إلى ياسر عرفات

إلى ياسر عرفات

د عطالله ابو السبح
2005-11-14

يوافق عام على رحيلك ما نمر به وأنت الذي سرت في الطريق الطويل الشاق وقد بدأت التنفيذ قبل ما يزيد على الأربعين عاما يوم أن كنت مهندسا في دولة الكويت مع رفاق غادروا الدنيا في معظمهم…

يوافق عام على رحيلك ما نمّر به، وأنت الذي سرت في الطريق الطويل الشاق، وقد بدأت التنفيذ قبل ما يزيد على الأربعين عاماً، يوم أن كنت مهندساً في دولة الكويت مع رفاق غادروا الدنيا -في معظمهم- وأنت على قيد الحياة واخترتم لحركتكم اسم (فتح) ، التي أمست ، من أشهر الحركات التحررية في العالم، ومن أكثرها إثارة للجدل، طرحها زميلك صلاح خلف في بواكير حياته في كتاب كبير أسماه (فلسطين بلا هوية) ، كما طرحته كتب أخرى وموسوعات، جاءت في مقدمتها الموسوعة السياسية، والتي كان لعبد الوهاب الكيالي دور عظيم في إنشائها ورعايتها والإشراف عليها قبل أن تفجره قنبلة موقوتة صنعت في تل أبيب، وزرعها في سيارته أحد عملاء الموساد، وهو ما جرت عليه عادة يهود في قتل أبناء شعبنا النابهين، وبذا فأمثال الكيالي هم كثر، وبجهودك وصحبك وصلتم إلى موقع قيادة شعبنا بعد أن انكسرت راية العرب في حزيران (يونية) بعد أن هبت ريح هوجاء من قلب تل أبيب أيضاً، وتهاوت رؤوس كنا نظنها تستعصي على التهاوي، وانهارت نظرية القومية العربية التي طالما ركبناها قارب نجاة، وكم هتفنا وصفقنا ، ولم نك نعلم أننا كنا نهتف لسراب، ونصفق لمحض طيف أو خيال، أو تهويمات كاهن، كم أوهمنا بقدرته (الفذّة) في تحضير الأرواح، وحبس شمهورش (ملك الجن الأحمر) في قمقم مختوم، لا يقوى منه على فكاك، وليس له في الفعل حيلة، انكسرت راية العرب قبل النزال بنزال ، وقبل الهبوي بهبوب ، انكسرت في سوريا فالتقم الوحش النازي (الصهيوني) هضبتها المنيعة، وانكسرت في مصر فالتقم ذات الوحش سيناء كل سيناء، التي عرفت في التواريخ بأنها مقبرة الغزاة، وامتلأنا غيظاً عندما أخذ يغسل موشيه ديان قدميه في مياه القناة، تلك التي أشعل الطواغيت الثلاثة أرض الكنانة لهبا تحت أقدمام بنيها، عندما أممها جمال، وانكسرت على أرض غزة، وتمزق جيش التحرير الفلسطيني، الذي كان في طور الحضانة، ولما يكن قد جف  الحبر الذي كتب قرار التجنيد الإجباري على شعبنا، ليقوم بتحرير أرضه، كل أرضه، من رجس الصهاينة، والدويلة المسخ كما كنا ننعتها، ويروق لنا أن نسمي إسرائيل، وسقطت غزة بين أنياب الوحش، رغم استبسال بنيها، وانكسرت راية العرب في القدس درة القلب، وحبيبة السماء على رأي، محمود حسن إسماعيل الذي كتب بكائيته وعادت الطيور في المساء ، فلم تجد في القبة الضياء، يا قدس يا حبيبة السماء، ولكن لم تجد صرخة شاعر ، وهل تجدي مثل هذه الصرخة وسط قوم بلغوا اللدد في خصومتهم للسماء؟ والتهم الوحش أرض الضفة بجبالها الأمنع، وسهولها بكنوزها ، ببحرها، بقبابها، ضاعت مدينة الثورة، وحاضنة جبل النار، نابلس، كما ضاعت عذابات عمواس التي طالما سلّخ الكرباج العربي لحوم (النشاما) من أبنائها، وما نقمت منهم إلا أنهم طالبوا بأن تكون لهم شوكة لتدفع عنهم غائلة يهود، سقطت عمواس تحت سنابك خيل يهود، وفيها من الأحداث ما تزهو بها الدنيا فضلاً عن عمواس التي تحتضن جثامين الصحابة والتابعين، وسقط أحمد الشقيري، ذلك الرجل الذي ملأنا عزة وثورة بخطابه البليغ، ولسانه الذرب الفصيح، ومفرداته التي كانت تشفي صدور قوميين عرب!!

