل في باب المحال عقلاً وشرعاً وتاريخاً، وثبت أيضاً بما أصاب الاتحاد السوفيتي من تفلك وتفسخ أنه ضار ومدمر .
إن قوة المجتمع العربي، وبالذات الفلسطيني هنا، تكمن في عدالة القانون وشفافية التطبيقات بما يمنح المواطنين جميعاً شعوراً متساوياً بالكرامة والشراكة، وإن تباين الانتماء السياسية هي ظاهرة صحية في المجتمعات الحديثة، وإن تعدد الأحزاب لا ينقص حق المواطن بالمواطنة الكاملة التي تتساوي مع مواطنة الآخرين، بل نحن في حاجة للتعدد من أجل المنافسة في البناء، ومن أجل الرقابة، ومن أجل حماية المواطنة ومنع التغول والديكتاتورية .
لقد مارس الاحتلال ضدنا الإقصاء بأشكال مختلفة، فأنكر يوماً وجود الشعب الفلسطيني وأسمانا أقليات عربية في دولة إسرائيل، وحرم الأحرار والمناضلين من حقوقهم في وظائف مدنية كريمة، ومن حقهم الطبيعي في العمل، لذا يجدر بنا أن نكون أكثر شعوب الأرض حساسية من ظاهرة الإقصاء، وأكثر شعوب الدنيا رفضا لها !!.
قبل عيد الفطر السعيد تحدث المواطن (م) عن فصله من العمل في التعليم بقرار من أمن المؤسسات وقبلها بأسابيع تحدث المواطن ( ن) عن فصله من الشرطة، وقبلها بأسابيع اشتكى مواطن للأستاذ (زياد أبو عمرو) في إحدى الندوات من قانون الحرمان الوظيفي الذي الغاه الرئيس أبو مازن ، وأجمع الحضور أن الأجهزة الأمنية ما زالت تمارس الإقصاء الوظيفي ضد أبناء المعارضة ؛ ويومها تحدث بعض المواطنين عن مظاهر مختلفة للإقصاء، استغرق جل مؤسسات الوطن حتى جهاز الإطفاء وأجهزة تشغيل البطالة.
وهذا استدعى في هذا المقال حديثاً مباشرا في ظاهرة الإقصاء لا لأنها ضد القانون والطبيعة البشرية والفطرة فحسب، وإنما لأنها تُطبق في مجتمع يعاني نصف أبنائه من بطالة ، أى من إقصاء وظيفي طبيعي وقسري لا تعمل السلطة له شيئاً يذكر، ربما لغياب القدرة على العمل، أو لضيق ما باليد من الدخل القومي، أو ربما لتغلغل الفساد هنا وهناك. إنه بغض النظر عن الأسباب فإن مجتمع الضفة وغزة لا يحتمل مصيبة البطالة ومصيبة الإقصاء ، إضافة إلى جرائم الاحتلال والاغتيال، وهذا يستدعي تحركا رئاسيا وقانونيا ومؤسسيا وشعبيا وحزبيا للخروج من أزمة الإقصاء .. آسف من أزمة الديكتاتورية والأنانية.