إن أربع دول ، سقطت بين مخالب العصابات، وطحنتها طاحون الشياطين من يهود، ولبست تل أبيب تاج النصر، فانغرز في صدورنا خنجر الهزيمة، ولم نقوَ على لعق جراحنا، حتى كانت (معركة الكرامة) التي ملأت الدنيا ضجيجاً وعجيجاً، وأخذنا نصرخ من قلب ذبيح (وانتصرنا.. انتصرنا) كان لصراخنا بريق وللإعلام بريق أشد كتب بأحرف مبهرة في سماء العرب (فتح) حتى النصر حتى النصر... شعار رائع، أطفأ النيران في حلوقنا، وأطفأ الجمر الذي استقر تحت أقدامنا، وفي قلوبنا، كنا نردده ولا نعلم أنه نصر على الرجعية العربية أولاً ونصر على الصهيونية ثانياً، ونصر على الإمبريالية ثالثاً، كنا لا نعلم حدود قوتنا في غمرة الصراخ ، ونعلم الشعار دون المضمون،قفزت بك الكرامة الى موقع القيادة ،ذهب احمد الشقيري ،وذهب خليفته "الانتقالي "يحيى حمودة ،وجئت !! جئت من الخندق ،وقد امطت عن وجهك اللثام كما اماطه صحبك كذلك ،وعرفنا من يومها رجالا لم نكن نعرفهم الا (آباء ) ،انتقل (الفدائي ) من نفق عيلبون ،وجبل القرنفل ليجالس (الزعماء ) المهزوم منهم والشامت،التقدمي والرجعي ،الثوري والعميل ،وكنت انت دون صحبك في المقدمة ،ما تركت مدينة على الارض الا وزرتها ،وما تركت زعيما الا واعتنقته ،حتى اولئك الذين داسوا (كرامة ) العرب ،ومرغوا الحق العربي في الرغام،وجعلوا من الجيوش العربية (مساخر ) وصل بك الامر ان تصافح رابين ،وان تحرص على اداء واجب العزاء فيه ،ورضيت ان تجلس الى (ليا) زوجته لتقدم لها العزاء حاسر الرأس ، وما عهدناك بذلك قط ،من اجل عيون سلام الشرفاء الذي بدأوهما ولن يكون خاطرا ،ناهيك عن الاحتمال ،ولا اقول بدأ في ذهنك حلما ،فانت الذي تركت الكرسي الذي استمعت وانت جالس عليه صوت (الداهية) من فم السادات عندما اعلن للوهلة الاولى عن استعداده للذهاب الى هناك ،الى القدس ،التى اصبحت بفعل الهزيمة العروبية (اورشليم) ،وانت الذي كنت تعبئ شعبك وجندك بالميثاق الذي جعل من فلسطين كل فلسطين ارضا لدولة فلسطين التى حملت حركتك هم اقامتها ،ولسخريات القدر بنا ان يدي هي التى شطبت الميثاق ،بعد ان وصفه لسانك بـ(كوداك) ذلك الوصف الذي كنا نجهل معناه ،حتى تبين لنا انه (فاقد الصلاحية) او ما يقرب من هذا المعنى !! رحلة طويلة ما بين البداية والنهاية ،اجتمعت لك فيها الشهرة حتى غنت لك صبايانا الاغاني في افراح الزفاف ،والختان ،وحتى استقبلتك العواصم ،وحمل رسمك الثوار واطفال المدارس ،واجتمع لك المال ،والقرار ،فكنت تمنع وتمنح ،تبدا الحرب وتنهيها ،فانت الرقم الصعب في ايلول ،والبداوي ،وبيروت وفي صور ،والكرنتينا ،انت القائد ،ومدير مؤسسة (صامد) وانت حامل المفتاح،بك يتقدم رجال فتح الى المناصب والسفارات والمؤتمرات .وبكلمة منك ينزوون وراء الشمس تامر بفك حبل المشنقة عن محكوم بالاعدام ،وتسجن اعضاء في اللجنة المركزية ،كم امتلأت قلوب بحبك وقلوب تمنت لك الفناء ،وكلاهما ممن يدينون ظاهر او باطنا بالولاء !! واجتمعت لك اسباب البقاء في كرسي القيادة ،حتى ذهبت.... وذهب معك الكثير من الاسرار ،حتى موتك كان لغزا،لا يفك طلسمه غير (شمهورش) ملك الجان الاحمر ،ذهبت اموال ومقدرات ،ولا زالت قرارات واتفاقيات ومواثيق في قمقم شمهورش ،يخرج كل حين بشيء منها ،فيشتد فيها الجدل ،بين مؤيد ومفكر ولا يعنيني بواطن الامور ،رحلت وقد وجدنا القضية في تيه ما قبله تيه ،ولا بعده تيه ،رحلت وانت حبيس طليق ،شهدت مصارع رفاقك حقيقة او اعتبارا ،الا اقل القليل ،اسمعك من وراء الاشياء تنادي على (سلام الشجعان) فماذا رد عليك ،واين انت الان ،اما نحن فلنا فيك عبرة .

* هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع
جميع الحقوق محفوظة لدى دائرة الإعلام العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام ©2026